التهدئة تترنح أمام التصعيد
الصهيوني وفتنة متنفذي رئاسة السلطة
القدس/مها عبد الهادي
لم يكن القرار الذي اتخذته حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع كافة فصائل العمل
الوطني الفلسطيني بإطالة أمد التهدئة كما يبدو كافياً للدولة العبرية ولا
لأذنابها في مناطق السلطة الفلسطينية لإشاعة الهدوء المطلوب حيث سعت الدولة
العبرية وملحقاتها لإنهاء هذه التهدئة وإعادة الصراع إلى مربّعه الأول.
وكانت حركة حماس قد أعلنت موافقتها على التهدئة أكثر من مرة كان آخرها في
آذار/مارس 2005، حيث أعادت التهدئة والتزمت بها؛ بما في ذلك وقف إطلاق الصواريخ
من غزة، لأكثر من 15 شهراً، وعادت في الشهر الماضي لتبدي استعدادها لتمديد
التهدئة لمدة كافية، كما أوقفت من جانب واحد العمليات الاستشهادية داخل الدولة
العبرية إلا إن ((أمطار الصيف)) و((غيوم الخريف)) التي حصدت ما يناهز حياة
ستمائة إنسان بما في ذلك مجزرة بيت حانون عادت لتضع علامات استفهام كثيرة حول
إمكانية استمرار هذه التهدئة، خصوصاً وأن ساسة الدولة العبرية أعلنوا في
تصريحات عدة تعمدهم إنهاء هذه التهدئة كان آخرها تصريحات لرئيس الوزراء
الصهيوني الأسبق بنيامين نتنياهو في حديث مع الإذاعة الصهيونية العامة حينما
قال ((تتخذ الحكومة سياسة واهنة بضبط النفس وتقديم التنازلات للإرهاب)). ودعا
((نتنياهو)) إلى ((إسقاط حكومة حماس وتدمير البنية التحتية للإرهاب في غزة،
ومنع تهريب الأسلحة والذخيرة عن طريق محور (فيلادلفي) وممارسة ضغط سياسي
واقتصادي على الفلسطينيين)).
وعلى شاكلته قال عضو الكنيست من الحزب الحاكم عتنيئيل شنلر في حديث مع الإذاعة
الصهيونية بداية شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي إنه يوافق على إسقاط حكومة
حماس. وأضاف ((ينبغي على (إسرائيل) أن تساعد في إقامة حكومة لا يسيطر عليها
التنظيم)). وبرأيه إذا صمدت التهدئة، يستطيع الجيش انتهاز الوقت للاستعداد
للصدام القادم.
اتفاق التهدئة
تم التوصل إلى اتفاق التهدئة بين القوى والأذرع العسكرية المسلحة الفلسطينية،
والرئاسة، والحكومة، بوقف لإطلاق النار في قطاع غزة بعد الموافقة الصهيونية غير
المسبوقة عليها بعد أن كانت الحكومة الصهيونية وعلى رأسها أولمرت ولوقت قريب
ترفض مجرد البحث في هذا الموضوع.
وثارت آنذاك جملة من التساؤلات المثيرة للاهتمام حول الموافقة الصهيونية على
وقف إطلاق النار وسحب قواتها الغازية من مناطق مختلفة من قطاع غزة أولاً، ومدى
جديتها وتواصلها ثانياً، ومدى إمكانية مدها لتشمل الضفة الغربية ثالثاً، لتؤسس
لهدنة حقيقية، تفسح المجال أمام انفراج آخر لعناصر الأزمات الأخرى المترابطة
فيها، خاصة قضية تبادل الأسرى وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
والسبب الذي يكمن حول هذه التساؤلات ينطلق من حقيقة سؤال مركب جوهري وأساسي وهو
هل الدولة العبرية معنية حقاً وتريد تهدئة، وهل فعلياً هي معنية بفتح أفق سياسي
ينجم عنها؟ من هنا لم يكن أمام حكومة أولمرت إلا إبداء هذه المرونة الشكلية
بالاستعداد لاستئناف المفاوضات على أساس خطة خارطة الطريق بالمواصفات
والاشتراطات الصهيونية، وكذلك الموافقة غير المسبوقة على وقف إطلاق نار متزامن
ومتبادل في قطاع غزة، وهو ما يقول إن حكومة أولمرت تريد قطع الطريق مسبقاً على
أي تحرك دولي قادم يأتي في مناخات سياسية غير مؤاتية لها داخلياً وخارجياً، وفي
المقدمة منه إمكانية حدوث تباين ما بين الموقف الأمريكي والأوروبي واضطرار
الإدارة الأمريكية لإجراء مساومات قد تجد (إسرائيل) نفسها مجبرة على التعاطي
معها.
والخطوة الموازية لقضية الهدنة تتمثل بالانتقال إلى خطوة تالية تتعلق بالأزمة
السياسية الداخلية الفلسطينية عبر إنهاء قضية الأسرى بإطار تبادلي ومتزامن بشكل
ينهي قضية الجندي الصهيوني الأسير، كذريعة تتذرع بها حكومة أولمرت لتصعيد
عدوانها على الشعب الفلسطيني وهو ما كان سيقود إلى إنهاء الملف الرئيس وهو
تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي طال أمد انتظارها.
وهذه القضايا الرئيسة الثلاث كانت مدار المباحثات الفلسطينية الداخلية
والفلسطينية الخارجية لأن حكومة الوحدة من بين أهدافها الأساسية رفع الحصار عن
الشعب الفلسطيني وتوحيده، والهدف من التهدئة وقف العدوان الصهيوني الظالم على
الشعب الفلسطيني.
وهذه الأهداف كانت خلف قرار التهدئة الذي بادرت إليه حركة حماس ودعوتها إليه
إذا التزم الاحتلال بها لأن الفلسطينيين -برأي حماس- معنيون بالتوصل إلى وفاق
فلسطيني داخلي يضمن لهم اتخاذ قرار موحد مما يعطي ((قوة للقرار الفلسطيني)).
مسألة الحكومة
لكن مشاورات تأليف الحكومة الفلسطينية التي اقتربت من النجاح عادت وتوقفت بعد
محادثات تمت بين عباس ووزير الدفاع الصهيوني عمير بيرتس الذي كان متواجداً في
اجتماع مجلس الوزراء الصهيوني بدعوة من الأول. وكان أبو مازن قد وسّط النائب
العربي في الكنيست محمد بركة لتنسيق الاتصال مع بيرتس وتم الاتفاق معه على وقف
إطلاق الصواريخ والعودة إلى التهدئة من الجانب الفلسطيني، مع وعد بأن يقوم
الجانب الصهيوني بشيء مماثل بعد أن يتحدث بيرتس مع رئيس الوزراء إيهود أولمرت.
وبعد الاتصال، وعندما التقى أبو مازن مع رئيس الحكومة الفلسطينية إسماعيل
هنيّة، بادر الأول إلى طرح مطالب عديدة بدت غريبة وغير مألوفة وخارج سياق
الحوارات والنقاشات التي جرت خلال الفترة الماضية، وتتمثل بالآتي:
1. الإفراج الفوري عن الجندي الصهيوني الأسير جلعاد شاليت مع تعهّد بأن يجني
عباس الثمن من الدولة العبرية بعد ذلك، مع تقديم وعد بأن تفرج الأخيرة عن عدد
من الأسرى الفلسطينيين في السجون الصهيونية.
2. العودة إلى التهدئة ووقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة ضد المستوطنات
والتجمعات الاستيطانية الصهيونية المحيطة بالقطاع، مع وعد بخطوة صهيونية
مماثلة، ولكن بعد أن يبادر الفلسطينيون إلى إعلان التهدئة والالتزام بالهدنة.
3. الإصرار على أن تكون الحكومة الفلسطينية الجديدة حكومة تكنوقراط خالصة بمعنى
ألا تضم أياً من الوجوه والقادة السياسيين، لا من الصف الأول ولا حتى من الصف
العاشر. وأبلغ أبو مازن هنية أنه سيحصل على موافقة من وزيرة الخارجية الأمريكية
كوندوليزا رايس على ذلك، وأن الإدارة الأمريكية مصرّة على أن يكون كل الوزراء
بلا استثناء من التكنوقراط.
4. رفض قاطع لمطلب حركة حماس الاحتفاظ بوزارة الداخلية، وإصرار على أن يتولاها
أحد المستقلين مع طرح اسم الجنرال عبد الرزاق اليحيى لتولي هذا المنصب.
وبدوره رفض إسماعيل هنية كل مطالب أبو مازن وشروطه وفنّدها على النحو الآتي:
1- قضية شاليت تسير بمسار منفصل عن حكومة الوحدة الوطنية، علماً بأن حماس نجحت
في الحصول من الدولة العبرية على مبدأ التبادل، وثمة نقاش حول التزامن
والتفاصيل الأخرى المرتبطة به.
2- إن حماس لا تعارض من حيث المبدأ العودة إلى التهدئة أو الهدنة، لكن شرط أن
تكون متبادلة ومتزامنة وأن تعلن الدولة العبرية وقف الاغتيالات والاجتياحات
والتوغلات في الأراضي الفلسطينية.
3- إن حماس توافقت مع حركة فتح وعباس على أن تكون الحكومة حكومة وحدة وطنية لا
تضم أياً من القادة أو الوجوه السياسية البارزة، ولكن لا تكون حكومة تكنوقراط
بحتة وهي غير مستعدة للقبول بتراجع الرئيس عن هذا الأمر.
4- حماس مصرّة على الاحتفاظ بوزارة الداخلية، وهذا أمر مهم لها للدفاع عن
المقاومة ووقف الفوضى الأمنية، وهي مستعدة للتنازل لفتح عن حقيبتي الخارجية
والإعلام.
وهنا عند هذا الحد، أنهى الرئيس محمود عباس النقاش من دون تحديد موعد لاحق، مع
الإشارة إلى أنه سيغادر في جولة عربية ويأمل بالحصول على مواقف إيجابية من حماس
على شروطه وطلباته. وقبل ذلك كان قد أمر الوزير السابق محمد دحلان بالاتصال
بالصهاينة لإبلاغهم أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود.
وعقب هذه الاتصالات عاد الاحتقان من جديد إلى الساحة الفلسطينية في صورة انفلات
وتمرد لمئات من منتسبي الأجهزة الأمنية، وإطلاق نار على مقر المجلس التشريعي
رمز الديمقراطية الفلسطينية، والتهديد بالقتل والتصعيد.
وبدأ الاحتقان بإطلاق النار على موكب وزير الداخلية السيد سعيد صيام.. وصولاً
إلى قتل الأطفال الأبرياء.. ومروراً بمحاولة اغتيال رئيس الحكومة الفلسطينية
إسماعيل هنية ووزير الخارجية الفلسطيني محمود الزهار.
إفشال التوافق
وهنا بدأت حلقة جديدة من العنف المفتعل والمسيّس القادم على موجة التصعيد
السياسي من قبل الرئاسة واللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف التي انبعثت فيها الحياة
فجأة وبقدرة قادر من بعد أن شبعت نوماً وغابت دهراً، إذ خرجت هذه اللجنة التي
انعقدت يوم 1/12/2006 في رام الله، أي بعد يوم من لقاء رايس - عباس في أريحا،
للبحث بتوصيتها للرئيس عباس بالدعوة لانتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة.
وكما يبدو فإن ما بات يؤرق بعض المتنفذين في حركة ((فتح)) هو احتمالية نجاح
((حماس)) في فكّ الحصار والخروج منتصرة من صفقة الأسير ((شاليت))، خصوصاً وأن
مؤشرات تخوّف هذا التيار بدأت عندما نجحت ((حماس)) في فرض التهدئة بتوافق كل
الفصائل.
وهذه الحقيقة هي التي حيّرت الكثير من المراقبين في سلوك حركة ((فتح)) المعاكس
لجهود الحوار ومحاولات التحلل منه والإتيان بشروط جديدة، بعد أن قطع شوطاً في
تفاصيل التفاصيل، مع العلم أن حوار ((فتح)) و((حماس)) لم يكن يشترط ترابط
المسارات الأربعة (التهدئة، الإفراج عن شاليت، فك الحصار، تشكيل حكومة وحدة
وطنية)، وإنما كان الحديث فقط عن حكومة على قاعدة وثيقة الوفاق مشكّلة من
كفاءات وطنية، وليس من كفاءات حسب المقاسات الأجنبية أو الفتحاوية.
ومع العلم أيضاً أن حركة ((حماس)) أبدت مرونة ومسؤولية وطنية عالية أثناء
الحوارات، عندما أبدى رئيس الوزراء السيد إسماعيل هنية استعداده للتنحي عن
رئاسة الوزراء، إذا كان في ذلك مدخلاً لكسر الحصار، علاوة على موافقة ((حماس))
على تخفيض حقها في عدد الوزارات من 14 وزارة إلى 9 وزارات، لإتاحة المجال للكتل
البرلمانية الصغيرة والمستقلين للمشاركة في حكومة الوحدة. إضافة إلى موافقة
الحركة على التخلي عن بعض الوزارات السيادية لصالح حركة فتح كوزارة الخارجية
والإعلام، مقابل تمسكها بوزارتي المالية والداخلية كجزء من حقها كونها الكتلة
البرلمانية الأكبر. ورغم كل هذه التنازلات إلا أن الرئيس عباس وفريقه المفاوض
أبدى رفضه لإدارة حركة ((حماس)) لأي وزارة سيادية، مطالبين بها جميعاً لحركة
فتح أو لمن يرشحه الرئيس عباس.
وهذا كله يؤكد أن سبب المواقف الفتحاوية هو الخشية من صعود ((حماس)) ونجاحها في
خلق نموذج لا يقوم على مقايضة الثوابت بالمنح الدولية. والأخطر بالنسبة للتيار
المتنفذ في حركة ((فتح)) هو أن تحصل ((حماس)) على جائزة شعبية وتاريخية بعد
تحقيق نصر أمني ودبلوماسي وتاريخي في صفقة ((شاليت))، إن تمّت وفق ما تريده
((حماس)) والفصائل.
ومن هنا بدأ هذا التيار يستبق نتائج الحوار عبر إلقاء مسؤولية الفشل على تمسّك
((حماس)) بشروطها، وأن المجتمع الدولي لن يفك الحصار في ظل هذه الحكومة. وقبل
ذلك كان الادعاء بأن السبب في إفشال الحوار هو تمسّك ((حماس)) بوزارات سيادية،
رغم اتفاق مسبق على آلية اختيار الوزراء.
ونهاية نقول إن ما يحدث من تحريض على الفتنة في فلسطين على أيد مرهونة لأجندات
خارجية، يعد مقامرة بمصير الشعب الفلسطيني ومصالحه الوطنية، ومساهمة فعالة في
مخطط إسقاط الحكومة من خلال تفعيل الضغط الداخلي بالتلاقي مع الحصار الخارجي
لكسر إرادة الفلسطينيين في الصمود، ودفعهم إلى اليأس من حماس ومن كل من يرفع
راية المقاومة سبيلاً للتحرر من الاحتلال.