القيادي في حماس إبراهيم جبر:
ليالي الدعاء وكرامات المجاهدين
سجّل الأهالي نماذج أسطورية في التضحية
كان هدف جميع المقاومين النصر أو الشهادة
إبراهيم جبر، أحد قادة حركة حماس، اعتُقل
خلال معركة مخيم جنين واتهمته قوات الاحتلال بالمشاركة في القتال في صفوف حركة
حماس. أنكر التهمة رغم تعرضه لتحقيق قاسٍ وحكم بالسجن لمدة 3 سنوات بتهمة
العضوية في حماس، وبعد إنهاء حكمه جرى تحويله للاعتقال الإداري مرتين، وخلال
اعتقاله استشهد ابنه الأكبر مصعب خلال تصديه لقوات الاحتلال في هجوم استهدف
مخيم جنين.
جبر قال: أهم إنجاز حققته الملحمة وما سنبقى نفتخر به هو الوحدة الميدانية بين
جميع القوى والفصائل والمقاتلين والمواقف المشرفة لأهالي المخيم والتعامل الذي
شكل حاضنة للمقاومة، مما ميّز معركة المخيم وموقعتها عن الوقائع الأخرى.
ما لا أنساه أسميه الكرامات التي حصلت في المعركة، ومن ضمنها أن الصواريخ في
عدة أحداث تسقط بين المجاهدين بشكل مباشر ولا تؤدي لأي خسائر أو إصابات، ففي
اليوم الخامس من المعركة أطلقت طائرات الهيلوكبتر صاروخين على منزل أبو جمال
الطوباسي الواقع في حارة الحواشين، وكان في المنزل عدد من المجاهدين، والانفجار
كان قوياً، والحدث أثار خوفنا وقلقنا، ولم نتخيل للحظة نجاة أي من المجاهدين،
ولكن إرادة الله كانت، أكبر فقد حمى الله برعايته المجاهدين، فكانت أمامي إحدى
كرامات المعركة عندما شاهدنا إخوتنا المجاهدين سالمين رغم أن الصاروخ سقط في
وسط الغرفة. وفي حادثة أخرى في اليوم التاسع من المعركة، وفي إحدى الساحات
الواقعة وسط المخيم حيث كانت تتواجد مجموعة من المجاهدين، قامت الطائرة بإلقاء
صاروخ مباشر بينهم، وكان الله معنا فنجا الجميع من هذه المجزرة...
من الصور التي ميزت المعركة الوحدة الوطنية بين الجميع والتعاون بين الأهالي
والإعداد المسبق للمعركة من قبل المجاهدين الذي شمل الاستعدادت العسكرية
والجانب المعنوي والتعبوي عبر البيانات في المساجد والإعلانات التعبوية في
أحياء المخيم والأناشيد والتجهيزات الطبية والتموينية وإعداد مراكز تموين رغم
تواضعها، فعندما هوجم المخيم كانت تلك الاستعدادات البسيطة هي الركيزة الأساسية
في معركة الصمود.. أضف إلى ذلك الاجتياحات السابقة كانت عاملاً مهماً في إعطاء
تجربة وكسر حاجز الخوف لدى الأهالي والمقاتلين بعد مواجهة الاحتلال.
في المعركة برزت طبيعة الوحدة بين المقاتلين وكان التنافس الإيجابي في سبيل
الهدف العام، لم يكن هناك تنظيمات، فقد تلاشت الأسماء وحضرت استعدادات التضحية
والمقاومة والفداء، فلم تُسمَّ محاور فتح أو حماس أو الجهاد بل محور باسم
المقاومة التي تصدت ببسالة للاحتلال، ولاحظنا ذلك من خلال ما أحاط بجنود
الاحتلال من هزيمة وتردٍ في المعنويات، فكنا نسمع صرخاتهم وبكاءهم، وبعضهم كان
يبكي ويقول ((أمي لا أريد أن أموت)) مما رفع معنويات المقاتلين.
توزع المجاهدون في مختلف المحاور، وتم ترتيب قضية الاتصالات من خلال أجهزة خاصة
وشحن الهواتف والاتصال مع الناس في المحيط لرصد تحركات الجنود، وكنا نعتمد
النظام المركزي واللامركزي، فهناك توجيه مركزي للمقاومة وهناك حرية استخدام
الوقت والطريقة حسب ظروف المعركة..
الجميع قاتل في المخيم؛ المرأة والشيخ والشاب إلى جانب المقاتلين، ولولا أهالي
المخيم لما صمدنا. أتذكر الشهيدة مريم الوشاحي التي كانت تعمل ليلاً نهاراً
لتأمين المعلومات والطعام للمقاتلين، وعندما قلت لها قبل استشهادها في إحدى
المرات حيث كانت تعرض نفسها لنيران الدبابة: انتبهي لأن حركتك تشكل خطراً، بكت
وقالت سلامة الشباب والمجاهدين أولى من سلامتي، وأبحث عن سلامة أبنائي.
واستشهدت برصاص الاحتلال خلال تجهيزها الإفطار للمقاتلين، كما استشهد ابنها
منير في المعركة.
وأتذكر صبحية العمار أبو خليفة التي استشهد ابنها لاحقاً، كانت لا تتوقف عن
الصلاة والدعاء والعمل لتجهيز الطعام والشراب وتغطية المقاتلين. وكذلك أتذكر
وجيهة طالب النورسي؛ من النساء العظيمات التي قدمت ابنها شهيداً وعملت بلا كدّ
من أجلنا، وفتحت أبواب محلّها الذي كانت تقتات منه وسمحت للمجاهدين أن يأخذوا
ما يريدون دون مقابل، ونساء تعجز الكلمات عن وصفهن..
ملحمة المخيم كانت نتاج ثقافة المقاومة التي خلقت جيل رفض الهزيمة وأصر على
المقاومة، والأطفال كانوا يشكلون حراسة على المحاور وتبليغ المقاتلين بتحركات
الجيش.
المواطن الفلسطيني في مخيم جنين قام بهدم جدار منزله وإحداث ثغرة لتأمين تنقل
المقاتلين من بيت لآخر، لم يكونوا يترددون بفعل أي شيء من أجل المقاومة، وعندما
سألت أحد أصحاب البيت كيف تقوم بهدم جدران المنزل فأجاب كما أجاب غيره سلامة
المجاهدين أهم من سلامة بيتي وأنا جزء من هذه المعركة.
من الصور المؤلمة الجرحى والشهداء، والشهداء كنا نعجز عن دفنهم ونضطر لنقلهم من
منزل لآخر حتى لا تهدم المنازل عليهم، وهذا ما حصل في النهاية مثل الشهيد منير
الوشاحي والشهداء الأربعة الذين استشهدوا في منزل خالد السعدي، والشهداء الذين
تمّ إيصالهم للمستشفى، فاضطرت إدارة المستشفى -لعدم وجود أماكن في الثلاجات-
لدفنهم في ساحات المستشفى، وقام بدفنهم طاقم الأطباء.
أما الجرحى فحدّث ولا حرج، حيث كانت أوضاعهم تتفطر لها القلوب وبعض الإصابات
كانت بسيطة ممكن علاجها، ولكن لعدم وجود العلاج أدت لاستشهادهم مثل محمد
الحويطي. ومن أصعب الطلبات التي وجهها إلينا الجرحى كانت نستحلفكم بالله أن
تعالجونا أو أريحونا من الألم. ذلك لأن آلامهم كانت صعبة، حتى أن محمد كانت
إصابته في العظم وتحولت لغرغرينا، وكذلك منير الوشاحي كانت إصابته طفيفة، ولكن
لعدم تمكننا من إيقاف النزيف أدى ذلك لاستشهاده.
في البداية كانت الصلاة في مجموعات ويتخللها أدعية بحرارة، وكنت تشعر أن هناك
حباً للجهاد والاستشهاد والجنة، وتلمس أيضاً أن الجميع يريد هدفاً واحداً هو
النصر أو الشهادة، وخيار الاستسلام غير وارد في أجندة المقاومة.
وبسبب انقطاع المياه اضطر الأهالي والمقاومون لشرب الماء الآسن وشح الطعام في
الأيام الأخيرة، وأصبحنا نبحث حتى عن رغيف الخبز، ولم يعد يتوفر حليب في
البيوت.
حاول المقاتلون إحباط البلدوزرات بكل الأشكال، ولكنها كانت محصنة ومصفحة، وكان
المنظر المروع أن المخيم بدأ يتآكل ويهدم بيتاً بيتاً.
في أحد الأيام حاولنا فتح خط على الحارة الغربية للتخفيف من الضغط على حارة
الحواشين بعد محاصرة المقاتلين ونقل جزء من المقاتلين للتخفيف عن الأهالي وخلق
جبهات جديدة مع الاحتلال، وانتقلنا من بيت لبيت، وعندما صعدنا لأحد المنازل في
الطابق العلوي وجدنا أن الجرافة قامت بقضم نصف المنزل وباقي المنازل في نفس
الشارع، وفوجئنا بالجيش والدبابات قبالتنا مما اضطرنا للعودة بسرعة وسط الذهول.
من القضايا التي لا تنسى إذا كان المجاهدون يشاهدون شهيداً يبكون ليس فقط حزناً
على الشهيد، بل لأنه سبقهم للشهادة التي أصبح الجميع يتنافس لأجلها. كان
المجاهدون يجتمعون في الحارات حول النيران المشتعلة عندما يكون هناك هدوء،
ويرددون الأناشيد الدينية والوطنية. وهناك مسيرات في بعض الأزقة وفيها تهاليل
وأدعية دينية للتخفيف عن الأهالي..
كان لدينا إعلام داخلي منظم عبر مكبرات الصوت، نوجه نداء للجنود إذاعة داخلية
وبث بيانات باللغة العبرية وتخاطب الجنود لإضعاف معنوياتهم، حيث يفرون من
المناطق، في إحدى المرات وأنا بجانب أحد البيوت سمعت صراخ مواطن للجنود
بالعبرية يطلب وقف هدم منزله لأن هناك أطفالاً، ولكن الهدم لم يتوقف حتى هدموا
المنزل على المعاق جمال الفايد ولم نعثر على جثته.
ما حصل في مخيم جنين والسير على هذه الخطى قد يكون أقصر الطرق، لكل شهيد ملحمة
بطولية لا تنتهي، سواء من صموده أو مواقفه البطولية أو قتاله من أجل الشهادة.
أتذكر الشهداء طوالبة وأبو حلوة، كنا نقرأ الشهادة في عيونهم وتسابقهم من
أجلها. أما الاعتقالات فكانت تتم بشكل مهين، ويتم تعرية المعتقلين، ومعاملة
الجنود كانت تميل للانتقام والثأر وتكشف الحقد والكراهية.