الخطة الأمريكية ضد إيران:
عقوبات وقصف لتدمير عشرة آلاف هدف وقلب النظام
واشنطن/د.أسامة
عبد الحكيم
أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش وأركان حكومته مراراً أن الخيار العسكري في
التعامل مع الملف النووي الإيراني هو الخيار الأخير. معنى هذا الكلام أن هذا
الخيار لم يسقط بالكامل. ومع فرض مجلس الأمن الدولي حظراً على إيران وإصرار
الأخيرة على المضي قدماً في برنامجها بتخصيب اليورانيوم، بل واستخفافها
بالقرار، يعاد طرح السؤال من جديد، هل ستقوم الولايات المتحدة بمهاجمة إيران؟
كشْفُ وسائل الإعلام الأمريكية المبكر عن خطط إدارة الرئيس بوش للقيام بمهاجمة
إيران عسكرياً وحتى باستخدام الأسلحة النووية إذا لزم الأمر يرجح قيام أمريكا
بعملية كهذه.
آخر ما جاء في هذا المجال من تصريحات ورد على لسان بوش نفسه حين أعلن في العاشر
من كانون الثاني/يناير الماضي أن إيران تساعد أعداء أمريكا في العراق، وهدد
بوضع حد لذلك عن طريق تدمير القوى التي توصل السلاح لأعداء أمريكا في العراق
وتدربها وتمدها بالأسلحة الحديثة.
من جهته أعلن ستيفن هيدلي مستشار الأمن القومي الأمريكي بأنه لا يستبعد هجوماً
على إيران، فيما أعلنت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية بأن كل الاحتمالات ما
زالت على الطاولة، في تلميح لإمكانية توجيه ضربة عسكرية لإيران.
خطوات عملية
لم يكتفِ الجانب الأمريكي بالتصريحات حيال الموضوع بل لجأ إلى القيام بعدة
خطوات تعزز إمكانية الهجوم العسكري. فسياسياً تلجأ الولايات المتحدة إلى حشد
رأي عام محلي ودولي مؤيد لعمل عسكري. وقد ركزت رايس خلال جولاتها الشرق أوسطية
الأخيرة على محاولة كسب تأييد من أسمتهم بالمعتدلين العرب لصالح مشروع العمل
العسكري ضد إيران. ودبلوماسياً تسعى الولايات المتحدة لتنفيذ قرار مجلس الأمن
بفرض عقوبات على إيران، ومن ثم تشديد تلك العقوبات في حال لم تمتثل إيران
للقرار واستمرت ببرنامجها النووي. وقد استطاع الرئيس بوش عبر اتصال هاتفي مع
الرئيس بوتين كسب موقف موسكو المؤيد للعقوبات، واستطاعت رايس كسب موقف مماثل من
الصين، فيما دول السوق الأوروبية وأستراليا وكندا تؤيد الموقف الأمريكي
بالكامل.
وعسكرياً، أمر الرئيس بوش بتوجه حاملة طائرات ومجموعة من السفن وغواصات نووية
إلى مياه الخليج العربي. وبدأت الولايات المتحدة بنصب صواريخ ((باتريوت))
المضادة للصواريخ حول إيران، فيما اعتبر أنه استعداد للحرب ضدها، ذلك أن الحرب
ضد رجال المقاومة في العراق ليست بحاجة لمثل تلك الأسلحة. وبذلك يكون الرئيس
بوش قد ضاعف عملياً من حجم القوات الأمريكية المنتشرة في الخليج.
ووصف مراقبون تعيين الرئيس بوش للجنرال وليم فيللون في قيادة المنطقة العسكرية
الوسطى التي تقع إيران ضمنها، بأنه خطوة تجاه الحرب على إيران. فالجنرال فيللون
سبق وقاد حاملة طائرات في الخليج إبان الحرب على العراق وكان أحد كبار ضباط
هيئة الأركان المشتركة في المنطقة.
ضرب الإسلام المتطرف
وعلى الصعيد الإعلامي وفي محاولة لخلق وحشد رأي عام مؤيد لضرب إيران، تنشط
وسائل الإعلام التي تدور في الفلك ((الإسرائيلي)) واليميني المحافظ على مهاجمة
إيران وكيل الاتهامات لها مؤكدة على دورها في إثارة المتاعب أمام القوات
الأمريكية في العراق وتهديدها بشن حرب ضد (إسرائيل). ونشرت مجلتي ((التايم))
و((كومنتري)) الأمريكيتين مؤخراً مقالين لاثنين من كبار منظري المحافظين الجدد
كريستول وبودهوريتز دعَوَا فيهما لشن الحرب على الإسلام المتطرف والدول التي
تدعمه وأشارا إلى إيران كونها دولة داعمة للإرهاب على حد زعمهما.
يختلف سيناريو الهجوم على إيران من وقت لآخر. وتنشر وسائل الإعلام المختلفة
خططاً متناقضة للهجوم. إلا أن هناك شبه إجماع على أن أي هجوم على إيران سيتم من
خلال توجيه ضربات صاروخية تشمل عشرة آلاف هدف في اليوم الأول للحرب. وستركز
الولايات المتحدة في هجماتها على منع إيران من الرد. وسيشمل الهجوم المراكز
النووية المشتبه بها ومقار حرس الثورة والاستخبارات ومراكز الاتصالات، وتدمير
البنية التحتية لضمان نقمة الشعب الإيراني على حكومته والعمل على إسقاطها.
مواقف معارضة
لكن خيار الإدارة الأمريكية بالتحرك عسكرياً يبقى محدوداً. فحرب الولايات
المتحدة ضد العراق تجد معارضة مستمرة ومتزايدة. وانتقلت معارضة الحرب من
المعارضة الشعبية إلى المعارضة الحكومية. فهناك معارضة كاملة من الحزب
الديمقراطي ومن كبار أعضاء الحزب الجمهوري الحاكم. ولا تقتصر المعارضة على
المدنيين، إنما امتدت لتشمل العسكريين وكبار الضباط خاصة المتقاعدين منهم وضباط
الاحتياط. ومن غير المستبعد تشكيل رأي عام معارض للحرب على إيران على غرار
معارضة الحرب الأمريكية على العراق.
كما أنه من الصعوبة على الولايات المتحدة شن حرب مفاجئة على إيران. فالكونغرس
الأمريكي يدرس مشروع قرار يقيد صلاحيات الرئيس بوش في إعلان الحرب على إيران
دون موافقته، وروسيا لن تضحي بحياة أكثر من 2000 خبير وفني روسي يعملون في
المشروع النووي الإيراني.
ولا تضمن الولايات المتحدة تأييداً دولياً للخيار العسكري كما ضمنته لفرض
عقوبات على إيران. فلروسيا رغم عدم الثقة بمواقفها المساندة لإيران إلا أن لها
مصالح اقتصادية وجيواستراتيجية مهمة فيها، والصين لن تضحي بسهولة باستثماراتها
البالغة 116 مليار دولار تستثمر معظمها في قطاعي النفط والغاز الإيرانيين. أما
أوروبا فلن تستطيع العيش دون نفط الشرق الأوسط في حال أقدمت إيران، بنتيجة
الحرب، على إغلاق مضيق هرمز ومنع إمدادات النفط من المرور عبره، أو قصفها لحقول
نفط الدول الخليجية انتقاماً منها لسماحها للولايات المتحدة بالانطلاق من
أراضيها أو مياهها الإقليمية لمهاجمتها.
وتجد أمريكا أنه من الصعوبة فتح جبهة ثانية. فانشغال الولايات المتحدة بالحرب
على العراق ونيتها زيادة عدد الجنود هناك يمنع أو يحد من قدرتها العسكرية
المحدودة أصلاً. وتعاني القوات العسكرية الأمريكية من نقص في عدد أفرادها مما
دعاها إلى خفض مستوى مؤهلات المتقدمين للخدمة العسكرية. وبات بمقدور من لم يحصل
على الثانوية العامة أو صاحب السجل الجنائي أو مدمن الكحول والشاذ جنسياً أن
يتقدم للالتحاق بالقوات المسلحة.
تغيير النظام
تهدف الولايات المتحدة من حملتها المرتقبة ضد إيران إلى تغيير نظام الحكم فيها.
ويرى الرئيس بوش أنه صاحب رسالة سماوية هدفها نشر الحرية والديمقراطية في
العالم. وبما أن النظام في إيران ليس ديمقراطياً وفق المقاييس الأمريكية، فإن
بوش مطالب بتغييره. وتعتقد الإدارة اليمينية الأمريكية أن هزيمة حكومة إيران
عسكرياً ستؤدي إلى قيام الإيرانيين بالثورة على نظام حكمهم كما حدث في صربيا.
وتمهيداً لذلك أعلنت الإدارة الأمريكية أنها رصدت 75 مليون دولار لمساعدة
المنظمات غير الحكومية في إيران لنشر الديمقراطية وبناء مؤسسات المجتمع المدني،
وهو ما يعني عملياً بناء رأس جسر لتدخل أمريكي أكبر في الشأن الداخلي الإيراني،
تمهيداً لقلب نظام الحكم. وتنوي الإدارة الأمريكية تعزيز دور الأقليات على
الساحة الإيرانية ودعمها للحصول على الحكم الذاتي، ومن ثم المطالبة بقيام دولة
فدرالية وفق النموذج العراقي. مما يعني تقسيم إيران إلى عدة دول، وانهيار الحكم
المركزي، ضمن سياسة ((الفوضى البناءة)) التي أطلقتها رايس لبناء الشرق الأوسط
الجديد. من شأن هذا الأمر، إن تمّ، أن يضع حداً للطموح الإيراني بلعب دور
إقليمي في المنطقة، خاصة بعد أن أعلنت الولايات المتحدة أن إيران تسعى لتكون
المحور الأقليمي الجديد في منطقة الشرق الأوسط وآسية الوسطى، وأنها تسعى لتحويل
العراق إلى محافظة شيعية تكون إيران مرجعيتها.
تحريض إسرائيلي
تبقى (إسرائيل) المستفيد الأول، إن لم يكن الوحيد، من توجيه ضربة عسكرية
لإيران. وتعتقد الحكومة الإسرائيلية أن هذا الوقت أنسب من غيره للقيام بمثل تلك
الخطوة. فالإدارة الأمريكية تحولت إلى خاتم بيد الحكومة الإسرائيلية تحركها
كيفما شاءت. ولا تدري (إسرائيل) كيف سيكون موقف الرئيس الأمريكي الجديد بعد
سنتين على ضوء هزيمتها في لبنان، وهزيمة أمريكا المرتقبة في العراق. وتستفيد
(إسرائيل) كثيراً من تأثير اللوبي الصهيوني على الإدارة الأمريكية، وكذلك من
تأثير المحافظين الجدد على القرار الأمريكي. وإذا نجحت أمريكا في القيام بتلك
الضربة وتدمير إيران كما فعلت في العراق وأفغانستان تكون (إسرائيل) قد ضمنت عزل
سوريا ومن ثم حزب الله وشلت قدراتهما العسكرية، وحرمت حركة حماس من حليف قوي
تستند إليه في وقت الأزمات، وشكلت حالة من اليأس عند جمهور المسلمين يشبه إلى
حد كبير تأثير هزيمة عام 1967، مما يعني مضي العديد من السنين حتى تستفيق
الأمّة من حالة اليأس تلك، تنعم (إسرائيل) خلالها بحالة من الاستقرار.
أمام التردد الأمريكي والمعارضة الشعبية والحكومية وانشغال الولايات المتحدة
بالحرب في العراق، هل تقوم (إسرائيل) بهذه المهمة؟
صحيفة ((التايمز)) اللندنية نشرت في عددها الصادر بتاريخ 7/1/2007 تقريراً
أشارت فيه إلى قيام (إسرائيل) بوضع خطط لتدمير منشآت تخصيب اليورانيوم
الإيرانية باستخدام أسلحة نووية تكتيكية، وأن ضباطاً أمريكيين وإسرائيليين قد
اجتمعوا عدة مرات لدراسة القيام بذلك.
لكن يبقى خيار (إسرائيل) دفع الولايات المتحدة للقيام بتلك المهمة. وبدأت
السلطات الإسرائيلية باستخدام نفوذها لدفع الولايات المتحدة للقيام بشن الحرب.
فقد بدأ الضغط الصهيوني على أعضاء الكونغرس المؤثرين في القرار الأمريكي لتأييد
الرئيس بوش في حربه المتوقعة على إيران. واستطاع اللوبي الصهيوني دفع ستيني
هويير -زعيم الأغلبية الديمقراطية- للتصريح بأنه من غير المعقول السماح بإيران
نووية. ويحمل القادة الإسرائيليون الملف النووي الإيراني إلى الدول التي
يزورونها طلباً لدعمها في تأييد ضربة عسكرية لحماية العالم من الخطر النووي
الإيراني، فقد كان هذا الملف محور مباحثات أولمرت مع بوش وبوتين وجينتاو أثناء
زيارته لعواصم بلدانهم.
ويبقى السؤال المطروح هل ستشن الولايات المتحدة الحرب على إيران بمفردها؟ أم هل
ستكلف (إسرائيل) القيام بها على غرار تكليف إثيوبيا بشن حرب بالوكالة ضد
الصومال؟ أم هل ستكون العملية العسكرية مشتركة؟ ومتى سيتم ذلك؟