فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Jan2007
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
أخبار وتقارير4
أخبار وتقارير5
وجه وحدث
تقريــر
رأي - عدنان كنفاني
حـوار
الغلاف1
الغلاف2
الغلاف3
الغلاف4
تحليــل
شؤون العدو
شؤون إقليمية
شؤون دولية
الملف1
الملف2
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
أوراق ثقافية4
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
رسائل إلى الوطن
لوحات فنية
لحظة

 

شؤون دولية

 

تحرّك أوروبي حذر على أنقاض الحروب الأمريكية
قضية فلسطين في محور السياسات الأوروبية إقليمياً

بون/نبيل شبيب
لم يكن حجم الورطة العسكرية في أفغانستان والعراق قد ظهر للعيان بوضوح كما هو الآن، بل كان التحالف الأمريكي - البريطاني في أوج مراحل تبجّحه بسياسة عسكرة الهيمنة تجاه المنطقة الإسلامية على وجه التخصيص، عندما أعلن وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر أنه ليس في مصلحة الغرب أن تواجه الولايات المتحدة الأمريكية هزيمة عسكرية في العراق، وكان هذا أيضاً من أسباب تبدّل السياسة الفرنسية في اتجاه التفاهم بعد الخلاف مع واشنطن، كما ظهر في السياسة المشتركة تجاه سورية ولبنان. وإذا كان ما سبق يعبّر عن توجّه الدولتين في فترة الخلاف العلني عبر الأطلسي، يمكن تقدير حجم القلق الذي يسود الأوساط السياسية الأوروبية في الوقت الحاضر، بعد أن أصبحت الهزيمة الأمريكية مؤكّدة، وبالتالي تقدير حرص الأوروبيين على التعاون مع الأمريكيين، بمقدار ما يحول دون أن تسفر الهزيمة عن عواقب تصيب الغرب عموماً، وسياساته ونفوذه ومطامعه فيما بين إندونيسيا والصحراء الغربية.
على أن السياسة الأوروبية في المرحلة المقبلة تنطلق من اعتبارات أخرى، في مقدّمتها:
أولاً: المساعي المبذولة أوروبياً منذ سقوط المعسكر الشرقي، للمضيّ قدماً في سياسات التميّز الأمني والسياسي الخارجي، ممّا قطع شوطاً كبيراً رغم العراقيل الناشئة عن أنانيات ومصالح قومية، وصعوبات كبيرة مرافقة لعمليتي توسيع الاتحاد الأوروبي من جهة، وترسيخ أسس جديدة للتعامل بين الدول الأعضاء فيه عبر دستور جديد من جهة أخرى.
ثانياً: الصراع أو التنافس أو الخلاف مع واشنطن لا يعني نشوء قطبين متنازعين، أوروبي وأمريكي، على غرار القطبين الغربي والشرقي في حقبة الحرب الباردة. فالمصالح المتشابكة بين الدول الغربية مالياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً، تجعل الأوروبيين حريصين على أن تجمع العلاقات عبر حلف شمال الأطلسي بين عنصري التنافس والخلاف من جهة والتوافق والتعاون من جهة أخرى، لا سيّما وأن الكيان الأوروبي لم يبلغ بعدُ مداه في تكوين كتلة دولية متماسكة متجانسة.
ثالثاً: المصالح والمطامع والسياسات الأوروبية تجاه الجنوب عموماً، والمنطقة الإسلامية على وجه التخصيص، لا ترتبط بالمنطلقات الغربية المشتركة فقط، وبالتالي لا تضمحلّ نتيجة نكسة أمريكية على طريق ترسيخها، بل لها منطلقاتها ودوافعها وغاياتها الذاتية، وهذه لا تختلف من حيث الجوهر عن المنطلقات والدوافع والغايات الأمريكية، وإن تصادمت جزئياً نتيجة التنافس أو اختلفت على مستوى الوسائل المتبعة.
هذا علاوة على تأثير عوامل أخرى مثل القرب الجغرافي بالمقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وما ينشأ عنه، كمشكلات المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا.


نظرة مغايرة

تحدّدت السياسات الأوروبية في هذه الأثناء تجاه أفغانستان، التي يرفع الغربيون على حربهم فيها عنوان ((مكافحة الإرهاب والمخدّرات))، ووُضعت القيادة العسكرية للحرب تحت مظلّة حلف شمال الأطلسي، ممّا يثبّت للأوروبيين موقعاً للمشاركة في صنع القرار العسكري، مع اختلاف تعامل الحلفاء مع العمليات العسكرية والسياسات التنموية. ورغم الضغوط الأمريكية المتواصلة أظهرت قمّة الأطلسي في ريغا، إصراراً شديداً من جانب عدد من الدول الأوروبية وفي مقدّمتها ألمانيا وفرنسا، على الامتناع عن المشاركة العسكرية المباشرة في المعارك الدائرة جنوب أفغانستان، وهذا ما لا يعود فقط إلى تقدير عدم جدوى الأسلوب العسكري القهريّ المستخدَم أمريكياً وبريطانياً، فقد بات الرفض من أوراق الضغط داخل حلف شمال الأطلسي، لتبنّي سياسات أخرى ((مشتركة)) غير انفرادية، تعزّز موقع الأوروبيين أطلسياً، وفي هذا الإطار تأخذ أفغانستان مكان النموذج المناسب لطرح صيغة جديدة أقلّ اعتماداً على القوّة العسكرية، وأكثر تركيزاً على الجوانب السياسية والاقتصادية المهملة حتى الآن، لا سيّما وأن خمسة أعوام مضت على الشروع بالغزوة الأمريكية، أظهرت أن ما سمّي ((الحرب على الإرهاب)) ضاعف انتشار الظاهرة ووسّع نطاقها، وحال دون التعامل المباشر والفعّال مع جذور المشكلات القائمة في المنطقة.
كما تحدّدت المعالم الرئيسية للتوجّهات الأوروبية تجاه قضية العراق، وإن لم تتحدّد التفاصيل، فالامتناع عن المشاركة العسكرية بات أرسخ ممّا مضى بطبيعة الحال، لا سيّما وأن واشنطن ولندن أصبحتا تبحثان عن مخرج يضمن ((انسحاباً)) لا يظهرهما بمظهر الهزيمة العسكرية التامّة. على أن الدول الرئيسية حول المحور الفرنسي - الألماني في الاتحاد الأوروبي، ستتمهّل في طرح تصوّرات جديدة للتعامل مع قضية العراق، حتى تظهر حصيلة المناقشات الساخنة في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الانتخابات النصفية هناك. ورغم حدّة الهجوم الأخير في القمّة الأوروبية أواسط كانون الأول/ديسمبر 2006 على سياسات سورية وإيران، فإن ما استقرّ في الدوائر السياسية الأوروبية هو ضرورة اعتماد أرضية سياسية جديدة في العراق، تكمل سياسة ((المحاور)) المتبعة أمريكياً، وتجمع ما أمكن بين جهود دولية وأخرى إقليمية، من ركائزها الاتصالات الجارية مع الدولتين ودول أخرى في المنطقة، فإذا تحقّق هذا الهدف -رغم العقبات القائمة حالياً- سيصبح العنصر الاقتصادي، بمعنى المشاركة الأوروبية المباشرة في الاستثمارات الضخمة المتوقعة لإعادة إعمار البلاد، عاملاً رئيسياً في تحديد معالم السياسة الأوروبية المقبلة.
وقد سبق أن تضاءل الاختلاف بين الأوروبيين والأمريكيين بصدد التعامل مع إيران، بعد إدراك واشنطن أن سياساتها العسكرية في أفغانستان والعراق، ساهمت في الوصول بإيران إلى موقع إقليمي لم يعد يمكن تجاوزه، جنباً إلى جنب مع استحالة اللجوء بصورة مضمونة إلى القوّة العسكرية للحدّ منه. وبالمقابل فإن القوى الغربية متّفقة على العمل بكل وسيلة ممكنة للحيلولة دون وصول إيران إلى مستوى يمكّنها من التسلّح النووي، وهو أمر لم يعد مستبعداً رغم التأكيدات الإيرانية المستمرّة على الاكتفاء باستغلال الطاقة النووية سلمياً. على أن الأوروبيين لا يخشون من الدور الإقليمي لإيران بسبب النفط الخام، والدول العربية في منطقة الخليج، قدر ما يخشون من أثر الدور الإيراني الجديد على مستقبل قضية فلسطين، وعلى أصل الوجود الإسرائيلي في المنطقة، وهي مخاوف تعزّزها التصريحات الإيرانية الساخنة المعروفة، والتي اخترقت بانعقاد مؤتمر طهران الأخير حول حقيقة ((المحرقة النازية)) قطاع المحرّمات في السياسات الأوروبية. ورغم تبنّي الأوروبيين تدريجياً لسياسة ((العقوبات)) الدولية ضدّ إيران، فإن تصريحاتهم وجهودهم الرسمية لا تنقطع لتجنّب الانزلاق إلى ما يسمّى حلاً عسكرياً، ولا يمكن أن يكون على أرض الواقع سوى ((مغامرة عسكرية)) أشدّ وطأة بعواقبها على الغربيين أنفسهم، من مغامرتي أفغانستان والعراق. وليس من المستبعد أن يتقبّل الأوروبيون على مضض دوراً إقليمياً إيرانياً مهيمناً، مع محاولة ضبط مسيرة السياسة النووية الإيرانية، إذا أظهرت إيران استعداداً للتراجع عن سياساتها على صعيد قضية فلسطين، لا سيّما إذا تمكّن الأوروبيون -للهدف ذاته- من دفع سورية إلى تراجع مشابه تحت عنوان إحياء مؤتمر مدريد بصيغة جديدة، والتركيز على قضية الجولان المهملة منذ أربعة عقود.

فلسطين الجوهر

إن الاحتمالات الأرجح في استشراف السياسة الأوروبية تجاه قضايا المنطقة في المرحلة المقبلة تؤكّد بقاء قضية فلسطين هي مفصلها الرئيسي في المستقبل المنظور، وهذا بغضّ النظر عن حجم تراجع الهيمنة الأمريكية وانكسار حدّة عسكرتها. ولا يصح ربط تحديد هذه السياسات الأوروبية بمسألة حجم النفوذ اليهودي أو الصهيوني، بالمقارنة مع حجمه الأكبر في السياسات الأمريكية، بل سيبقى العنصر الحاسم أوروبياً هو المنظور الأوروبي الذاتي إلى المنطقة، الشامل لاعتماد الوجود الإسرائيلي في قلب المنطقة العربية والإسلامية، وقد أصبح مجدّداً موضع التشكيك نتيجة ظهور دور المقاومة بديلا عن الدور الذي كان يُعزى إلى القوات العسكرية الرسمية في حقبة ازدهار القومية العربية والاشتراكية. واستمرار الوجود الإسرائيلي المهيمن إقليمياً لا يمثل حجر الزاوية في السياسة الغربية المشتركة مع الأمريكيين فحسب، بل هو كذلك في السياسة الأوروبية بحدّ ذاتها إذا أمكن النظر إليها بمعزل عن واشنطن.
لقد كان الوجود الإسرائيلي تاريخياً ثمرة أطروحات أوروبية من عهد نابليون بونابرت إلى أن وقعت النكبة الأولى، وإنّ استمراره مع استمرار هيمنته إقليمياً، هو محور التصوّرات الأوروبية الراهنة لضمان تغييب ((قوّة عربية)) أو ((قوة إسلامية)) جغرافية مجاورة للأوروبيين.
وقد ظهر من أحداث انتفاضة الأقصى، ووصول حماس إلى السلطة، ثمّ استحالة إسقاط حكومتها عبر الحصار الدولي والإقليمي والضغوط الداخلية الفلسطينية، بالإضافة إلى حصيلة الحرب العدوانية الأخيرة على لبنان، أنه لا بدّ للأوروبيين من سلوك طريق آخر للتعامل مع القضية، والقوى القائمة في ساحتها. على أنه لم يتبيّن في الساحة الأوروبية حتى الآن ما هي الصيغة التي يمكن أن تجمع بين المتناقضات، أي بين التعامل مع معطيات واقع جديد فرضته المقاومة على الأرض، ورسّخه تلاقيها مع ما يُسمّى المحور الإيراني-السوري، وبين الحفاظ على الوجود الإسرائيلي المهيمن إقليمياً، بعد أن اضمحلّ مفعول الوسائل السابقة لدعمه وترسيخ هيمنته عبر تشكيلة النظم السياسية في المنطقة.
وإذا صحّ ما تردّد عن الجانب الفلسطيني بشأن اتصالات أوروبية جديدة عبر القناة البريطانية مع حكومة حماس، لتليين جبهة الحصار الأوروبي المفروض على الشعب الفلسطيني، فمن المؤكّد أن ذلك لم يتجاوز حتى الآن حدود محاولة التعرّف على المدى الذي يمكن أن تصل إليه أطروحات حماس بصدد ((الهدنة طويلة الأمد)) مستقبلاً. ومن شأن استمرار الثبات على عدم تلبية شروط ما يسمّى اللجنة الرباعية الدولية (بشأن اعتراف رسمي مع التخلّي عن ممارسة المقاومة المسلّحة، قبل تحقيق هدف التحرير أو قيام دولة فلسطينية على الأقلّ) أن يساهم في دفع الأوروبيين إلى تقبّل وقائع جديدة فرضتها أحداث السنوات الماضية فلسطينياً ولبنانياً على الساحة. على أن الطريق إلى ذلك ستكون طويلة والتفافية، أي يمكن أن تسبق الوصولَ إلى صيغة من هذا القبيل محاولاتٌ أوروبية واسعة النطاق تشمل:
1- العمل على إضعاف الجبهة الفلسطينية إقليمياً من خلال تلبية بعض المطالب السورية واللبنانية والإيرانية، على أن يكون ثمنها ترسيخ سياسات ((الاعتراف والتطبيع الشرق أوسطية)) في المنطقة.
2- العمل على انتزاع موافقة فصائل فلسطينية معينة على ما لا توافق عليه حماس من شروط يراد تثبيتها على ما يسمّى حلّ الدولتين، وعلى وجه التخصيص ما يرتبط بالاعتراف ونزع أسلحة المقاومة.
3- العمل على انتزاع أقصى ما يمكن انتزاعه من ((حماس)) نفسها، بما في ذلك ما يمكن أن يعطي عنوان ((الهدنة)) مضمونَ سلام دائم على أساس حدود معترف بها.
بإيجاز.. لا يُنتظر أن يبدّل الأوروبيون سياساتهم تجاه قضية فلسطين على وجه التحديد، نتيجة تراجع الهيمنة الأمريكية والهزائم التي تلحق بها، إنّما يصنع هذا التبدّلَ ما يتبدّل على أرض الواقع محلياً وإقليمياً، وبالتالي ما تصنعه القوى الفلسطينية والعربية والإسلامية، وهو ما يمكن أن يكون كبيراً ومؤثّراً على السياسات الدولية، وهذا بالذات أهمّ ما ينبغي استخلاصه من وقوع الهزيمة الأمريكية بأسرع ممّا كان يحسبه كثير ممّن يتبع واشنطن أو يعارضها على السواء.

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003