مسؤولون ومعلّقون صهاينة: نتشبث
بالتهدئة في غزة بسبب قوة المقاومة
وحكومة أولمرت فشلت في التصدي لحماس وحكومتها
فلسطين/إبراهيم
السعيد
ضرب رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بعرض الحائط الانتقادات الكبيرة التي
وجهت له من قبل الساسة الصهاينة وقادة الأجهزة الأمنية في الدولة العبرية، بسبب
موافقته بدون تردد على التهدئة مع حركات المقاومة ما يدلل على الضائقة التي
تعيشها (إسرائيل) بسبب عمليات المقاومة، وعجز الدولة العبرية وقوتها العسكرية
عن وقف هذه المقاومة، سيما إطلاق الصواريخ على الرغم من العدد الكبير من
الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا في عمليات القمع غير المسبوقة التي قامت بها
(إسرائيل) ضد المقاومة والمدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة. وجاءت هذه الاستجابة
بعد أن تم كشف عورة (إسرائيل) من خلال عمليات فرار المستوطنين الجماعي من
مستوطنة (سديروت)، لدرجة أن المدينة تحولت إلى مدينة أشباح، وتراكمت الأدلة على
إقرار الجيش والمؤسسة العسكرية بالعجز. كل هذا لم يدع مجالاً أمام أولمرت إلا
التشبث بالتهدئة في قطاع غزة حتى يتوقف جحيم الصواريخ على (سديروت). حيث أن
تواصل إطلاق الصواريخ يعمل على تآكل شعبيته المتهاوية أصلاً في أعقاب حرب
لبنان.
هلع المستوطنين
أولمرت كان عاجزاً حتى عن طمأنة مستوطني (سديروت) حول مستقبلهم في هذه
المستوطنة في ظل تواصل إطلاق الصواريخ. أولمرت كان يصغي إلى إيلي مويال رئيس
بلدية المدينة، الذي أكد أن هناك حركة نزوح واضحة للسكان من المدينة باتجاه
الوسط، وخصوصاً منطقة تل أبيب، على اعتبار أنها خارج نطاق الصواريخ التي تطلقها
حركات المقاومة.
قنوات التلفزة الإسرائيلية كانت تنقل صور الفارين من (سديروت). الخيار الوحيد
الذي كان ماثلاً أمام أولمرت غير التهدئة هو شن حملة عسكرية واسعة النطاق على
قطاع غزة، لكن أولمرت يدرك أن احتمال نجاح هذه الحملة ضئيل جداً، في نفس الوقت
كل جنرالات جيشه الذين ينصحونه بشن مثل هذه الحملة يؤكدون له أنها لن تؤدي إلى
وقف إطلاق صواريخ القسام. من هنا لم يكن أمامه إلا قبول عرض التهدئة.
من ناحية ثانية يرفض الجيش الإسرائيلي بقوة تطبيق اتفاق التهدئة الهش الذي
توصلت إليه الفصائل الفلسطينية ودولة الاحتلال للضفة الغربية. ونقلت القناة
الثانية في التلفزيون الإسرائيلي عن جنرالات كبار في هيئة أركان الجيش قولهم
أنه لا يمكن لجيش الاحتلال وقف عملياته ضد حركات المقاومة في الضفة الغربية على
اعتبار أن ذلك سيكون له مردود سلبي على الأمن الإسرائيلي. وحسب هؤلاء
الجنرالات، فإن حركة حماس تبدي اهتماماً كبيراً بنقل التهدئة للضفة الغربية من
أجل المساعدة على إعادة بناء بنية تحتية لجهازها العسكري تمهيداً لاستئناف
عملياتها في العمق الإسرائيلي وفي الضفة الغربية وقتما ترى ضرورة لذلك. وادعى
هؤلاء الجنرالات أن حركة حماس تحاول نقل تجربة إطلاق صواريخ القسام من قطاع غزة
للضفة الغربية، محذرين من أن تمكن حماس من إنتاج صواريخ القسام في الضفة
الغربية سيمثل ((تهديداً استراتيجياً)) لـ(إسرائيل) بسبب قرب الضفة الغربية
للعديد من التجمعات السكانية اليهودية الكبيرة، وبسبب وجود عدد كبير من
المستوطنات التي سيكون بالإمكان قصفها بسهولة. ويأتي هذا التطور في أعقاب
مواصلة جيش الاحتلال عملياته ضد حركات المقاومة في الضفة الغربية.
فشل قمع حماس
وتأتي الموافقة على التهدئة في ظل إقرار الحكومة الإسرائيلية بفشل السياسات
القمعية التي اتبعتها في محاربة حركة حماس. ونقلت قناة التلفزة الثانية باللغة
العبرية عن مصدر حكومي قوله أن السياسات القمعية التي بلورتها الحكومات
الإسرائيلية المتعاقبة ضد حركة حماس لم تفشل فقط في القضاء على الحركة، بل إنها
ساعدت من ناحية عملية على تعاظم الحركة إلى درجة أنها أصبحت صاحبة القول الفصل
في كل ما يتعلق بالعلاقة الفلسطينية الإسرائيلية. وأضاف المصدر الحكومي
الصهيوني قائلاً أن إيهود أولمرت ومعه جميع أركان حكومته باتوا يدركون أن حركة
حماس وتحديداً رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل هو الذي يمسك بالقرار الفلسطيني
وليس رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
ونقلت القناة عن الوزير الصهيوني رافي إيتان قوله إن أولمرت يعي أنه لم يعد إلا
حركة حماس كشريك سياسي يمكن أن يتم التوصل معه إلى تسويات، مستدركاً بقوله
((هذا مع أن حركة حماس لا ترغب بلعب هذا الدور)). وأضاف إيتان ((لقد بتنا ندرك
أن أي مبادرة سياسية سنطرحها لن يكتب لها النجاح إلا إذا كانت حركة حماس ستغض
الطرف عنها))، مشدداً على أنه لا أمل في نجاح أي مبادرة تعلن حركة حماس عن
رفضها. وأضاف إيتان أن القرار الذي يسمح بنوم عشرات الآلاف من الإسرائيليين
بهدوء بات في يد حركة حماس، لافتاً إلى أن حماس باتت هي التي تقرر التهدئة ووقف
إطلاق النار أم لا. واعتبر إيتان أن أوضح مظهر من مظاهر فشل السياسة
الإسرائيلية في مواجهة حركة حماس هي المفاوضات غير المباشرة التي تجريها
الحكومة الإسرائيلية مع حركة حماس بشأن إطلاق سراح الجندي جلعاد شاليت، موضحاً
أن هذه المفاوضات تتناقض بشكل كبير مع السياسة التي أعلنت عنها الحكومة
الصهيونية بعد الإعلان عن فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية وبعد عملية
الوهم المتبدد التي أسر فيها الجندي جلعاد شاليت. وأضاف إيتان أنه عندما يفد
مدير المخابرات المصرية عمر سليمان إلى (إسرائيل) لكي ينقل موقف خالد مشعل بشأن
الصفقة المرتقبة لتحرير شليط، فإنما يدل ذلك على أننا نتفاوض مع حركة حماس.
إلى ذلك أجمع المعلقون الإسرائيليون بأن كل المؤشرات باتت تدلل على أن
(إسرائيل) مطالبة باعادة تقييم سياستها مع حركة حماس وحكومتها. وقال عكيفا
ألدار المعلق السياسي الإسرائيلي ((أنه من غير اللائق أن تطالب الحكومة
الإسرائيلية جميع دول العالم بأن تقطع اتصالاتها مع حكومة حركة حماس، في الوقت
الذي تسمح فيه حكومة إيهود أولمرت لنفسها بإجراء اتصالات مع تلك الحركة)). إلى
ذلك نقلت الإذاعة الإسرائيلية عن يوفال ديسكين، رئيس جهاز المخابرات
الإسرائيلية الداخلية ((الشاباك)) قوله أن التجربة قد دللت على أن (إسرائيل) قد
ارتكبت خطأً جسيماً عندما أمرت بتصفية القادة السياسيين للحركات الفلسطينية.
وأضاف ديسكين أن تصفية القادة السياسيين لم يفشل فقط في وقف المقاومة
الفلسطينية وتعاظم تأثيرها، بل أنه ساهم في تعاظم الحركات التي تعرض قادتها
السياسيون للتصفية، معتبراً أن تعاظم دور حركة حماس يدلل على التأثير العكسي
السلبي لسياسة التصفيات التي طالت العديد من قادتها السياسيين.
تحذير من مواجهة
من ناحية ثانية توقع منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع
غزة الجنرال يوسف مشلاف أن يشهد منتصف العام القادم نشوب مواجهة كبيرة بين
(إسرائيل) وحركات المقاومة الفلسطينية، سيكون لها آثار كبيرة على المنطقة بشكل
عام. ونقلت صحيفة ((يديعوت أحرونوت))، أوسع الصحف الإسرائيلية انتشاراً عن
مشلاف قوله في مداولات مغلقة أن تطورات بالغة الصعوبة ستشهدها منظومة العلاقات
بين (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية. وحذر مشلاف من أن سياسة القمع التي تمارسها
(إسرائيل) في الضفة الغربية أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين بشكل
جارف، لافتاً إلى أن ذلك الوضع لا يمكن أن يخدم (إسرائيل) في نهاية المطاف.
وحسب أقوال مشلاف فإن الجمهور الفلسطيني لا يحمّل حركة حماس المسؤولية عن تدهور
أوضاعه الاقتصادية، رغم العزلة السياسية والضائقة الاقتصادية، وإضرابات
الموظفين، مشدداً على أن الجمهور الفلسطيني بشكل عام يحمل (إسرائيل) والولايات
المتحدة المسؤولية عن تدهور أوضاعه الاقتصادية وليس حكومة حماس. ويعتقد مشلاف
بأنه يجب عمل كل شيء لتحسين الوضع الإنساني، السماح بعبور البضائع بشكل دائم
ومتواصل، وعدم إعاقة موظفي الأمم المتحدة في المعابر وحث المشاريع الدولية
لتحسين البنى التحتية الإنسانية مثل المياه، المجاري وجودة البيئة. وأضاف
المنسق يقول إن (إسرائيل) ملزمة بتسهيل عمل المنظمات الإنسانية التي يعتبر
دورها حاسماً. واحتج مشلاف على أن انخراط العديد من المحافل الإسرائيلية
العسكرية والمدنية في النشاطات في الضفة الغربية، دون أن يكون بينها التنسيق
الكافي.
من ناحيته اعتبر القائم بأعمال رئيس الحكومة الإسرائيلية شمعون بيريس أن العالم
سيرتكب خطأً كبيراً في حال سمح بنجاح تجربة حركة حماس في الحكم. وقال بيريس في
مقابلة أجرتها معه إذاعة ((صوت إسرائيل)) باللغة العبرية، أن نجاح حركة حماس في
الحكم يعني أن العالم قد سلم بنشوب حرب دينية في المنطقة، معتبراً أن إفشال
حركة حماس مهمة تقع على رأس أولويات الحكومة الإسرائيلية. وتساءل بيريس
مستهجناً ((كيف نسمح بنجاح حركة حماس في الحكم وهي التي ترفض التنازل ولو عن
شبر واحد من أرض فلسطين التاريخية، وترفض الاعتراف بدولة إسرائيل، وتعتمد العمل
المسلح والعنف في مواجهة دولة إسرائيل)). وهاجم بيريس بشدة فكرة إنشاء حكومة
وحدة وطنية معتبراً أن هذه الفكرة تعتبر ((خدعة تحاول تسويقها حركة حماس وبيعها
للعالم من أجل أن يتم رفع الحصار عن هذه الحكومة)). وشدد بيريس على وجوب
استمرار فرض الحصار على مناطق السلطة الفلسطينية من أجل دفع الشعب الفلسطيني
للتخلي عن حركة حماس، تمهيداً لإسقاط حكومتها مرة وللأبد. وفي المقابل أشاد
بيريس بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، ممتدحاً قدرته على المناورة في مفاوضات
تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. وقال بيريس أن عباس وبخلاف سلفه عرفات يبدي مواقف
ثابتة وغير مترددة، الأمر الذي يفرض على (إسرائيل) التعاون معه إلى أقصى حد من
أجل منع حركة حماس من تضليل العالم.