قراءة هادئة في خطاب محمود رضا
عباس المتوتر:
مسرحية هزلية وجلسة ردح حافلة بالأكاذيب
هل يقبل أبو مازن بأخذ رأي اللاجئين الفلسطينيين في الخارج؟!
بيروت/رأفت مرة
أقل ما يمكن أن يوصف به خطاب أبو مازن في رام الله يوم السبت 16/12/2006 أنه
مسرحية هزلية وحفلة زجل وجلسة من الردح التي افتقرت لأي تحليل سياسي أو لأي
معطيات رؤيوية، أو لأي منطق عقلاني ولو بحدّه الأدنى، الذي يجب أن يتحلى به شخص
يجلس في موقع رئاسة السلطة، الذي حرص على أن يثبت في هذا الخطاب أنه ليس مؤهلاً
لموقعه ولا يمتلك مواصفات الحد الأدنى لهذا الموقع، فهو –أي أبو مازن- كان
يتصرف كزعيم عصابة تريد أن تستولي على السلطة بأية وسيلة، ولا يهمها حجم
الكارثة والخسائر التي ستسقط في طريق هذا الانقلاب المكشوف.
في الشكل
من الناحية الشكلية استخدم أبو مازن في خطابه مجموعة من الحركات والإيحاءات
والمظاهر التي يجب التوقف عندها ومنها:
- استخدم أكثر من مرة إشارات بيده اليمنى ومن ثم اليسرى تظهر أن خصومه
السياسيين –أي من هم في الحكومة- مجانين وغير عاقلين ومتأرجحين.
- استخدم أكثر من مرة عبارات غير لائقة أخلاقياً مثل (ابن كلب).
- أوحى بأن خصومه السياسيين هم من قتل الأطفال الثلاثة، لكنه عجز إلى اليوم عن
تقديم دليل على اتهاماته الباطلة.
- تصرف على المنصة وكأنه في حفلة سمر لا في جلسة إلقاء خطاب، فهو يتهامس عدة
مرات مع المحيطين به، ويضحك دون أن يعرف الحضور لماذا، ومن حوله على المنصة
يطلقون النكات والتعليقات.
أكاذيب
خطاب أبو مازن حفل بمجموعة كبيرة جداً من الأكاذيب وسنعلّق هنا فقط على 12
واحدة منها:
1- ادعى أن إدخال الأموال إلى قطاع غزة هو عملية تهريب. والصحيح أنها عمل مسؤول
وشجاع قامت به الحكومة الفلسطينية لتجاوز الحصار المالي وامتناع البنوك عن
التحويل بهدف إيصال الأموال إلى المستحقين.
2- قال إن جمهوراً تابعاً لحماس اجتاح معبر رفح ودمره وسرق الأجهزة، والحقيقة
أن الجمهور وصل إلى المعبر لاستقبال رئيس الوزراء ولفتح ممر له بعد قرار وزير
الدفاع الصهيوني إغلاق المعبر لمنع دخول هنية.
3- ادعى أبو مازن أن حماس نشرت قوات أمنية في غزة، والحقيقة أن أبو مازن أمر
بنشر الحرس الرئاسي في شوارع قطاع غزة بعد جريمة قتل الأطفال، ما يثبت أن هذه
الجريمة هي من فعل فريق أبو مازن لاستغلالها لنشر قوات الأمن وتطويق مؤسسات
حماس والوزارات.
4- قال إنه سلّم الأجهزة الأمنية لوزير الداخلية، وهذا كذب واضح، فهو ضمّ
الأجهزة الأمنية له بمرسوم قبل تشكيل الحكومة، وكل ما فعله أنه جمع وزير
الداخلية بقادة الأجهزة الأمنية بحضوره وطلب منه التواصل مع ضابط عيّنه أبو
مازن إذا احتاج لشيء من الأجهزة الأمنية.
5- ادعى أن حماس هي من أوقف تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، والحقيقة أن أبو مازن
هو من أجهض هذا المشروع بطلب من القنصل الأمريكي في القدس جاك والاس الذي زار
أبو مازن قبل سفره للولايات المتحدة وطلب منه إلغاء فكرة حكومة وحدة مع حماس
وإلا فإنه لن يسمح له بالالتقاء بالرئيس الأمريكي ووزيرة الخارجية.
6- قال أبو مازن إن هناك من استولى على الأراضي التي قامت عليها المستوطنات في
قطاع غزة، ويعلم الجميع أن أبو مازن رفض تشكيل لجنة فلسطينية مشتركة لحلّ مشاكل
انسحاب الاحتلال، ودفع الأجهزة الأمنية التابعة له للاستيلاء على الأراضي، وهي
التي نهبتها وتقاسمتها.
7- قال أبو مازن إن الفصائل الفلسطينية رفضت المشاركة في حكومة وحدة وطنية مع
حماس لأنها –أي حماس- رفضت اعتبار منظمة التحرير الإطار المرجع الأعلى للسلطة.
وهذا كلام غير صحيح لأن من رفض المشاركة كان بسبب تهديدات أمريكية وإسرائيلية
وبعضها من السلطة باعتباره إرهابياً سيعامل معاملة حماس إذا شارك في حكومة
معها.
8- قال أبو مازن إنه سمح للحكومة بأن تجرّب حظها، وهذا كذب واضح لأنه رفض نقل
السلطة لها، وأصدر مراسيم أعاد فيها الأجهزة الأمنية والإعلام وغيرها للرئاسة،
ولم يحضر أي جلسة للحكومة ولم يصطحب معه أي وزير للخارج وصادر صلاحيات وزارة
الخارجية، واستغل الحصار للتلاعب بالأموال وأمر الموظفين في الوزارات بعدم
التعامل مع الوزراء الجدد.
9- ادعى أنه سمح بتحويل الأموال لتمرّ من خلاله، لكن هذا الاتفاق حصل مع رئيس
الوزراء بشرط وصول الأموال لوزارة المالية. غير أن أبو مازن اختلس في تسعة أشهر
ما يزيد عن تسعين مليون دولار من هذه الأموال وقد أكد مساعده رفيق الحسيني ذلك.
10- أشار عباس في خطابه إلى أن الحكومة لم تدفع المرتبات منذ تسعة أشهر، وهذا
كذب واضح فوزارة المالية سددت 69% من مرتبات جميع الموظفين. لكن الحكومة
استطاعت أن تحل مشكلة الرواتب ما أغاظ عباس وجماعته وأفقدهم سلاحاً كانوا
يستخدمونه في التحريض.
11- ادعى أبو مازن أنه لا يعرف ما إذا كان المجلس التشريعي يجتمع أو لا، وهل
هناك رئيس سلطة لا يعرف ما إذا كان المجلس التشريعي يجتمع أم لا؟!
12- قال أبو مازن إننا تحولنا من مناضلين إلى متسوّلين، وهذا كلام بعيد كل
البعد عن الحقيقة، فالشعب الفلسطيني مناضل ومقاوم وهو لا يبحث عن مساعدات. لكن
مشكلة أبو مازن أنه كان يطلب المرتبات من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا
واليابان، وورط الفلسطينيين في ذلك، وهناك من يحاول تجاوز هذا المأزق.
في السياسة
المدقق في خطاب أبو مازن يستطيع أن يصل إلى مجموعة من الخلاصات والاستنتاجات
السياسية والتي منها:
1- إن أبو مازن وجماعته مسؤولون بشكل مباشر عن عملية الاغتيال التي تعرض لها
رئيس الوزراء إسماعيل هنية. كان أبو مازن يهدف إلى إسقاط هذه الحكومة عبر
الشارع أو الأجهزة الأمنية أو حكومة تكنوقراط، ولما فشلت هذه الخيارات جاءت
عملية الاغتيال، ولما فشلت لم يبق أمام أبو مازن غير الطريق غير الدستورية.
2- إن جوهر ما طرحه عباس في خطابه يتخلص في ضرورة اعتراف أي حكومة فلسطينية
بـ(إسرائيل) وبالاتفاقيات الموقعة معها وبتصفية المقاومة. لذلك قد يستغرب
المواطن الفلسطيني إصرار أبو مازن في مضمون خطابه على أن يعترف أي وزير في هذه
الحكومة بـ(إسرائيل)، حتى ولو كان الفصيل الذي ينتمي له هذا الوزير لا يعترف
بها. وقد يستغرب المواطن الفلسطيني كيف هاجم أبو مازن قرار حماس عدم الاعتراف
بـ(إسرائيل) حين طرحت هدنة معها لمدة عشر أو خمس عشرة سنة، مدعياً أنه لا يمكن
ترك القضية كل هذه السنوات. لكن يبدو أن أبو مازن بموقفه هذا كشف سراً عن غير
قصد، إذ إنه توصل في لقائه الأخير مع كوندوليزا رايس في أريحا حين زار بوش
العاصمة الأردنية إلى اتفاق ملخّصه: الانقلاب على حماس، تشكيل حكومة تعترف
بـ(إسرائيل)، مفاوضات مباشرة مع حكومة أولمرت تعلن خلالها اتفاقية التوصل إلى
حلّ يشمل دولة في رقعة من حدود 1967.
3- انتقد عباس أثناء حديثه المقاومة بشكل عنيف، فهو قلّل من أهمية إطلاق
الصواريخ، وإذا كان أبو مازن معروفاً أصلاً أنه ضد الانتفاضة والمقاومة، فإن
جديده أنه حمل الفلسطينيين مسؤولية فشل تنمية قطاع غزة، مشيراً إلى أن إطلاق
الصواريخ من القطاع حال دون مشاريع تنموية كانت ستقدمها اليابان. وهنا تجاهل
أبو مازن عمداً أي دور للاحتلال في العدوان على قطاع غزة، محملاً كامل
المسؤولية للضحايا الفلسطينيين الأبرياء، ومتجاهلاً أن الحصار المفروض ليس بسبب
الصواريخ.
أما من الناحية الجوهرية فهل أبو مازن يريد إخراج الفلسطينيين في قطاع غزة من
دائرة الصراع مع الاحتلال، هل ينتفي أي دور لأي فلسطيني يغادر منطقته، وما هو
مستقبل مليون لاجئ فلسطيني في قطاع غزة لم يعودوا إلى ديارهم وممتلكاتهم.
4- لماذا استخفاف أبو مازن بهذا الشكل بقضية أسر الجندي الصهيوني جلعاد شاليت،
ولماذا حمل الفلسطينيين مسؤولية الضحايا الذين سقطوا على أيدي الاحتلال بعد أسر
شاليت، رافضاً في أي شكل أن يوجه أي إدانة للاحتلال أو أن يحمل الاحتلال
المسؤولية، مع العلم أن شاليت أُسر من داخل دبابة ولم يكن سائحاً في قطاع غزة.
وعاد أبو مازن ليخطئ خطأً كبيراً ينمّ عن ضعف مستواه، حين أشار باعتزاز إلى أن
أولمرت تعهد له بإطلاق سراح عدد من الفلسطينيين الأسرى في سجون الاحتلال بعد
إطلاق سراح شاليت. وإذا كان أبو مازن يثق بأولمرت فالفلسطينيون لا يثقون به.
5- لوحظ أن أبو مازن دافع بشكل كبير عن وثيقة الأسرى، لكن ما يلفت الانتباه أن
أبو مازن دافع عن الصيغة القديمة للوثيقة، ولم يدافع عن وثيقة الوفاق الوطني
التي ناقشت وثيقة الأسرى وحسّنتها وطوّرتها وعدّلتها لتحظى بأكبر إجماع
فلسطيني، وليطوّر مضمونها السياسي، ولتتحوّل لاحقاً إلى قاعدة أساسية لأي حكومة
وحدة وطنية. وهو ما يهرب منه أبو مازن حالياً لأن وثيقة الوفاق الوطني لا تعترف
بـ(إسرائيل).
6- مسألة الدعوة إلى انتخابات مبكرة ليست من مهام أبو مازن وليست من صلاحياته.
فالمجلس التشريعي هو سيد نفسه، وحلّه لا يتم حتى في أوقات الطوارئ. ومن ثم إذا
كان أبو مازن يتذرع بمسألة الشعب هو مصدر السلطات فلماذا تنكّر أبو مازن
وجماعته لخيار الشعب الانتخابي؟ وإذا رفض أبو مازن وصول حماس إلى الحكومة
والتشريعي فهل سيقبل باستلامها الرئاسة والحكومة والتشريعي في الانتخابات
القادمة، ولماذا لم يعرض أبو مازن مسألة الاعتراف بـ(إسرائيل) أو إسقاط حق
العودة على التصويت، ولماذا لم يعرض اتفاق أوسلو على التصويت ويعيد القضية
للشعب؟
باختصار إن أبو مازن وجماعته يخططون لمسرحية انتخابية تزويرية جديدة ضد إرادة
الناس وقناعاتهم وضد الخيار الحر، وهذا ما لا تقبله حماس ولا كل القوى الحيّة.
وإذا كان أبو مازن يريد التصحيح فليقبل بالعودة أيضاً إلى اللاجئين الفلسطينيين
في الخارج.