عام على فوز حماس في الانتخابات
وتسلّمها للحكومة:
تمسكت بالبرنامج السياسي دون تنازلات وقدّمت نموذجاً إسلامياً وسطياً
فلسطين/إبراهيم أبو الهيجاء
لا يعكس تأكيد اللجنة الرباعية في اجتماعها الأخير على حكومة حركة حماس
اعترافها بـ(إسرائيل) والتزامها باتفاقات التسوية والقرارات الدولية ذات
العلاقة، إلا تكراراً ينم عن ضعف ثقة وخيبة أمل بأهمية هذه العبارات بعد عام من
حكم الحركة، وتطلع الولايات المتحدة و(إسرائيل) وبعض الأطراف الفلسطينية إلى
محو حماس من الشرعية الفلسطينية خلال أشهر، إذا لم تدفع استحقاقات التورط في
مستنقع التسوية والاعتراف بـ(إسرائيل)، وأكد اتفاق مكة نجاح وجدوى استراتيجية
حماس بالصمود والثبات على البرنامج السياسي رغم المغريات الكثيرة والضغوط
الهائلة التي لم يسبق أن تعرضت لها حركة وطنية في التاريخ المعاصر، صحيح أنه
يمكن وضع الكثير من الأسئلة حول منطقية الدخول في سلطة ضعيفة متهالكة تحتكم إلى
اتفاقيات كارثية، وأسئلة أصعب حول آلية خلق توازن بين مشروع المقاومة والتحرير
ومشروع البناء والتغيير، لكن لا يختلف أحد أن ثمة جدوى تحققت في الدفاع عن
شرعية ((حماس)) وبالتالي شرعية حركة مازالت تؤمن وتمارس المقاومة وتتولى في ذات
الوقت شؤون السلطة، هذا يعني أن الإنجاز الاستراتيجي لحكومة حماس هو خلق اعتراف
دولي بمشروعية المقاومة وعدم خلطها بتعاريف الإرهاب، والأهم دون مطالبتها
بأثمان سياسية أو التزام مسبق بأثمان سابقة.
صحيح أن حماس حرقت أوراقاً سياسية كثيرة في إطار المتاح بدءاً من اتفاق القاهرة
مروراً بوثيقة الوفاق الوطني وانتهاء باتفاق مكة، لكنها في كل الأحوال لم تسلم
للاحتلال بشرعية ولم تقر بصلاحية اتفاقات التسوية وأبقت الغموض اللغوي لاعباً
مركزياً في تحايلها على الضغوط الدولية للاعتراف بسلطتها رغم تمسكها بنهج
المقاومة ورفضها جوهر التسوية.. لذا فقد أعاد انتخاب حماس وتشكيلها لأول حكومة
لا تعترف بالسقف الذي حددته أوسلو على مستوى الحدود والوسائل (السؤال
الابتدائي) حول ما قدمته (إسرائيل) فعلياً لتحقيق التسوية؟؟ وأعاد السؤال عن
جدوى الاعتراف بها؟ أو بأي اتفاقيات وقرارات دولية تنتصر لـ(إسرائيل)، وعلى
الرغم من اعتراف حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية بـ(إسرائيل) واقعاً
ووجوداً عشرات المرات إلا أن الرباعية ومن خلفها (إسرائيل) تستجدي الآن
اعترافاً بوجود (إسرائيل)، وترفض أي اتفاقات فلسطينية داخلية تتجاوز هذه
النقطة. وهذا يدل على انتصار سياسي لحماس أعاد المبادرة للفلسطينيين وللقضية
الفلسطينية، وبدل أن يبقى السؤال عن حقوقهم أصبح السؤال مشروعاً عن حقيقة وجود
(إسرائيل) أصلاً، لذا فبقاء الحركة في الحكم على مدى عام وهي تعلن تمسكها
ببرنامجها المقاوم المنتصر لحقوقها الكاملة، يعد انتصاراً للحقوق الفلسطينية
قبل أن يكون انتصاراً لحماس كفصيل وطني.
ثقافة المقاومة
يتأكد أيضاً مع حجم الضغوط الممارسة داخلياً وخارجياً على حكومة حماس أن الشعب
الفلسطيني لم يقايض إراداته وكرامته وحريته بحفنة من الدولارات أو الميزات،
ويؤكد ذلك أنه يمكن المراهنة عليه في معركة الحقوق، وهذا بعكس ثقافة الهزيمة
التي صورت أن الشعب الفلسطيني قد تعب من الدفاع عن حقوقه وعن حاجته لتسويه
تريحه من عناء الصراع بعد نصف قرن منه.
ثم تأكد مع حجم الضغوط الداخلية والرفض الكبير لتشكيل القوة التنفيذية، وتالياً
اختبار فاعلية هذه القوة على الأرض أن الأمن الفلسطيني يعاني من خلل كبير بسبب
تكوين الأجهزة الأمنية القائم على الشللية والشخصنة، وبالتالي تعدد مراكز القوى
التي تعمل لذاتها أو لحزبها وليس لأمن شعبها. وهذا فتح الأسئلة الكثيرة حول
العقيدة الأمنية وحول الأسس التي قامت عليها هذه الأجهزة. وأكدت القوة
التنفيذية، رغم صغرها وحداثة سنّها، أنها قادرة على فرض الأمن وصوغ علاقة
إيجابية مع المقاومة. بالمقابل كانت الاتفاقيات السياسية تلزم الأجهزة الأمنية
بمهمة مركزية هي الحفاظ على التزامات هذه الاتفاقات؛ أي الحفاظ على أمن
(إسرائيل)، وبالتالي خلق علاقة سلبية مع المقاومة الفلسطينية، كل ذلك كان من
ثمرات حكم حماس الذي أكد الحاجة لإعادة إصلاح الأجهزة الأمنية على أسس وفرضيات
وطنية خالصة.
ثم تأكد أيضاً مع حجم الضغوط الاقتصادية مدى ارتباط بعض الفئات والأطراف ومراكز
القوى بالفساد الداخلي المتحالف مع التسوية؛ أي المتورط بتقديم الثمن السياسي
لقاء الثمن الاقتصادي، وهذا أكد الحاجة لدعم مالي غير مرتبط باشتراطات أو
ارتباطات، وعلى الرغم من قسوة الحصار المالي إلا أن حكومة حماس استطاعت اختراق
الطوق وجلب الأموال بكل الطرق الإبداعية، واستطاعت ترشيد النفقات وتعزيز
التكافل الاجتماعي والاكتفاء الذاتي، وعلى الرغم من شح الموارد إلا أنها أعطت
الموظفين (70%) من رواتبهم، وحصلت على شهادة دولية أشادت بشفافيتها.
نموذج اجتماعي
تأكد أيضاً وفي الممارسة السياسية والحزبية والحياتية أن حماس قدمت نموذجاً
إسلامياً وسطياً واسعاً في الحريات ومرناً في المتاح الشرعي دون إكراه على
الالتزام، وهذا كان رداً عملياً على محاولات بعض الأطراف العربية والفلسطينية
تشويه وتخويف الناس من النموذج الاجتماعي الذي تطمح إليه حماس، وعكس بجانب
مقابل صورة المقاومة المشرقة في ظل محاولات إسرائيلية محمومة كانت تحاول خلط
النضال الفلسطيني بالإرهاب الدولي.
بالمقابل ورغم ضعف حماس في أداء دور إصلاحي شامل كما وعدت في برنامجها
الانتخابي نتاج ظروف موضوعية صنعتها (إسرائيل) والولايات المتحدة، إلا أن فوز
حماس وتسلمها السلطة ولو شكلياً أعاد الاعتبار لصناعة الحكم الرشيد فلسطينياً،
حيث كان أنموذجاً عربياً وإسلامياً في المنطقة رغم قسوة الاحتلال، وصعّد قيادات
شابة وحياة شورية خلاقة على الرغم مما صاحبها من دماء واقتتال، إلا أن جوهر
الحريات وممارسة التعددية والمشاركة السياسية قد تحقق وتعزز، وأصبح الشعب يأخذ
دوراً في الحياة السياسية بعدما كانت نخبة سياسية وقيادة تاريخية قد استأثرت
بالحكم وقادته بطريقة فردية أثرت على التنمية الفلسطينية في كل النواحي
السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية.
كشف حكم حماس أيضاً مدى الضعف العربي قبالة الضغوط الأميركية ومدى النفاق
الدولي ومساعداته السياسية وديمقراطيته المزيفة. والأخطر مدى تورط بعض
الفلسطينيين في مخطط الخارج و(إسرائيل)، وصولاً إلى استعدادهم للتآمر والقتل
والتضييق والتشفي، دفاعاً عن مصالحهم وميزاتهم ودون اكتراث بأوطانهم وحقوقهم
واستقلالية قرارهم، وهذا مؤشر خطير يستوجب وجود حلول لمنهجية هذه النخب.
ولاحقاً، كشفت معركة شرعية حكم حماس الخلل الكبير الذي يعاني منه النظام
السياسي الفلسطيني والحاجة الكبيرة لإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، قبل إصلاح
السلطة الفلسطينية كونها ((قميص عثمان)) الذي يبرّر باسمه حتى الآن كل الهزائم
وادعاء امتلاك الحقيقة وادعاء احتكار المصلحة العليا للشعب الفلسطيني.. ومعضلة
إصلاح منظمة التحرير جرى التهرب من استحقاقها في اتفاق القاهرة بين حماس وفتح،
ويكون من الخطورة التغاضي عنها عند تطبيق اتفاق مكة، لأن خلل السلطة لا يمكن
إصلاحه بالنيات الحسنة فقط، وبقاء المنظمة بدون إصلاح سيبقي السلطة مشكلة قائمة
ومتدحرجة.
إسقاط النموذج
إسقاط نموذج حكم حماس هو بالقطع طموح إسرائيلي كان وسيبقى، فمن يدفع
الفلسطينيين نحو جوع مؤكد بفعل حصار محكم لأغراض الابتزاز السياسي للقبول بشروط
تعجيزية، ويحرض ليل نهار الشعب الفلسطيني على بعضه باستخدام كل الحروب النفسية
وبإشراف مختصين بالإعلام الحربي، ولا يخفى على أحد أنه يسهل حركة مرور كل
الشخصيات والمجموعات والأموال والسلاح لأغراض نشر الفتنة، بالمقابل فانه يمنع
بروز أي قوة أمنية متماسكة في الضفة الغربية تقف بقوة تجاه محاولات العبث
والتخريب وإطلاق النار ليس فقط على الشخصيات المحسوبة على تيار بعينه، بل
وأيضاً على الممتلكات التي تخص الشعب الفلسطيني، وهو كذلك يعطل الحياة
البرلمانية بفعل اعتقاله لأكثر من أربعين نائباً ويرفض تواصُل نواب غزة والضفة
في تقطيع متعمد يبقي فاعلية الحكومة مشلولة والشرعية غائبة.. كل هذه حقائق،
وليست أوهاماً، وعليها عشرات التصريحات الموثقة والأحداث المؤكدة، والأسماء لا
تخفى على أحد، وأيدي العملاء الإسرائيلين تخرب وتحرض وتصول وتجول في الساحة
الفلسطينية وبحماية إسرائيلية معروفة. إذاً، لماذا يتوقع أحد من حماس أن تطبق
برنامجها الإصلاحي كاملاً دون نقص وكأنهم ((سوبرمان)) الخارق، بينما هناك أطراف
قوية وكبيرة تمنعها من ممارسة ذلك، رغم اعتراف هذه القوى بنزاهة الانتخابات.
بالمقابل كان من الممكن أن تكون سلطة فاعلة ويحظى زعماؤها بالبساط الأحمر
ويركبوا السيارات الفخمة، ولكن واقع حال سلطة حماس ورجالاتها يكفي لإثبات أنها
ما زالت متمسكة إلى حد كبير بثوابت البرنامج الذي انتخبت على أساسه. وبالتراكم
فإنها نجحت في اختراق الأبواب الموصدة في وجهها عربياً وخارجياً، دون أن تقدم
التنازلات المطلوبة أمريكياً وإسرائيلياً. وبقيت، رغم كل شيء، حركة مقاومة
وسلطة مقاومة، لم يغيّرها بريق المنصب ولا فخامة اللقب. وحتى داخلياً أصبح
مفروغاً منه أنها قوة من صلب الشعب الفلسطيني لا يمكن تجاوزها في أي حل للقضية
الفلسطينية، ولا يمكن فهم الشعب الفلسطيني وتطلعاته بدونها، لأنها جزء أصيل فيه
ومنه. وميزة كل ذلك أنه يقرب ثقافة المقاومة ومنهج التحرير خطوة متقدمة في
التاريخ الفلسطيني، بعد ردح من ثقاقة التسوية والحلول الانتقالية، أو تلك
المنقوصة.
??