فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

May2007
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
وجه وحدث
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
تقرير
مؤتمــر
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
قضايــا
تحليــل
شؤون العدو
شؤون دولية
الغلاف1
الغلاف2
حــوار
الملف1
الملف2
الملف3
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
صورة معبّرة
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
رسائل من الوطن
لوحات فنية
لحظة

 

الملف2

القيادي في حماس إبراهيم جبر:
ليالي الدعاء وكرامات المجاهدين
سجّل الأهالي نماذج أسطورية في التضحية
كان هدف جميع المقاومين النصر أو الشهادة

إبراهيم جبر، أحد قادة حركة حماس، اعتُقل خلال معركة مخيم جنين واتهمته قوات الاحتلال بالمشاركة في القتال في صفوف حركة حماس. أنكر التهمة رغم تعرضه لتحقيق قاسٍ وحكم بالسجن لمدة 3 سنوات بتهمة العضوية في حماس، وبعد إنهاء حكمه جرى تحويله للاعتقال الإداري مرتين، وخلال اعتقاله استشهد ابنه الأكبر مصعب خلال تصديه لقوات الاحتلال في هجوم استهدف مخيم جنين.
جبر قال: أهم إنجاز حققته الملحمة وما سنبقى نفتخر به هو الوحدة الميدانية بين جميع القوى والفصائل والمقاتلين والمواقف المشرفة لأهالي المخيم والتعامل الذي شكل حاضنة للمقاومة، مما ميّز معركة المخيم وموقعتها عن الوقائع الأخرى.
ما لا أنساه أسميه الكرامات التي حصلت في المعركة، ومن ضمنها أن الصواريخ في عدة أحداث تسقط بين المجاهدين بشكل مباشر ولا تؤدي لأي خسائر أو إصابات، ففي اليوم الخامس من المعركة أطلقت طائرات الهيلوكبتر صاروخين على منزل أبو جمال الطوباسي الواقع في حارة الحواشين، وكان في المنزل عدد من المجاهدين، والانفجار كان قوياً، والحدث أثار خوفنا وقلقنا، ولم نتخيل للحظة نجاة أي من المجاهدين، ولكن إرادة الله كانت، أكبر فقد حمى الله برعايته المجاهدين، فكانت أمامي إحدى كرامات المعركة عندما شاهدنا إخوتنا المجاهدين سالمين رغم أن الصاروخ سقط في وسط الغرفة. وفي حادثة أخرى في اليوم التاسع من المعركة، وفي إحدى الساحات الواقعة وسط المخيم حيث كانت تتواجد مجموعة من المجاهدين، قامت الطائرة بإلقاء صاروخ مباشر بينهم، وكان الله معنا فنجا الجميع من هذه المجزرة...
من الصور التي ميزت المعركة الوحدة الوطنية بين الجميع والتعاون بين الأهالي والإعداد المسبق للمعركة من قبل المجاهدين الذي شمل الاستعدادت العسكرية والجانب المعنوي والتعبوي عبر البيانات في المساجد والإعلانات التعبوية في أحياء المخيم والأناشيد والتجهيزات الطبية والتموينية وإعداد مراكز تموين رغم تواضعها، فعندما هوجم المخيم كانت تلك الاستعدادات البسيطة هي الركيزة الأساسية في معركة الصمود.. أضف إلى ذلك الاجتياحات السابقة كانت عاملاً مهماً في إعطاء تجربة وكسر حاجز الخوف لدى الأهالي والمقاتلين بعد مواجهة الاحتلال.
في المعركة برزت طبيعة الوحدة بين المقاتلين وكان التنافس الإيجابي في سبيل الهدف العام، لم يكن هناك تنظيمات، فقد تلاشت الأسماء وحضرت استعدادات التضحية والمقاومة والفداء، فلم تُسمَّ محاور فتح أو حماس أو الجهاد بل محور باسم المقاومة التي تصدت ببسالة للاحتلال، ولاحظنا ذلك من خلال ما أحاط بجنود الاحتلال من هزيمة وتردٍ في المعنويات، فكنا نسمع صرخاتهم وبكاءهم، وبعضهم كان يبكي ويقول ((أمي لا أريد أن أموت)) مما رفع معنويات المقاتلين.
توزع المجاهدون في مختلف المحاور، وتم ترتيب قضية الاتصالات من خلال أجهزة خاصة وشحن الهواتف والاتصال مع الناس في المحيط لرصد تحركات الجنود، وكنا نعتمد النظام المركزي واللامركزي، فهناك توجيه مركزي للمقاومة وهناك حرية استخدام الوقت والطريقة حسب ظروف المعركة..
الجميع قاتل في المخيم؛ المرأة والشيخ والشاب إلى جانب المقاتلين، ولولا أهالي المخيم لما صمدنا. أتذكر الشهيدة مريم الوشاحي التي كانت تعمل ليلاً نهاراً لتأمين المعلومات والطعام للمقاتلين، وعندما قلت لها قبل استشهادها في إحدى المرات حيث كانت تعرض نفسها لنيران الدبابة: انتبهي لأن حركتك تشكل خطراً، بكت وقالت سلامة الشباب والمجاهدين أولى من سلامتي، وأبحث عن سلامة أبنائي. واستشهدت برصاص الاحتلال خلال تجهيزها الإفطار للمقاتلين، كما استشهد ابنها منير في المعركة.
وأتذكر صبحية العمار أبو خليفة التي استشهد ابنها لاحقاً، كانت لا تتوقف عن الصلاة والدعاء والعمل لتجهيز الطعام والشراب وتغطية المقاتلين. وكذلك أتذكر وجيهة طالب النورسي؛ من النساء العظيمات التي قدمت ابنها شهيداً وعملت بلا كدّ من أجلنا، وفتحت أبواب محلّها الذي كانت تقتات منه وسمحت للمجاهدين أن يأخذوا ما يريدون دون مقابل، ونساء تعجز الكلمات عن وصفهن..
ملحمة المخيم كانت نتاج ثقافة المقاومة التي خلقت جيل رفض الهزيمة وأصر على المقاومة، والأطفال كانوا يشكلون حراسة على المحاور وتبليغ المقاتلين بتحركات الجيش.
المواطن الفلسطيني في مخيم جنين قام بهدم جدار منزله وإحداث ثغرة لتأمين تنقل المقاتلين من بيت لآخر، لم يكونوا يترددون بفعل أي شيء من أجل المقاومة، وعندما سألت أحد أصحاب البيت كيف تقوم بهدم جدران المنزل فأجاب كما أجاب غيره سلامة المجاهدين أهم من سلامة بيتي وأنا جزء من هذه المعركة.
من الصور المؤلمة الجرحى والشهداء، والشهداء كنا نعجز عن دفنهم ونضطر لنقلهم من منزل لآخر حتى لا تهدم المنازل عليهم، وهذا ما حصل في النهاية مثل الشهيد منير الوشاحي والشهداء الأربعة الذين استشهدوا في منزل خالد السعدي، والشهداء الذين تمّ إيصالهم للمستشفى، فاضطرت إدارة المستشفى -لعدم وجود أماكن في الثلاجات- لدفنهم في ساحات المستشفى، وقام بدفنهم طاقم الأطباء.
أما الجرحى فحدّث ولا حرج، حيث كانت أوضاعهم تتفطر لها القلوب وبعض الإصابات كانت بسيطة ممكن علاجها، ولكن لعدم وجود العلاج أدت لاستشهادهم مثل محمد الحويطي. ومن أصعب الطلبات التي وجهها إلينا الجرحى كانت نستحلفكم بالله أن تعالجونا أو أريحونا من الألم. ذلك لأن آلامهم كانت صعبة، حتى أن محمد كانت إصابته في العظم وتحولت لغرغرينا، وكذلك منير الوشاحي كانت إصابته طفيفة، ولكن لعدم تمكننا من إيقاف النزيف أدى ذلك لاستشهاده.
في البداية كانت الصلاة في مجموعات ويتخللها أدعية بحرارة، وكنت تشعر أن هناك حباً للجهاد والاستشهاد والجنة، وتلمس أيضاً أن الجميع يريد هدفاً واحداً هو النصر أو الشهادة، وخيار الاستسلام غير وارد في أجندة المقاومة.
وبسبب انقطاع المياه اضطر الأهالي والمقاومون لشرب الماء الآسن وشح الطعام في الأيام الأخيرة، وأصبحنا نبحث حتى عن رغيف الخبز، ولم يعد يتوفر حليب في البيوت.
حاول المقاتلون إحباط البلدوزرات بكل الأشكال، ولكنها كانت محصنة ومصفحة، وكان المنظر المروع أن المخيم بدأ يتآكل ويهدم بيتاً بيتاً.
في أحد الأيام حاولنا فتح خط على الحارة الغربية للتخفيف من الضغط على حارة الحواشين بعد محاصرة المقاتلين ونقل جزء من المقاتلين للتخفيف عن الأهالي وخلق جبهات جديدة مع الاحتلال، وانتقلنا من بيت لبيت، وعندما صعدنا لأحد المنازل في الطابق العلوي وجدنا أن الجرافة قامت بقضم نصف المنزل وباقي المنازل في نفس الشارع، وفوجئنا بالجيش والدبابات قبالتنا مما اضطرنا للعودة بسرعة وسط الذهول.
من القضايا التي لا تنسى إذا كان المجاهدون يشاهدون شهيداً يبكون ليس فقط حزناً على الشهيد، بل لأنه سبقهم للشهادة التي أصبح الجميع يتنافس لأجلها. كان المجاهدون يجتمعون في الحارات حول النيران المشتعلة عندما يكون هناك هدوء، ويرددون الأناشيد الدينية والوطنية. وهناك مسيرات في بعض الأزقة وفيها تهاليل وأدعية دينية للتخفيف عن الأهالي..
كان لدينا إعلام داخلي منظم عبر مكبرات الصوت، نوجه نداء للجنود إذاعة داخلية وبث بيانات باللغة العبرية وتخاطب الجنود لإضعاف معنوياتهم، حيث يفرون من المناطق، في إحدى المرات وأنا بجانب أحد البيوت سمعت صراخ مواطن للجنود بالعبرية يطلب وقف هدم منزله لأن هناك أطفالاً، ولكن الهدم لم يتوقف حتى هدموا المنزل على المعاق جمال الفايد ولم نعثر على جثته.
ما حصل في مخيم جنين والسير على هذه الخطى قد يكون أقصر الطرق، لكل شهيد ملحمة بطولية لا تنتهي، سواء من صموده أو مواقفه البطولية أو قتاله من أجل الشهادة. أتذكر الشهداء طوالبة وأبو حلوة، كنا نقرأ الشهادة في عيونهم وتسابقهم من أجلها. أما الاعتقالات فكانت تتم بشكل مهين، ويتم تعرية المعتقلين، ومعاملة الجنود كانت تميل للانتقام والثأر وتكشف الحقد والكراهية.

 

المجاهد في كتائب الأقصى أبو العامر:
سرّ الصمود كان روح الوحدة وإرادة التحدي وثقافة الاستشهاد


السر الكبير في صمود المقاومة في معركة مخيم جنين هو روح الوحدة وإرادة التحدي وثقافة الاستشهاد التي جعلتنا نجلس جميعاً ومعاً للتحضير للمعركة، وكل فصيل دفع بكل ثقله لتجهيز مقاتليه الذين استفادوا من المعارك السابقة مع الاحتلال. في نفس الوقت تزايد عدد الشبان الذين تدافعوا للتدريب على السلاح وتجهيز العبوات، وتوزعت المهام واشترك الجميع في التخطيط والتجهيز، خاصة بعد الهجوم الإسرائيلي الشرس على المخيم.
عندما بدأ الهجوم الإسرائيلي كانت المقاومة قد أنهت استعدادتها، بل على مدار أيام لم ننم ونحن نجهز ونستعد عبر جمع السلاح وتدريب المقاتلين ووضع الخطط، والانطلاقة كانت بتشكيل غرفة العمليات المشتركة للمقاومين والتي أنيط بها إدارة المعركة وتوجيه المقاتلين. واتفق الجميع على تحديد القواعد العامة مع ترك الفرص متاحة للتحرك وفق قواعد الوضع الناجم.
بعد تجهيز السلاح والعبوات وتوزيع المهام وفرق الحراسة بدأنا نأخذ احتياطات لمواجهة الحصار عبر توفير التموين والغذاء والماء، وتساعد معنا الأهالي بشكل كبير لأن الاحتلال في المرة السابقة عزل المخيم ودمر كل مقومات الصمود وقصف محولات الكهرباء وشبكات الهاتف والمياه، وبعد تعبئة المقاتلين والأهالي قام كل بدوره في تجهيز المنازل والأحياء بالمياه والمعدات والمصابيح الكهربائية والبطاريات؟ كما جرى تزويد المقاتلين بأجهزة اتصال خلوية واخترنا الأورانج الإسرائيلي، لأن شبكة جوال الفلسطينية تقطع بفعل آلة الاحتلال التدميرية في إطار مخطط الاحتلال لعزل المخيم ومنع وسائل الاتصال. كما تمكنا من توفير هواتف لاسلكي وزعت بشكل منظم على المقاتلين لسهولة استخدامها، بينما شكلنا فرق اتصال متخصصة من الأهالي لتبليغ المقاتلين وغرفة العمليات بتحركات المحتل لتجاوز الكمائن وتوجيه المعركة وفق قدرات وإمكانات المقاومين وإيقاع الخسائر في صفوف العدو. وتزودنا بمولد كهرباء وأحضرنا عدداً كبيراً من بطاريات السيارات التي وزعت على الأحياء بإشراف عدد من الشبان والأهالي المتطوعين.
تناقل المقاومون خبراتهم ومعلوماتهم وتعاهدوا على الشهادة والمقاومة ورفض الرضوخ والاستسلام والتشبيك مع أهالي المخيم الذين انخرطوا بالمعركة وفتحوا أبواب بيوتهم ليل نهار.
لحظة الصفر كانت في الثانية فجراً عندما بدأ الهجوم، لن أنسى الفرحة من قبل الأهالي قبل المقاومين لمواجهة المحتل، أعتقد أنه لم ينم أحد في المخيم في تلك الليل، وبينما كانت دبابات الاحتلال تتقدم كانت المسيرات تجوب المخيم والمآذن تردد دعوات النصر والتكبيرات. الأهالي صعدوا للمنازل، والمقاتلون في الشوارع، وبدت الصورة كرحى معركة حقيقية، وسرعان ما بدأت المعارك. المقاتلون اندفعوا بقوة نحو دبابات الاحتلال، ولكن الهجوم كان أكبر من المتوقع فالاحتلال كان حريصاً على إغلاق كل مداخل المخيم وعزله عن جنين. وبينما انتشرت الدبابات على مشارف المخيم، فإنها لم تتمكن من الدخول لأزقته وشوارعه التي فخخت بالعبوات والقنابل.
لم نهَبِ الحشود والطائرات، ورغم التعزيزات الكبيرة لم ينتظر المقاومون الاحتلال، فكانوا يهاجمون آلياته في مواقعها. وتعالت أصوات الانفجارات تصيب آليات الاحتلال، بعدما اختبأ جنودهم في الدبابات ولم يجرؤ أحد منهم على إخراج رأسه..
عجزت قوات الاحتلال في الأيام الأولى عن الوصول لساحة المخيم الرئيسية ولكن بعد انضمام سلاح الجو للمعركة والبدء بعمليات القصف تغيرت الخطة وانتشر المقاتلون في الأحياء، معنوياتهم كانت كبيرة والبعض كان يواصل تجهيز العبوات لإمداد المقاتلين الذين كانوا يصرون على التحدي، فيتسللون في جنح الظلام حتى يصلوا لمواقع قريبة من الاحتلال، فتبدأ المعارك، أحياناً خضنا المعارك عن بعد أمتار ولكن الجنود لم يخرجوا من دباباتهم.
استمرت الهتافات ومكبرات الصوت تدوي في أرجاء المخيم لتبث روح الإرادة والتحدي لدى المقاتلين، بينما كانت النساء توزع الحلوى عندما تأتي أخبار المعارك في الأحياء ومداخل المخيم، حيث سقط بعض الجنود واندحر الاحتلال في عدة مواقع وعجز عن الوصول إليها.
طوال المعركة لم أسمع مقاتلاً واحداً يتحدث عن الاستسلام والخوف والتراجع، كنت أقرأ وأشاهد معنى وحب ولهفة الإيمان والشهادة والقتال في كل مقاتل. الجميع كان يتنافس من أجل الشهادة، وكنا معاً إخوة ومجاهدين حماس وفتح وجهاد ورجالاً ونساء وشباناً نتحدث عن الصمود والمواجهة والشهادة، وفي الصلاة لطالما سمعت إخوتي يتضرعون إلى الله أن يرزقهم الشهادة..
اشتدت المعارك وبدأ القصف يتزايد، الطائرات والدبابات دمرت خزانات وأنابيب المياه ومحطات وأعمدة الكهرباء وشبكات الاتصال، ولكن المعنويات كانت عالية، رغم أننا لم نكن ننام سوى للحظات معدودة. كنا نفترش الأرض وننام في العراء عندما يداهمنا التعب والنعس، فإما أن يضع المقاتل رأسه على حجر ويخلد للنوم بينما يأخذ آخر موقعه وإما أن ينام في الشارع على عمود الكهرباء أو تحت أحد الجدران ويقوم رفاقه بالقتال أو حراسته.
كان الأهالي معنا بعضهم يجهز الطعام وآخرون يجمعون الماء أو يتفقدون المقاتلين الذين تناسوا كل شيء ولم يعودوا يفكرون بغير المواجهة أو الشهادة، ولن ننسى عظمة الأهالي الذين حرموا أطفالهم الماء والطعام وقدموه للمقاتلين، حتى بعدما قصفت منازلهم ودمرت لم تنل صواريخ العدو من إرادتهم كانت النساء والرجال يقولون ((فداكم يا أبطال)).
اشتد القصف والحصار وتمكن الاحتلال بفعل القصف من التقدم لبعض المواقع، ولكن نداء الصمود والمقاومة كان لسان حال الجميع، حتى عندما أصبحنا بدون طعام أو ماء، ورغم ذلك واصلنا ملاحقة جنود الاحتلال. وفي غالبية الأحيان كانوا يفرون من الموقع ويتركون سلاحهم.
وفي كثير من الأحيان وصلت الاشتباكات حد المواجهة المباشرة، وفي إحدى المرات كان الجنود متمركزين في الطابق الثالث لإحدى البنايات، والمقاومون في الثاني ودارت بينهم اشتباكات عنيفة جداً، ونجحنا أحيانا في استدراج الجنود إلى داخل المخيم بشكل مخطط ليقوم المقاتلون بمهاجمتهم بشكل مباشر ومن ثم الانسحاب والعودة إلى وسط المخيم. وعندما يدخل الجنود الحارات تخرج لهم مجموعات الكمائن وتستمر المعارك. وفي مرة أخرى تم قتل عدد من الجنود قرب منزل الشهيد محمود طوالبة والذي يقع على أطراف المخيم، حيث تمركز من 4 - 6 جنود صهاينة في محيط المنزل، وبعد اشتباك قصير تمركزوا داخل البيت، وعندها قام المقاومون ومن ضمنهم الشهيد طوالبة بإحداث فتحات في جدران المنازل المجاورة لإدخال عبوة كبيرة إلى داخل منزل طوالبة، وذلك في الوقت الذين كان المقاومون في حالة اشتباك مع الجنود لإجبارهم على البقاء داخل المنزل، فبدأ الجنود يستغيثون بالمقاتلين ويقولون: ((يا شيخ يا حج))، ويطلبون العفو وذلك بعد أن نفدت ذخيرتهم، ولم تتمكن الفرق الأخرى من الوصول إليهم لشدة نيران المقاومة، والمقاومون إذ ذاك يكبرون تكبيرة العيد بشكل جماعي وهم يمطرون الجنود بالرصاص، حتى أن أحد شبان المقاومة أصيب بيده وهو يطلق النار على الجنود هناك، إلا أنه استمر في إطلاق النار وهو ينزف، ورفض الانسحاب من موقعه. وبعد أن تمكن المقاومون من إلقاء العبوة داخل المنزل وتفجيرها، هدأت الأصوات وعمّ السكون المكان، فانسحب المقاومون بعد أن غنموا عدداً من الأسلحة و((مهدّة باطون)) وأدوات إسعاف أولية. وبعد حوالي نصف ساعة تم إخراج الجنود من داخل المنزل وحسب من رأوه فقد كانت ما بين أربعة إلى ستة أكياس سوداء.
كانت العبوات سلاحنا الرئيسي، فقد زرعت في كل ركن وزاوية وتفجرت في وجوه الجنود. والتفخيخ كان السمة البارزة لكل أزقة المخيم، فما إن يتم استدراج الجنود إلى أحد الأزقة حتى ينسحب منه المقاتلون ويتم تفجيره، وهذا ما حدث في زقاق بيت الوشاحي يوم السبت رابع أيام المعركة، حيث قتل الجنود بالعبوات وسط إطلاق كثيف للنيران عليهم.
كثيرة هي الصور، والكلمات ستبقى عاجزة لأن الاحتلال لم يهزم المخيم ولم يتمكن من ارتكاب مجزرته إلا بعد القصف والتدمير وهدم المنازل واستخدام البلدوزرات. وكلما تذكرت المعركة أدركت أن الاحتلال لن يهزم شعباً يتمسك بثقافة الاستشهاد ويؤمن أن في الشهادة حياة، لذلك فإن معركة مخيم جنين لم تنتهِ بعد.
 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003