قبسات
جمهور الثقافة
لم تعد دور النشر تخاطر ببناء جمهور قارئ لكتاب جديد، وباتت
تعتمد على الضجة التي تُحدثها النسخة الأجنبية من هذه الكتب، حيث يستطيع
الجمهور في الغرب أن يرفع شأن كتاب ويسقط شأن آخر. وباتت دور النشر
((المغامرة)) معدودة على الأصابع؛ حتى أنها لا تغامر من دون حزام أمان من
مليونير يدعم الدار أو كاتب يتحمل الخسارة المحتملة لكتابه.
من جهة أخرى، للمفارقة، هناك حزام أمان سلبي لبعض الدور تشكله من غضب الجمهور،
بحيث تطبع الكتب المثيرة للجدل والمشبوهة، فتحدث ردة فعل غاضبة فيذيع صيت
الكتاب، ويحدث ضجة في الوسط الثقافي، وربما الديني، ويكون الفضول وحب الاطّلاع
هو الدافع الأساسي وراء الكتاب.
إنها حلقة متكاملة تبدأ من نشر مفهوم تعميم القراءة على الجمهور وتنفيذه، وتمرّ
برفع مستوى الكتّاب، والاهتمام بالكتاب، ورسالة دور النشر، والتركيز على
المضمون والدور الفاعل للثقافة، حتى تصل إلى النقّاد الحقيقيين ووسائل الإعلام
المسؤولة.
تتجمع كل هذه الحلقات لتقدم مادة مفيدة ومؤثرة على طبق إعلامي متفهّم ومخلص
ليتلقفها الجمهور المندفع والراغب بالقراءة.
لا يمكن إلقاء اللوم على طرف واحد، يتحمل المسؤولية الكاتب والناشر والجمهور.
وقد آن لهذا الجمهور أن يطوّر مستواه الثقافي ويعمّم القراءة في أوساطه كما هي
الحال في قطارات المترو في الغرب.
في فرنسا، حيث نجح الكتاب، نجد أن معدل القراءة لدى الفرنسيين مئتي ساعة
سنوياً.. في حين نجد –حسب الإحصاءات- أن معدّل ما يقضيه العربي في المطالعة هو
ستّ دقائق سنوياً؛ ناهيك عن 70 مليون أميّ في البلاد العربية..
ها هي معارض الكتب، أحد أهم المنشّطات الثقافية للجمهور، فماذا يشتري العربي من
كتب في بلد مثل لبنان؟ لقد سيطر كتاب ((ألف باء الطبخ)) على لائحة الكتب الأكثر
مبيعاً في معرض بيروت السنوي أكثر من عشر سنوات متتالية، حتى تغلب عليه في
السنوات الأخيرة كتاب جديد في السوق، هو كتاب ((الشيف رمزي)).
فكيف نلقي اللوم على الناشر العربي فقط، خاصة وأن الناشر في بريطانيا يتنشط
ويتفاءل في مجتمع تربّع على رأس المبيعات فيه لسنوات كتاب ((تاريخ موجز للزمن))
للفيزيائي العبقري ستيفن هوكنغ.
بات من الضروري أن يقود الثقافة العربية الدفة، وينفق ماله على كتب قيّمة تستحق
التشجيع، لكن جمهور الثقافة هم من ينفخون فيه روح النجاح والاستمرار في الكتب،
وبالتالي في الثقافة.
آن الأوان، أليس كذلك؟
أصداء
معـارض
تشهد هذه الأيام من كل عام عدداً لا بأس به من معارض الكتاب
العربية.. من بيروت (تأجل) إلى الشارقة حتى القاهرة..
وقلّما مرت هذه المعارض من دون اعتراضات تنظيمية أو ثقافية تتناول المنشورات
وبرامج الندوات، خاصة عندما تتضمن هذه الندوات ترويج أفكار ترغب الجهات الرسمية
بتكريسها ثقافياً..
وكثيراً ما اعترض الجمهور والناشرون على إدارات المعارض وتقصيرها المقصود
(الترويج والرقابة) وغير المقصود (الأخطاء التنظيمية).
ويزعم كثير من المشاركين أن المكان الذي تحتلّه الدار يعتمد على ((الواسطات))
والعلاقات والتوافق الفكري، وليس فقط على من يدفع أكثر.
لقد بات واضحاً في أحد هذه المعارض تدخل وزراء وإدارات في حجز الأماكن في
المعرض وفي الندوات المرافقة له. ومن الواضح أيضاً أن معظم هذه المعارض ما زالت
تنتمي إلى جيل مدرائها (الستينات والسبعينات)، وليس إلى جيل جمهورها الذي يثبت
مرة بعد مرة تناقضه مع رغبات مديريها و((حكوماتها))..
القاعدة الترويجية تقول: السلعة المناسبة بالسعر المناسب في المكان المناسب
والزمان المناسب للمستهلك المناسب.
وقد آن لمن يدير الأنشطة الثقافية أن يدرك حقيقة ((الكتاب المناسب بالسعر
المناسب للقارئ المناسب)). وأن يدركوا أن الصحوة الإسلامية أنتجت صحوة قراءة.