حماس.. عمر مديد وإرادة خالدة
بقلم: لمى خاطر
كلما خطر على بال الفؤاد ذكرى اشتعال انتفاضة العزّ الأولى أوائل ذلك الكانون
الجميل الماطر حجارة وشهادة.. تخلله عبق ذكرى انطلاقة أخرى واكبت الفعل
الانتفاضي المجيد ونهضت به وطبعت في سجله الخالد بصمة خاصة تكاملت مع لوحة
الحجارة والدم فمنحتها توهجاً وإيماناً وشموخا..
الانتفاضة الأولى وحماس.. توأمان بديعان ولدا معاً وسارا معاً وما جف لهما رمق
أو انثنت قناة.. واجها عصف الحلول التصفوية معاً وانتصبا في وجه إعصار التسويات
طوداً راسخاً.. وإذ قدر لاتفاقيات الذل أن تأخذ مكانها وأن تجمد لفترة من الزمن
فعل البطولة.. فقد ظلت الإرادة باقية ومخبوءة في أعماق الأجيال التي ولدت في
أعوام الانتفاضة الأولى حتى إذا ما اشتد عودها وتعاظمت فيه إرادة الجهاد تفجرت
مكامن الغضب في نفوسها ثورةً وانتفاضة جديدة..
شهداء اليوم وفرسانه ولد معظمهم مع انبلاج فجر حماس وانتفاضة كانون وتنفسوا عطر
الحجارة ووعوا ثقافة المتاريس والإطارات والمولوتوف، وهم اليوم جنود في جيش
القسام يحملون الياسين والبتار والقسام، ويدخلون إلى قاموس الفداء مفردات
جديدة..
فكيف سيكون يا ترى حال البراعم التي تفتحت في انتفاضة الأقصى وتلونت حدقاتها
بمشاهد العز التي حفلت بها يوميات المقاومة، فاختزنت ذاكرتها ثقافة الأحزمة
الناسفة وحرب الأنفاق وبدايات صواريخ القسام؟؟
هل سيقدر لهذا الجيل أن يكون جيل التحرير؟ وأن يفك إسار الأقصى ويحرر حيفا
وعكا؟؟
حلم يبدو بعيداً وربما مستحيلاً.. لأن من أدمن العذاب والشقاء وطحنت أحلامه قوة
الغاصب وفتك صواريخه يخبو لديه الأمل ويفتر في عروقه اليقين..!
ولكن.. أكان أحد ممن عايش انتفاضة كانون يتصور أن يأتي يوم بعد عدة أعوام يكون
للمقاومة فيه صولات وجولات غير مسبوقة، ويكون لجنودها قدرة على تصنيع السلاح
وتطوير القذائف؟؟
أكان في بال شيوخ حماس الأوائل الذين تعهدوا بذرتها حتى استوت على سوقها أن
تغدو حماس بعد عشرين عاماً من انطلاقتها ملء سمع العالم وبصره.. وأن تكون ركيزة
الأمة وعزاء أحرارها بأن الأمّة ما زالت بخير ما دام فيها رجال يحرسون ثوابتها
بضلوع صدورهم ورماح مبادئهم..!
في عرف الدنيا كلها.. للسياسة رجالها وللمقاومة رجالها.. أما في عرف حماس فمنطق
السياسة يوقد من جذوة المقاومة، وروح المقاومة يدفئها غطاء وفره السياسيون لها،
وذادوا عن خيارها وانتصبوا متراساً يصد عنها السهام!!
في عرف حماس يتواصى السياسيون بالصبر والصمود، يتجالدون إذا ما ضاقت عليهم
الدنيا، ويعتصمون بحبل من عند الله متين.
حماس تدخل اليوم عاماً جديداً من عمر سيبقى مديداً ما بقيت حماس أصيلة ثابتة
على ثغور الحق وتخوم الإصرار.
تطوي حماس فصلاً آخر من سجل أمجادها.. مزهوة بصنيع كتائبها وبذل جنودها في شتى
الميادين، وطهر قادتها السابقين واللاحقين..
بياسينها الذي نُقشت دماؤه على القذائف التي يحملها جنده في الميدان..
بإسماعيلها المتوج هامَها بالجلال..
بعزيزها الراحل وعزيزها الباقي يقاوم عتمة الزنازين..
بزهارها القابض على جمر المحنة والإباء، ومشعلها الواقف خلف الحدود يعلم الدنيا
كلها أصول السياسية النظيفة والمقاومة القادرة على الإنجاز رغم شح إمكاناتها..
بريانها يقود الجموع نحو المنازل المهددة بالقصف، ويجعل من نفسه درعاً يرد عن
بيوت الفقراء صواريخ الأباتشي فترتد خائبة خاسرة..
بأم نضال فرحات التي ما فتئت تجود بشرايين قلبها راضية محتسبة، وفاطمة النجار
التي ودعت خريف عمرها ودلفت نحو ربيع الخلود بشرر حزامها الذي توّجها عروساً
لاستشهاديات فلسطين.
عاماً بعد عام.. تكبر شجرة حماس الخضراء.. تمضي جذورها عميقاً في جوف الثرى..
وتمتد أغصان عطائها في كل فضاءات الدنيا.. تتسابق فيالقها نحو الفجر، وتمضي من
خطوة إلى أخرى محفوفة بهتاف الحشود الداعية لها بطول العمر والتمكين.. بينما
تتقازم من حولها قامات المتآمرين على صمودها وتتكسر نصالهم المسمومة قبل أن تمس
صدر العز الحماسي العامر بالإيمان والصبر وعزيمة الجهاد الخالدة.