قصة اتفاق مكة
كيف جرى وما هي نتائجه؟!
بيروت/رأفت مرة
كان لقاء دمشق بين المجاهد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس ورئيس السلطة
الفلسطينية محمود عباس محطة سياسية مهمة، وعاملاً قد يساعد في وقف عمليات
التخريب والقتل المنظم الذي يقوده التيار الاستئصالي بقيادة محمد دحلان والذي
تدعمه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
الواقع الميداني
في دمشق اتفق الرجلان على تحريم الاقتتال الداخلي وتعزيز الوحدة الوطنية، لكن
قبل أن يجف حبر الكلمات، اندلع العنف مجدداً في قطاع غزة، وقامت المجموعات
التابعة لدحلان بقتل 24 عضواً في حركة حماس والقوة التنفيذية، وانفجرت عبوة
بآلية تابعة للقوة التنفيذية فقتل عنصران، واقتحمت مجموعة تابعة لدحلان مسجد
الهداية وقتلت عدداً من المصلين بينهم إمام المسجد، ثم هاجمت مجموعة من الحرس
الرئاسي تقدّر بمئتي عنصر مباني الجامعة الإسلامية مرتين وأحرقتها.
هذه الأعمال التخريبية المنظمة كانت تهدف إلى التالي: تعطيل اتفاق دمشق، فرض
واقع على الأرض يسمح بإنهاء وجود القوة التنفيذية، ضرب بنية حماس الأساسية،
محاصرة المؤسسات الحكومية والعامة وإسقاطها. وكان هذا المخطط ينفذ بغطاء ودعم
أمريكي ممثلاً بإليوت أبرامز؛ عضو مجلس الأمن القومي، الذي كان يدير المعركة
ويشرف عليها. وكان أبو مازن في أجواء هذا المخطط، إذ إنه طوال الفترة التي حدثت
فيها الهجمات على حماس والقوة التنفيذية والمؤسسات العامة كان يتنقل بين دافوس
في سويسرا والأردن وأديس أبابا، رافضاً أن يوجه أي أمر لجماعته لوقف
اعتداءاتهم.
صمود القوة التنفيذية وأعضاء حماس ورفض الشارع الفلسطيني لهذا المخطط أفسد
المشروع الاستئصالي وحجّمه. وتزامن ذلك مع ردود فعل فلسطينية عنيفة على
الاقتتال ومحاولات ووساطات إسلامية وعربية لوقفه.
على الأرض كانت الأمور تجري بغير ما اشتهى قادة الانقلاب في السلطة. إذ قامت
مجموعات من القوة التنفيذية بالسيطرة على كافة مراكز الأمن الوقائي
والاستخبارات في مدينة غزة وشمالي القطاع، وتمّت السيطرة على شاحنات عسكرية
تحمل عتاداً عسكرياً من دولة عربية إلى الحرس الرئاسي، ورفض 325 عنصراً من
الأمن الوقائي الأوامر الصادرة لهم بإطلاق النار على حماس، وعصى أوامر إطلاق
النار على حماس والفلسطينيين 25 عنصراً من الحرس الرئاسي التابع لمحمود عباس.
واضطر قادة التيار الاستئصالي بقيادة محمد دحلان وسمير مشهراوي إلى الهرب
ولجأوا إلى مبنى الأمن الوقائي في تل الهوى.
في هذا الوضع أجرى خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس اتصالات هاتفية بعدد من
رؤساء وملوك وقادة الدول العربية والأحزاب العربية والإسلامية للتدخل من أجل
الضغط على محمود عباس وجماعته لوقف الفتنة.
وساطة
أول من تلقّف هذه المناشدة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، فأجرى
وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل اتصالاً هاتفياً برئيس المكتب السياسي لحماس
ودعاه لجلسة حوار في مكة المكرمة. خالد مشعل سارع إلى تلبية الدعوة، عندئذ اضطر
أبو مازن إلى التجاوب مع المبادرة السعودية للأسباب التالية:
- فشل الحسم العسكري على الأرض، ووضع دحلان وجماعته في الحضيض.
- لا يستطيع أبو مازن رفض الدعوة السعودية لما تمثله الرياض من وزن ديني
وسياسي.
- سيخسر أبو مازن وتياره الكثير شعبياً إذا رفض دعوة السعودية بعدما أعلنت حماس
قبولها، ولن يستطيع أبو مازن تبرير رفضه هذا للفلسطينيين.
المناخ الدولي
الدعوة السعودية للفلسطينيين للتحاور تزامنت مع موقف دولي أقل حدة مما كان عليه
في السابق. فالولايات المتحدة كانت ولا تزال ضد حماس ونهجها وضد وجودها بأي شكل
من الأشكال في الحكم، وضد مشاركة أي فريق لحماس في حكومة الوحدة الوطنية.
لكن واشنطن تريد إراحة الوضع العربي قليلاً بسبب مأزقها في العراق ومخططها لضرب
إيران أو لمحاصرتها، وهي تحتاج لموقف عربي وسعودي مؤيد. وأوروبا تحاصر الشعب
الفلسطيني وحكومته وتصرّ على القبول بشروط اللجنة الرباعية. لكن أوروبا صارت
محرجة بسبب ما وصل إليه المجتمع الفلسطيني، وصار الأوروبيون مقتنعين بضرورة
التعامل مع حكومة مخففة تشارك فيها حماس. وهذا ما عبّر عنه منسّق السياسة
الأوروبية خافييه سولانا في رام الله، حين أعلن استعداد الأوروبيين للتعامل مع
حكومة وحدة وطنية.
ثم إن الولايات المتحدة وحلفاءها في العالم يحاولون، في ظل الأزمة المتوترة في
العالم بسبب المواقف الأمريكية، القيام بتحركات من شأنها تخفيف التوتر السياسي،
لذلك أعلنت كوندوليزا رايس تنشيط التحركات السياسية والبحث عن طريقة لقيام دولة
فلسطينية.
وفشلت رايس أكثر من مرة في الضغط على أبو مازن لمنعه من القيام بأي تقارب مع
حماس، فحين طلبت رايس من أبو مازن عدم زيارة دمشق رد عليها بأن جلال الطالباني
حليف واشنطن أمضى سبعة أيام في سوريا. لذلك صار أبو مازن على قناعة بأن واشنطن
تلعب به وتستغله لصالح مشاريعها في المنطقة في ظل عجز الولايات المتحدة عن
إقناع الحكومة الصهيونية بتقديم تسهيلات يستفيد منها الفلسطينيون.
الوفود
إزالة العقبات السياسية أمام لقاء مكة، سمح بالبدء في مرحلة تشكيل الوفود،
فتشكل وفد حماس من 15 شخصاً يمثلون الضفة الغربية وغزة والخارج، وشكلت الحكومة
وفدها إلى الحوار، وأتت فتح بوفد يضم ثمانية أشخاص غاب عنه مؤسسون من فتح وكبار
قادة اللجنة المركزية، ما عكس أجواء من عدم الارتياح داخل فتح. وكان اللافت في
وفد فتح أنه ضمّ محمد دحلان وسمير المشهراوي وهما قادة التيار الاستئصالي. لم
تعترض حماس على وجود دحلان ومشهراوي لسببين: أنها لا تريد أن تتدخل في تشكيلة
وفد فتح، وأن وجودهما إما أن يساهم في إنجاح اللقاء أو يعمل على تخريب الحوار
فيتحملا تبعاته.
البروتوكول
أعدت المملكة العربية السعودية استقبالاً مميزاً للوفود، وأرسلت طائرة خاصة إلى
مطار العريش في مصر لإحضار من جاء من قطاع غزة. واستقبل الملك السعودي أولاً
رئيس السلطة محمود عباس ثم وفد حركة حماس، ثم استضاف الوفود على العشاء. وتحدث
الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى الوفود داعياً إياهم إلى التحاور والتوافق،
وناشدهما وقف الاقتتال.
قبل التقاء الوفود الفلسطينية في جلسة العمل حاول أبو مازن أن يجلس على رأس
طاولة مستطيلة ويضع حماس عن يساره وفتح عن يمينه على قاعدة أنه رئيس السلطة
وأنه مستقل، لكن حماس رفضت الفكرة وأكدت أن أبو مازن حضر كرئيس لحركة فتح أيضاً
وأن الطاولة المستديرة هي الحل الأنسب ويجلس حولها الجميع بالتساوي.
النقاش
قبل انعقاد الجلسات وبُعيد وصول الوفود إلى جدة، قام خالد مشعل رئيس المكتب
السياسي لحماس على رأس وفد من الحركة بزيارة أبو مازن في مقرّه، وصباح اليوم
التالي فاجأ خالد مشعل الجميع بأنه ركب سيارة محمود عباس التي أقلتهما من جدة
إلى مكة، وهناك تحدث خالد مشعل عن ضرورة إنجاح الحوار ووقف الفتنة ووضع أبو
مازن أمام مسؤولياته في منع إراقة الدم الفلسطيني وضرورة الوصول إلى تفاهمات،
ومن ثم عرض مشعل على أبو مازن جدول أعمال اللقاء فوافق رئيس السلطة على ذلك.
وتشكلت إثر الحوار ثلاث لجان هي: لجنة الشراكة الفلسطينية، ولجنة تشكيل حكومة
الوحدة الوطنية ولجنة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية.
الدور السعودي
لم تدخر المملكة العربية السعودية وقيادتها جهداً إلا وبذلته من أجل إنجاح
الاتفاق. فوقف الاقتتال بين أبناء الشعب الواحد هو مطلب سعودي، ثم إن السعودية
وقفت دائماً إلى جانب فلسطين وشعبها وهي حريصة بالتالي على إنجاز فلسطيني قبل
القمة العربية في آذار/مارس الحالي.
مكث في القصر الذي استضاف الحوار في مكة سعود الفيصل وزير الخارجية والأمير
بندر بن عبد العزيز رئيس مجلس الأمن القومي والأمير مقرن بن عبد العزيز رئيس
جهاز الاستخبارات والوزير غازي القصيبي. لكن أجمع وفدا حماس وفتح على أن
السعوديين لم يتدخلوا في الحوارات ولا في النقاشات أو أعمال اللجان، بل حرصوا
على توفير أجواء مريحة تذلل العقبات، وبالطبع أهمها الأجواء السياسية وقدرة
المملكة ووزنها العربي والدولي ومكانة مدينة مكة المكرمة عند المسلمين.
النتائج
توصل اتفاق مكة إلى تحقيق النتائج التالية:
1- تحقيق مطلب وقف الاقتتال.
2- اعتبار وثيقة الوفاق الوطني هي أرضية عمل الحكومة.
3- تحقيق مبدأ الشراكة السياسية لأول مرة في المجتمع الفلسطيني.
4- التحول نحو بناء منظمة التحرير الفلسطينية.
5- تشكيل حكومة وحدة وطنية لأول مرة منذ قيام السلطة وبمشاركة فتح.
6- اعتراف فتح لأول مرة بنتائج الانتخابات التشريعية.
7- توافق فلسطيني عربي على هدف فك الحصار.
8- إسقاط شرط الاعتراف بـ(إسرائيل) وشروط اللجنة الرباعية وشرط التزام الحكومة
بالاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال.
9- التفاهم بين فتح وحماس على قاسم سياسي مشترك مرن عبّر عنه كتاب التكليف.
10- إلغاء فكرة الانتخابات المبكرة التي طرحها أبو مازن.
11- تصرّف محمود عباس ومعه حركة فتح بشكل يخالف المطالب الأمريكية –
الإسرائيلية خاصة لناحية حكومة وحدة وطنية مع حماس.