الجامعة الإسلامية في غزة:
حرس الرئاسة هاجم الجامعة مرتين وأحرقها
نكبة علمية وأكاديمة ودمار ثقافي هائل وعزيمة لإعادة البناء
غزة/ابتسام مصطفى
تعرضت الجامعة الإسلامية بغزة لهجمة شرسة على يد حرس الرئاسة الذين حاولوا أن
يطمسوا معالم هذا الصرح الرائد ويطفئوا شعلةً مضيئة ومعلماً حضارياً بارزاً في
تاريخ هذه الأمّة المنكوبة بأعدائها من الداخل والخارج.
لم يكتف المجرمون بإشعال الفتن وإراقة الدماء في كل مكان، فامتدت أيديهم الآثمة
بليل لتطال هذا الصرح الذي طالما قدم الكثير من الخدمات لأهالي القطاع بالتخريب
والحرق والتدمير والسرقة يومي الخميس والجمعة في الأول والثاني شباط/فبراير،
فطالت النيران أهم منشآتها وأدت إلى خسائر كبيرة مادية ومعنوية، حيث قدرت
اللجان الهندسية والفنية في الجامعة قيمة الخسائر بملايين الدولارات، شملت
تدمير العديد من المباني ومختبرات الحاسوب، والمختبرات العلمية، والقاعات
الدراسية، والمخازن والمطابع، والمولدات الكهربائية، وشبكات الحاسوب والكهرباء
والمياه، ناهيك عن بعض الأضرار الخطيرة التي لا تقدر بثمن، مثل مجموعات مختلفة
من الكتب العلمية والوطنية النادرة وقدرت الخسائر المادية ما بين 15 - 20 مليون
دولار عدا عن الخسائر الأخرى التي لا تقدر بثمن.
وقد ساق الفاعلون حججاً وتبريرات واهية لهذا الاقتحام وبثوا شائعات كثيرة مثل
وجود الجندي الأسير جلعاد شاليت داخل الجامعة، ووجود سبعة إيرانيين داخل مبنى
المختبرات، وجثث محنطة وكميات كبيرة من السلاح، إلى غير ذلك من ادعاءات افتضح
أمرها مع طلوع الصباح، بدليل خروج بعض الناطقين في اليوم التالي لنفي هذه
الإشاعات.
الوقائع والأضرار والخسائر
يذكر هذا الحدث والخسائر الثقافية والتعليمية بجريمة هولاكو في بغداد، وقضائه
على مكتبتها الكبرى. فتدمير الجامعة الإسلامية في غزة استمر ليوم كامل، وتم على
مرحلتين؛ فقد بدأ الهجوم على الجامعة ليلة الخميس في الأول من شباط/فبراير،
وكانت الأوامر الأولى لحرس الرئيس بالبحث عن الجندي المأسور لدى حماس، وذلك ضمن
خطة وعد بها الرئيس عباس العدو الصهيوني بتسليمه الجندي دون مقابل (كما جاء على
لسان أحد عناصر حرس الرئيس الذي شارك في هذه الجريمة).
وقد تصدت كتائب القسام لهذا الهجوم وتمكنت من إخراج حرس الرئيس منها، ولكنهم
عادوا واستغلوا فرصة صلاة الجمعة وتغيير (الشفتات) فهاجموا الجامعة من جديد
ولكن هذه المرة كانت الأوامر بالحرق والتدمير والتخريب لكل شيء تقع عليه
أيديهم. هذا العدوان طال مباني الجامعة ومرافقها ومختبراتها وأجهزتها العلمية،
حيث تسبب هذا العدوان بإحداث أضرار بالغة في مبنى المكتبة المركزية فتم حرق
المخازن بما تحويه من كتب وأجهزة حاسوب وحرق المكتبة الإلكترونية التي تحتوي
على آلاف الأقراص المضغطة (CD) التي تضم رسائل ماجستير ودكتوراه لباحثين من
جميع أنحاء العالم وبكل اللغات. وكذلك طال الحريق الكثير من المخطوطات النادرة
وكتب المصادر والمراجع والأرشيف الصحفي الذي لا يوجد له نظير في جامعات الوطن
المحتل. كما طال الحريق مبنى مركز المؤتمرات والذي استمر الحريق فيه لمدة يومين
كاملين، حيث لم يستطع الدفاع المدني الدخول للجامعة وإطفاء الحرائق بسبب إطلاق
النار عليه من قبل حرس الرئيس التي تمركزت على أسطح مباني جامعة الأزهر
الملاصقة للجامعة الإسلامية، وكانت تطلق النار على سيارات الدفاع المدني.
هذا الحريق الذي استمر لمدة يومين أدى إلى تدمير البنية التحتية والأساسات
الرئيسية للمبنى مما سيؤدي إلى انهياره كلياً في أي لحظة. جدير بالذكر أن هذا
المركز هو الأول في فلسطين بفخامة مبانيه وتجهيزاته المتطورة وقد بلغت كلفة
بنائه مليونَيْ دولار، وكذلك طال الحريق مبنى المختبرات العلمية بما فيها من
تجهيزات وأجهزة طبية وعلمية متطورة، ومبنى القدس ومبنى طيبة (قاعات دراسية تخدم
آلاف الطلاب والطالبات في الجامعة)، ومبنى الأنشطة الطلابية، ومبنى الإدارة
وهيئة التدريس.
لدعم الجامعة
هذا التدمير أدى إلى إعاقة قدرة الجامعة على تقديم خدماتها لعشرين ألف طالب
وطالبة يتلقون العلم في الجامعة الإسلامية، مما أدى إلى حالة من الغضب الهائل
في صفوف الطلبة وأولياء أمورهم وأهالي قطاع غزة الذين هبوا مسرعين للدفاع عن
الجامعة بكل السبل، بدءاً بمهرجانات التضامن معها وانتهاء بحملات جمع التبرعات
سواء كان هذا التبرع مادياً أو عينياً من الداخل أو خارج الوطن.
كيف تلقى إداريو الجامعة وطلابها خبر الحريق وكيف كانت مشاعرهم وهم يتابعون على
شاشة فضائية الأقصى مشاهد النيران وهي تحرق مستقبلاً طالما حلموا به ومجهود
سنوات من عمرهم.
يجيب الدكتور كمالين شعث رئيس الجامعة الإسلامية ((بالطبع شعرت بالصدمة لما
يحدث وأحسست أن جزءاً من كياني يحترق، فقد بذلنا الكثير من الوقت والجهد لتصل
الجامعة إلى ما وصلت إليه من تطور ورُقي، وصدمني أن أرى كل ذلك يحترق أمام عيني
بلحظة ودون أي مبرر)).
وعن مدى الالتفاف الجماهيري والعالمي حول الجامعة قال إن ((التفاعل كان جيداً
جداً، وأحسسنا أن هناك التفافاً كبيراً حول الجامعة، ولكن آلمنا أن الحدث لم
يأخذ التغطية الإعلامية المناسبة لفضح هذه الجريمة في العالم كله، وتلقينا
الكثير من الاتصالات من جامعات ومؤسسات عالمية تستنكر الحدث، ناهيك عن المؤسسات
والنقابات والهيئات في الداخل)).
مكتبة الجامعة
أما عميد مكتبة الجامعة الإسلامية الدكتور نظمي المصري، والذي أتى الحريق على
مكتبه الكائن في الطابق الرابع من مبنى المكتبة، فقال ((هناك الكثير من مشاعر
الغضب لدى كل من يرى هذا المنظر البشع، والذي طال أهم مكتبة في فلسطين كلها
تقدم خدماتها لكافة قطاعات الشعب الفلسطيني ولأجيال متعاقبة. وهي ليست حكراً
على أحد، بل بابها مفتوح للجميع من داخل الجامعة وخارجها. هذه الجريمة أعتبرها
أبشع من جريمة إحراق مكتبة بغداد، فنحن في القرن الواحد والعشرين، وهذا ينم عن
جهل كبير، وليس فيه مصلحة لأي طرف عنده إحساس وطني أو ضمير. فعلى مدار 20 عاماً
مضت، بُذلت جهود جبارة من أجل إنشاء هذه المكتبة، وتم تمويلها عن طريق تبرعات
سخية من محبي العلم والثقافة)).
أضاف: ((رغم أننا عانينا من الاحتلال الصهيوني حوالي ثلاثين عاماً إلا أنه لم
يجرؤ على فعل ما فعله هؤلاء، صحيح أنه تم الاعتداء عليها من قبل الاحتلال ولكن
كانت الاعتداءات محدودة ولم تمس المنشآت الحيوية للجامعة ولا المصلحة الوطنية
العليا للشعب الفلسطيني، أما ما حصل اليوم فهو يمثل مساساً خطيراً بمصلحة الشعب
الفلسطيني وثقافته ومقدراته)).
ويشرح الدكتور المصري إنجازات مكتبة الجامعة فيلفت إلى ((الخدمات الالكترونية
المتطورة وحجم الكتب التي تحويها والمعلومات التي تقدمها وتنوعها، والدوريات
والمخطوطات التي كانت في قسم الدوريات في الجامعة لا يوجد له نظير في أي مكان،
فقد اشتركنا في الفترة الأخيرة بمائة دورية جديدة باللغة العربية، ناهيك عن
الاشتراكات السابقة في مجلات انقطعت عن الصدور ومجلات وجرائد قديمة كان أرشيفنا
يحوي أعدادها كاملة وكثيراً، ما كان أصحاب هذه الجرائد يرجعون لأرشيفنا لأنهم
لا يملكون نسخاً عنها، كل هذا للأسف أحترق والتهمته النيران)).
سمية بحر؛ محاضرة في كلية الشريعة، تعبّر عن أسفها وحزنها الشديدين لما حصل
((هذه الجامعة التي بنيناها بسواعد شبابنا وعرقهم ودمائهم أيضاً، وكم كانت
سعادتنا ونحن نراها تكبر يوماً بعد يوم أمام لتصبح من أوائل جامعات الوطن
العربي، كم كنا نشعر بالفخر لذلك. أنا بنت الجامعة، درست البكالوريوس
والماجستير فيها، والآن أواصل الطريق لأقدم لطلابها ما قدمته لي، فهي جزء مني
ومن حياتي، فكيف تتحول قاعاتها إلى ركام وكومة تراب أمام أعيننا جميعاً. لا
أستطيع أن أصف حزني لما حصل، فقد غطى خبر حريق الجامعة كل شيء لدي)).
آراء الطلاب
محمد منصور (22عاماً) الطالب في كلية الهندسة يحاول أن يداري دمعة سالت من عينه
حين رأى كليّته وقد تحولت إلى ركام ((لم يبق على تحقيق حلمي في التخرج سوى أشهر
فقط، فأنا في الفصل الأخير وكنت أعد مشروع التخرج، أفقت وزملائي على هذا الخبر
المفجع وهذا الدمار الهائل الذي أصاب مبنى القدس والذي تقع فيه كلية الهندسة
وقد أتى الحريق على كل شيء فيها؛ معداتها وتجهيزاتها ومختبرات الحاسوب وكذلك
المتحف الرائع الذي كانت تحتفظ به الجامعة بمجسمات مشاريع التخرج لطلابها، كل
شيء احترق)).
دانية الشوبكي (18عاماً) الطالبة في كلية الدراسات الإسلامية ((التحقتُ
بالجامعة هذا العام وكان هذا حلمي منذ صغري أن أكون طالبة فيها، وكم كنت سعيدة
مطلع هذا العام حين قبلت أوراقي وأصبحت طالبة بها. لم أدرس إلا فصلاً واحداً،
والآن أبحث عن القاعات التي كنا ندرس بها فلا أجد إلا الدمار في كل مكان، أحس
أنني فقدت كل شيء)).
مشروع دعم المكتبة
ولكن هذا اليأس والألم وجد عيوناً ساهرة على حلم الوطن وقلوباً مستها هذه
المعاناة، فكانت انطلاقة حملات كثيرة لمساعدة الجامعة منها حملة ((أرسل كتاباً
تحفظ أمّة))، نظّمها الدكتور محمد الريفي؛ المحاضر في الجامعة، بالتعاون مع
الشاعر شادي كسكين من السويد. عن هذه الحملة ونتائجها يحدثنا الدكتور الريفي
قائلاً:
تهدف هذه الحملة إلى إعادة بناء المكتبة المركزية للجامعة الإسلامية، بعد أن
أحرقها حفنة مارقة ممن لا يعرفون للعلم قيمة، ولا يحترمون تراث ومقدسات هذه
الأمة. لقد آلمنا كثيراً أن نرى الخراب الهائل الذي لحق بمكتبة الجامعة
الإسلامية، وحرق آلاف الكتب القيمة التي تضمها بين جنباتها، الأمر الذي حرم
عشرات آلاف المواطنين الفلسطينين من الطلاب من كل جامعات غزة والباحثين
والأكاديميين والموظفين من الاستفادة من كتبها في دراستهم وأبحاثهم وأعمالهم،
فقد كانت المكتبة المركزية للجامعة الإسلامية منارة للمعرفة والعلم يؤمها كل
أهلنا في قطاع غزة)).
يضيف قائلاً: لذلك رأينا أن نقوم بهذه الحملة للمساعدة في عودة المكتبة
المركزية إلى استئناف مسيرتها السامية وعطائها المتميز وخدمتها المعهودة لأبناء
الشعب الفلسطيني. وقد جاءت الفكرة من أعضاء ينشطون في ((شبكة فلسطين للحوار))
أحرقت قلوبهم الغيرة على مسيرة الجامعة الإسلامية ودور مكتبتها المركزية في
توعية أبناء شعبنا والمحافظة على تراثنا العربي والإسلامي، فانطلقت هذه الحملة
من ((شبكة فلسطين للحوار)) وساهم فيها عشرات الغيورين من العرب والمسلمين،
والحمد لله بدأت هذه الحملة تؤتي ثمارها الطيبة والمباركة، فقد تبرع العديد من
الغيورين على مصلحة أبناء شعبنا بمكتباتهم الخاصة وآلاف الكتب.
ولقد تم تحديد مركز لجمع الكتب والتبرعات في القاهرة بالإضافة إلى مكتب ارتباط
الجامعة الإسلامية بغزة في عمان، وهناك نية لإقامة مركز إضافي في المملكة
المتحدة لتسهيل عملية الإسراع في إعادة المكتبة المركزية كي تؤدي دورها الريادي
وتشع النور على أبناء شعبنا المرابط.