مطالباً بتدخل أمريكي لإنجاز تسوية
لقضايا الصراع العربي الإسرائيلي
تقرير ((بيكر – هاملتون)).. أوسلو جديدة
القاهرة/عصام عبد الرحمن
((يجب أن يكون هناك التزام متجدد ومستمر من الولايات المتحدة بتسوية سلمية
شاملة بين العرب والإسرائيليين على الجبهات كافة، ويجب التمسك بقراري مجلس
الأمن 242 و338 ومبدأ الأرض مقابل السلام، باعتبارها الأساس الوحيد لتحقيق
السلام)). هذه الكلمات هي نص ما جاء في التوصيتين السادسة عشرة والسابعة عشرة
من التوصيات الـ78 التى أوردها تقرير ((بيكر – هاملتون))، والذي صدر في الحادية
عشر من صباح الأربعاء 6/12/2006، وعدّه المراقبون أحد أهم التقارير التي توليها
الأوساط السياسية العالمية عناية خاصة، لأن موضوعه يبحث في وسائل معالجة الفشل
الذريع الذي منيت به إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش في العراق، وكذلك لشهرة
فريق إعداده؛ فهم مجموعة من كبار الشخصيات السياسية الأمريكية، فالشخصيتان
المشاركتان في رئاسة الفريق هما وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر
(جمهوري)، والرئيس السابق للجنة العلاقات الدولية التابعة لمجلس النواب لي
هاملتون (ديمقراطي). أما الأعضاء الآخرون فهم: لورنس إيجلبرجر - وزير الخارجية
الأمريكي الأسبق، وفيرنون جوردان جونيور - كبير مدراء شركة لازارد وفريرز،
وإدوين ميس - وزير العدل الأمريكي الأسبق، وساندرا داي أوكونور - القاضية
السابقة بالمحكمة العليا، وليون بانيتا - الرئيس السابق لهيئة موظفي البيت
الأبيض، ووليام بيري - وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، وتشارلز روب - العضو
السابق بمجلس الشيوخ الأمريكي، وآلان سيمسون - العضو السابق بمجلس الشيوخ
الأمريكي.
وهذا التقرير الذي طرح في المكتبات ويتوقع معدوه أن يحظى بإقبال كبير، مثل
تقرير لجنة التحقيق في الظروف التي قادت إلى هجمات أيلول/سبتمبر 2001 وكان أكثر
الكتب مبيعاً في المكتبات الأمريكية، كان فريق العمل قد بدأ في إعداده في 15
آذار/مارس 2006 في اجتماع عقد بمبنى الكونغرس. وأشرف على ترتيبات عمله مجلس
النواب الأمريكي عن طريق معهد السلام الأمريكي التابع لإحدى لجانه، كذلك مركز
دراسات الرئاسة ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومعهد جيمس بيكر للسياسة
العامة بجامعة رايس.
وبشكل محدد، ركز التقرير الذي حمل عنوان ((تقرير فريق دراسة العراق)) وتوزعه
دار فينتنيج إحدى دور النشر التابعة لراندوم هاوس أكبر ناشر في العالم للكتب
التجارية العامة باللغة الإنجليزية، على أربعة موضوعات رئيسية، هي: الأحوال
الاستراتيجية في العراق والمنطقة، الأمن في العراق والتحديات الأساسية لتعزيز
الأمن في البلاد، التطورات السياسية في العراق في أعقاب الانتخابات وتشكيل
الحكومة الجديدة، الاقتصاد وإعادة الإعمار.
والتقرير، وهو يطالب بتدخل أمريكي بهدف إنجاز تسوية في قضايا الصراع في منطقتنا
العربية، قدّم وبشكل أساس جملة حلول لموضوعه الأصلي وهو المأزق الأمريكي في
العراق. ومن بين ما اقترحه أن تتحول المهمة الأساس للقوات الأمريكية في العراق
إلى تدريب الجيش العراقي ودعمه، وإضافة زيادة كبيرة إلى القوات الأمريكية التي
تعمل ضمن وحدات الجيش العراقي وتدعمها، وفي غضون ذلك يمكن سحب العدد الأكبر من
القوات الأمريكية بالعراق بحلول الربع الأول من عام 2008.
ومنطلقاً من هدفه الأساس وهو البحث عن مخرج للوضع المتردي الخطير الذي وصلت
إليه حال القوات الأمريكية في العراق، عرج التقرير إلى قضايا وجدها ذات صلة
بأزمة أمريكا في العراق، ومنها قضايا الصراع العربي الإسرائيلي وقضايا تمسّ دول
الجوار العراقي، فأوصى التقرير الإدارة الأمريكية بأن يتم اعتماد دبلوماسية
جديدة تقوم على إجراء واشنطن حواراً مع خصومها الرئيسيين في الشرق الأوسط
ولاسيما سورية وإيران (وقد سبق للإدارة الأمريكية أن رفضت الحوار معهما).
نقاط جديدة
أما عن قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، فحسب التقرير، لا يمكن للولايات
المتحدة تحقيق أهدافها في الشرق الأوسط إلا إذا عالجت بشكل مباشر النزاع العربي
الإسرائيلي. لهذا يجب أن يكون هناك التزام متجدد ومستمر بتسوية شاملة بين العرب
والإسرائيليين على جميع الجبهات: لبنان وسورية وفلسطين. وهذا الالتزام يجب أن
يشمل المحادثات المباشرة بين أطراف الصراع (إسرائيل) من ناحية والذين يقبلون
بحق (إسرائيل) في الوجود من الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين من ناحية أخرى،
ولأنه لا حل عسكرياً لهذا الصراع فيجب التمسك بقراري مجلس الأمن 242 و338 ومبدأ
الأرض مقابل السلام، باعتبارها الأساس الوحيد لتحقيق السلام، وتقديم دعم قوي
للرئيس الفلسطيني محمود عباس والسلطة الفلسطينية لأخذ زمام المبادرة بتمهيد
الطريق لإجراء مفاوضات مع (إسرائيل)، وبذل جهد كبير في دعم وقف إطلاق النار،
وعقد مفاوضات تعالج قضايا الوضع النهائي الخاصة بالحدود والمستوطنات والقدس وحق
العودة ونهاية الصراع.
إن التقرير فيه نقاط تعدّ مختلفة عما سبقه من تقارير متشابهة مثل الربط بين ما
يحدث في الشرق الأوسط ومسار الصراع العربي الإسرائيلي وحرص التقرير على الإشارة
إلى تعبير ((حق العودة للاجئين الفلسطينيين))، كإحدى قضايا المفاوضات بين
الفلسطينيين والإسرائيليين، الذي أغفلته المبادرة العربية الصادرة عن قمة بيروت
عام 2001 (حيث لم تتطرق بشكل مباشر إلى حق العودة للاجئين). وكذلك المطالبة
بتغيير واشنطن نفسها لأسلوب إدارة أزماتها مع الدول الرئيسة في المنطقة، مثل
سوريا وإيران، إلى الحوار المباشر معها، والاعتراف أن الإدارة الأمريكية بحاجة
لإرادة سياسية كبيرة من أجل تصحيح الأوضاع وليس حلّها، وأن الأمريكيين غير
راضين عن الوضع في العراق ولا عن الطريقة التي يجري فيها النقاش حوله على
المستوى السياسي في داخل أمريكا.
رغم كل ما سبق، فإن التقرير، فيما يخص قضايا الصراع العربي الإسرائيلي ودعوته
إلى تدخل أمريكي بهدف إحراز تسوية لقضايا هذا الصراع عن طريق المفاوضات بين كل
أطراف القضية، يعيد إلى الأذهان سيناريو نفذه جورج بوش الأب أثناء حرب الخليج
الأولى، عندما سوق لمشروع مفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين - بدأت بمؤتمر
مدريد وانتهت باتفاقية أوسلو - يوهم به العرب والفلسطينيين بإمكانية إعطائهم
بعض الحقوق، ويستفيد هو منه بتحييد تأثير قضية الصراع العربي الإسرائيلي على
مسار حربه ضد العراق، وتستفيد (إسرائيل) بوقف الانتفاضة الأولى التي عجزت كل
وسائلها العسكرية عن وقفها، كذلك تكون هناك فرصة أكبر لتحريك صراع فلسطيني
داخلي حول سلطة ناقصة وسباق تفاوض لا ينتهي حتى يبدأ من جديد. ويضع تقرير بيكر
- هاملتون الحكومة الأمريكية أمام تنفيذ سيناريو مشابه الآن، فهو يدعو إلى دور
أمريكي في إنجاز تفاوض إسرائيلي فلسطيني سوري لبناني تعد فيه أمريكا العرب
بالضغط من أجل عودة مرتفعات الجولان المحتلة، ودعم حكومة موالية لها في فلسطين،
وتبنّي قراري الأمم المتحدة 242 و338 كأساس للتسوية القائمة على الأرض مقابل
السلام. وذلك في مقابل تخفيف الاحتقان ضد أمريكا في العالم العربي والإسلامي،
وأن تقوم سوريا بدور في تحقيق الاستقرار في العراق من خلال التحكم بحدودها،
وأمنياً من خلال فتح خط ساخن لتبادل المعلومات مع العراقيين، والتوقف عن التدخل
في لبنان وعن تعاونها الكامل في الاغتيالات السياسية في لبنان، والتوقف عن دعم
حزب الله، واستخدام سوريا لتأثيرها على الحزب وحماس لإطلاق سراح الجنود
الإسرائيليين الأسرى لدى الجماعتين، والتوقف عن دعم حماس والجماعات الفلسطينية
بتوفير السلاح، والالتزام أمام لأمريكا بأنها ستقنع حركة حماس بالاعتراف
بـ(إسرائيل). والتقرير لا يوصي بالتأكيد الإدارة الأمريكية بحثّ (إسرائيل) على
التفاوض مع منظمات ترى أنها (إرهابية) مثل حماس وحزب الله.
وفي مقابل أن تدخل (إسرائيل) في سباق التفاوض العربي من جديد -وكأن التفاوض مع
(إسرائيل) هدف عربي في حد ذاته- فإن التقرير يعد الإسرائيليين بالقضاء على
المقاومة العربية فلسطينياً ولبنانياً، ومنح عقلية العسكرة في المجتمع
الإسرائيلي فترة إجازة مع التشديد على عدم تخلّي أي من الديمقراطيين أو
الجمهوريين عن (إسرائيل). فإذا كان الفلسطينيون قد حققوا بعض المكاسب من
اتفاقية أوسلو -مازال الداخل الفلسطيني مختلفاً حول ما إذا كان قد تم تحقيق
مكاسب أم لا- إلا أن تقرير بيكر هاملتون يسوق الوهم بعينه إلى الأطراف العربية،
فمع بداية ماراثون التفاوض في حالة حدوثه –والذي يرفضه الداخل الإسرائيلي حتى
مع مزايا ضمان وقف المقاومة العربية فلسطينياً ولبنانياً بتحييد حزب الله
وحماس- ستستمر الولايات المتحدة في سياستها الداعمة لـ(إسرائيل) ضد الفلسطينيين
حتى مع خسارة الجمهوريين للكونغرس، ويعود السبب في ذلك إلى أن الحزب الديمقراطي
يعتبر تقليدياً هو الحزب الأكثر دعماً لـ(إسرائيل)، وهو ما يعني أن سياسة
الولايات المتحدة الداعمة لـ(إسرائيل) والضاغطة على الفلسطينيين، لن يكتب لها
التغيير بل ستستمر خاصة إذا ما اجتمع الديمقراطيون في الكونغرس والمحافظون
الجدد في البيت الأبيض، فكلاهما من أشد الداعمين لـ(إسرائيل)، وكلاهما يحمل
مبرراته لدعم (إسرائيل). فالديمقراطيون يدعمون (إسرائيل) كمنطلق أساس من
منطلقات حزبهم، أما الجمهوريون والذين يمثلهم المحافظون الجدد فإن دعمهم
لـ(إسرائيل) ينطلق من معتقداتهم الدينية، لذلك فإنه ليس من المتوقع أن يحدث
تغيير في السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية عما هي عليه الآن سوى
الدخول في التفاوض مع (إسرائيل) بدون أي ضمانات مسبقة وكغاية في حد ذاته.
ويبقى خيار المقاومة العربية
وإذا كان غاية ما يصبو إليه التقرير في ما يقدمه للعرب في صراعهم مع (إسرائيل)
هو الجلوس مع الجانب الإسرائيلي، في مقابل تحقيق جملة أهداف تضمن لأمريكا
موقفاً أفضل في العراق، وتضمن لحليفتها (إسرائيل) مكاسب بالجملة، إلا أن خيار
المقاومة العربية يبقى هو الخيار الأنجع عربياً للوصول للحقوق العربية المغتصبة
لجملة أسباب.
أولاً: خيار المقاومة هو وحده من يزلزل ويغير السياسات -والحالة العراقية
نموذجاً– فقد استطاعت أن تدفع الجيش الأمريكي نحو الإقرار بعجزه عن السيطرة على
الوضع، هذا الاعتراف بالعجز يوازي الاعتراف بالهزيمة، حين يتعلق الأمر بدولة
عظمى.
ثانياً: المقاومة وحدها هي الكفيلة بنقل الآثار السلبية للخسائر التي تلحقها
بعدوها إلى عمق مجتمعه، وبالتالي نقل الإجبار على تعديل المواقف إلى الداخل –
وهذا ما فعلته المقاومة اللبنانية وما أحدثته من ضرب للداخل الإسرائيلي ليس
عسكرياً فحسب، ولكن أيضاً خلافياً بين جبهاته نموذجاً وسقوط الجمهوريين في
انتخابات الكونغرس والإطاحة ببعض رموزهم بفضل المقاومة العراقية.
ثالثاً: المقاومة هي الأقدر على الصمود أمام عدوها، قدرة المقاومة الفلسطينية
المسلحة على البقاء والصمود في وجه الاحتلال الإسرائيلي –نموذجاً- بالرغم من
وجود هذه المقاومة داخل القبضة العسكرية الإسرائيلية، والتي تمارس ضدها عمليات
قاسية (الاغتيالات - الغارات التدميرية - الاعتقالات الدائمة والمنهجية -
التجويع)، ثم اضطرار المحتل الإسرائيلي للاعتراف بأنه لا يستطيع القضاء على هذه
المقاومة.