عباس يهيئ ودحلان ينفّذ ورايس
تكافئ
الانقلابيون يحاولون اغتيال هنية والزهار وصيام
لم يأت إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عن عزمه
إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبتوراً عن الأحداث الجارية، بل جرت التهيئة له
داخلياً وخارجياً. في الداخل من خلال نشر الفوضى المنظمة وتشويه سمعة
المقاومين، وخصوصاً حركة حماس، وكذلك بتفعيل الدور المعطى لقادة الانقلابيين.
أما خارجياً فكان واضحاً الدعم المادّي المفاجئ لأجهزة أمن السلطة والغايات
منه.
تشويه السمعة
((تشويه صورة الخصم قبل الانقضاض عليه))، شعار قديم رفعه كل الطامحين إلى
السلطة بطرق غير شريفة وغير دستورية. وهذا ما حاول الانقلابيون على الإرادة
الشعبية تنفيذه في فلسطين. فلجأوا إلى حيلة مبتذلة من خلال إصدار بيان باسم
جماعة إسلامية غير معروفة تهدّد بالعقاب كلّ من يخالف رؤيتها للدّين. هدف
الانقلابيين واضح وهو تحريض الناس على التيار الإسلامي بشكل عام. وقال البيان
المزعوم لـ((جماعة سيوف الحق الإسلامية في أرض الرباط)) أن ما فعلته من تفجيرات
جاء ((تحقيقاً لإقامة الدين في الأرض وتنفيذاً لشرع الله القاضي بوأد الفتنة)).
وتبنت الجماعة إطلاق عدد من قذائف ((آر بي جي)) وتفجير عبوات ناسفة لاصقة
وجانبية في محال تجارية ومقاه للانترنت. وأعلنت مسؤوليتها عن تفجير محلين
تجاريين في مدينة رفح وجنوب القطاع يبيعان أشرطة الغناء.
كما تبنّت الجماعة رشق ((ماء نار)) على وجه امرأة في حديقة الجندي المجهول وسط
مدينة غزة، مدعية أنها ((متبرجة في شكل كبير، وأنها تلبس لباساً خليعاً)).
وحذرت طالبات الجامعات ((اللواتي يتبرجن في شكل جنوني، ويلبسن الثياب
الشيطانية، واللواتي يسوقن إسطوانات، ولا يفارقن مقاهي الإنترنت القريبة من
الجامعات)). من الاستمرار في هذه الأفعال. ووصفت الجماعة ممارسي الأعمال
السابقة بأنهم ((عباد الشيطان)). على الرغم من أن هذا البيان يحمل معنى القوة
والتهديد، إلا أن أهالي غزة قرأوه بنوع من السخرية، لأن هذه الجماعة لم تُعرف
من قبل، كما أن النهج المعتدل هو سمة التيارات الإسلامية في غزة.
ترقية دحلان
محاولة الانقلاب هيّأ لها أبو مازن بترقي محمد دحلان. ونقلت صحيفة ((معاريف))
العبرية أن رئيس السلطة كلّف مسؤول جهاز الأمن الوقائي السابق في قطاع غزة
بتشكيل قوة عسكرية لمواجهة حركة ((حماس)). ونقلت الصحيفة عن رئيس جهاز
الاستخبارات الصهيوني يوفال ديسكن قوله أن ((تقارير أمنية وصلت إلى جهاز
الاستخبارات تشير إلى أن عباس أوكل إلى دحلان مهمة إقامة قوة عسكرية جديدة
تمهيداً لمواجهة عسكرية مع حماس)). وذكر ديسكن أنه ((لا توجد قوة في المجتمع
الفلسطيني تستطيع مواجهة حركة حماس)).
ويأتي هذا التقرير بالتزامن مع ما نقلته مصادر فلسطينية من أن دحلان تلقى عرضاً
من قبل محمود عباس، بتولي منصب مستشار الأمن القومي في السلطة، وهو الأمر الذي
كان يرفضه الرئيس الراحل ياسر عرفات.
ونقلت صحيفة ((هآرتس)) العبرية عن مصادر فلسطينية قولها إن بعض الصلاحيات
الأمنية قد أحيلت فعلاً إلى دحلان، رغم عدم توليه منصب مستشار الأمني القومي
بشكل رسمي، موضحة أن على دحلان الاستقالة من المجلس التشريعي لتولي منصبه
الجديد. وقد لوحظ في الآونة الأخيرة قيام رئيس السلطة الفلسطينية بتقريب دحلان
منه، لا سيما في اللقاءات التي يجريها مع الوفود العربية والأجنبية، حتى قيل أن
دحلان يحكم بصلاحيات الرئاسة دون أن ينال لقبها. لكن ما الذي دفع هؤلاء إلى
الاستعجال بمحاولة انقلابهم؟
لقد سقطت رهانات الانقلابيين بأن محاصرة الشعب الفلسطيني ستؤدي إلى انهيار
حكومة المقاومة، ساهموا بمحاصرة الشعب من خلال مشاركتهم بمنع دخول الأموال إلى
فلسطين من خلال المعابر، بل وحتى اتهام كل من يحاول فك هذا الحصار بتهريب
الأموال! فبدأ الانقلابيون باتهام المتحدث باسم الحركة سامي أبو زهري حتى وصلوا
إلى اتهام رئيس الحكومة المنتخبة إسماعيل هنية. أما الشعب الفلسطيني فقد ازداد
تمسّكاً بالمقاومة وخياراتها، بعد أن رأى تشبّث حكومته بحقوقه الشرعية، محمّلاً
الاحتلال وأعوانه مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. ووصل هؤلاء الانقلابيون إلى
حافة اليأس بعد جولة هنية الناجحة في الخارج، وتأمينه عشرات الملايين من
الدولارات للموظفين، والعديد من المشاريع الحيوية للشعب الفلسطيني. وهو ما أشعر
الانقلابيين بفشل مخططهم الذي لم ينجح يوم كان الشعب محاصراً، فكيف وبشائر كسر
الحصار تُترجم على أرض الواقع؟
صهيونياً، كان القلق الإسرائيلي يزداد مع تطوّر عمليات المقاومة وخاصة في مجال
صناعة الصواريخ، وتقنية الأسلحة المستخدمة. كما أن هزيمة الجيش الصهيوني في
جنوب لبنان، كان ولا بدّ من أن يدفع المقاومة إلى مزيد من التصعيد. وجاء تقرير
بيكر-هاملتون المطالب بعقد مؤتمر ((مدريد 2)) لدفع عملية التسوية ليزيد من درجة
التوتر الصهيوني، فكان أن دفع الصهاينة التيار الانقلابي في السلطة الفلسطينية
لتفجير الوضع الداخلي الفلسطيني لعلّ النيران تبعد الاستحقاقات والمخاطر عن
الوضع الصهيوني الحرج.
انفلات أمني
على الرغم من أن معظم الأجهزة الأمنية هي بيد رئاسة السلطة إلاّ أن الانقلابيين
أحدثوا فوضى أمنية واتهموا الحكومة بالعجز عن كبحها. ولأن انطلاقة الانقلاب
يحتاج إلى حدث عاطفي كان استهداف سيارة تقل الأبناء الثلاثة لضابط المخابرات
الفلسطينية بهاء بعلوشة، ما أدى إلى استشهادهم وهم أسامة بهاء بعلوشة (9
أعوام)، سلام بهاء بعلوشة (6 أعوام)، وأحمد بهاء بعلوشة (7 أعوام) إضافة إلى
شخص رابع يدعى محمود الهبيل (17 عاماً). حركة حماس أدانت الحادث الإجرامي،
ونظمت جماهيرها مسيرات حاشدة انطلقت من جميع المساجد تنديداً بالجريمة.
الخطة الانقلابية كانت جاهزة فجرى نشر الأمن الرئاسي في غزة، تمهيداً لحوادث
مقبلة. البداية كانت مع استهداف موكب وزير الداخلية سعيد صيام حين قامت مجموعة
انقلابية بإطلاق النار عليه أثناء مروره في شارع الجلاء بمدينة غزة. ولاحق
مرافقو صيام السيارة التي أطلقت النار، لكنها لاذت بالفرار.
وفي إطار الاستهداف المتعمّد لقادة وكوادر حركة (حماس)، قامت مجموعة انقلابية
باغتيال القاضي الفلسطيني بسام الفرا في مدينة خان يونس. وأفادت مصادر فلسطينية
أن مجموعة مسلحة كانت تستقل سيارة مسرعة، قامت بإطلاق النار صوب الفرا، وهو أحد
القادة الميدانيين في حركة (حماس)، عند مفترق بني سهيلا جنوب القطاع، ما أدى
إلى استشهاده على الفور. والفرا يعمل قاضياً شرعياً، ويعتبر من القيادات الشابة
في الحركة، ويتمتع باحترام وشعبية واسعة في صفوف الفلسطينيين بمدينة خان يونس،
لما عُرف عنه من أخلاق وتديّن.
وهاجم عشرات المحسوبين على الانقلابيين مبنى المجلس التشريعي في مدينة غزة،
وأطلقوا النار في باحته، واعتدوا على عدد من الصحفيين. واقتحم العشرات من عناصر
حرس الرئاسة والأمن الوقائي وعناصر الأمن الوطني مقر المجلس التشريعي بعنف وسط
إطلاق نار كثيف صوب مبنى المجلس. وحاولت عناصر الشرطة المدنية منع عناصر الأمن
المنفلتة من دخول مقر المجلس، لكن العناصر الانقلابية أطلقت زخات من الرصاص في
الهواء واعتدت بالضرب على عناصر الشرطة، ما أدى إلى إصابة عدد منهم. كما اعتدت
المجموعة الانقلابية على الصحفي عبد الحليم جابر مراسل إذاعة ((صوت القدس))
المحلية، والصحفي زهير دولة مراسل إذاعة ((صوت الأقصى)) اللذين كانا في المكان.
محاولة اغتيال هنية والزهار
ووصلت عملية الانقلاب مرحلة خطيرة جداً مع محاولة اغتيال رئيس الوزراء
الفلسطيني إسماعيل هنية. فقد تعرّض موكب هنية، العائد من جولة عربية وإسلامية
ناجحة، لإطلاق نار مباشر ومتعمّد من قبل أمن الرئاسة التابع لرئيس السلطة محمود
عباس، ما أدّى إلى استشهاد أحد المرافقين الشخصيين لهنية، وإصابة نجله
والمستشار السياسي له ومرافقَي اثنين من الوزراء.
وقد جرت عملية إطلاق النار على موكب رئيس الوزراء فور خروجه من الصالة
الفلسطينية في معبر رفح الحدودي، بعد أن سعى الاحتلال الصهيوني إلى منع عودته،
خوفاً من إمكانية نقله عشرات الملايين من الدولارات لأبناء شعبه وموظفي السلطة.
وأدّت محاولة الاغتيال إلى استشهاد عبد الرحمن نصار، المرافق الشخصي لهنية،
وإصابة نجل الأخير، وكذلك إصابة أحمد يوسف، المستشار السياسي لرئيس الحكومة
المنتخبة، ومرافقي كل من أمين عام مجلس الوزراء الدكتور محمد عوض، ووزير الصحة
الدكتور باسم نعيم. واتهمت (حماس) محمد دحلان بمحاولة الاغتيال. وقال إسماعيل
هنية ((نحن نعرف الجهة التي قامت بإطلاق النار بشكل مباشر على سيارات الموكب)).
في مخيم بلاطة، أصيب ثلاثة من مجاهدي ((كتائب الشهيد عز الدين القسام))، عندما
فتح مسلحون ينتمون لحركة (فتح) النار عليهم أثناء تأديتهم لاستعراض عسكري في
مخيم بلاطة بمدينة نابلس، بمناسبة الذكرى التاسعة عشرة لانطلاقة حماس.
وهاجمت مجموعة انقلابية سيارة وزير شؤون الأسرى والمحررين وصفي قبها، وأطلقت
النار باتجاهها دون أن يصاب أحد. وقال الوزير قبها إن ((مجموعة مسلحة لاحقت
سيارته التي كانت تقل مرافقيه في منطقة الماصيون جنوب مدينة رام الله، وعندما
أصبحت بالقرب منها فتحت النار على السيارة دون أن يصاب أحد، ولاذت بالفرار)).
وفي رام الله أيضاً أصيب نحو خمسين متظاهراً حين قامت عناصر من أمن الرئاسة
بإطلاق النار على مظاهرة سلمية مؤيدة لحركة (حماس).
وزير الخارجية الفلسطيني محمود الزهار نجا من محاولة اغتيال نفذتها مجموعة
انقلابية تنتمي لحرس الرئاسة، وذلك من خلال إطلاق النار بشكل كثيف على موكبه في
قطاع غزة. وقال الناطق باسم الوزارة طاهر النونو إن الزهار نجا من إطلاق نار
كثيف على موكبه أثناء خروجه من مقر الوزارة في تل الهوى غربي غزة، مشيراً إلى
أن ((قناصة كانوا متربصين بالقرب من الوزارة، وفور خروج الوزير من المقر باشروا
إطلاق النار باتجاهه)).
عناصر انقلابية من قوات أمن الرئاسة اقتحمت وزارتي الزراعة والنقل في قطاع غزة،
وأبلغوا الموظفين بأن الوزارتين مغلقتان ((بأمر من الرئيس محمود عباس حتى إشعار
آخر)). وبعد أن اعترض موظفو هاتين الوزارتين على هذا القرار، قامت هذه العناصر
بطرد بعضهم بالقوة وتحت تهديد السلاح، بينما احتجزوا الموظفين المقرّبين من
حماس.
وهاجم مسلحون من ((فتح)) النائب عن كتلة ((التغيير والإصلاح)) محمد شهاب خلال
مرور سيارته في شارع في مخيم جباليا، دون وقوع إصابات. عشرات من منتسبي أجهزة
الأمن الفلسطينية قاموا بالاعتداء على عدد من المؤسسات الفلسطينية الرسمية في
خان يونس، لا سيما المدارس ومجمع الوزارات.
الولايات المتحدة كافأت الانقلابيين على نشرهم الفوضى، فأعلنت وزيرة الخارجية
الأمريكية غوندوليزا رايس عزمها توفير الدعم المالي الكبير لحرس الرئاسة
الفلسطيني. وأكدت أنها ستطلب ملايين الدولارات من الكونغرس الأمريكي ((لدعم حرس
عباس)).
المراقبون يرون أن كبير الانقلابيين محمد دحلان ينفذ وعده الشهير بعد تشكيل
الحكومة الفلسطينية ((حرقصهم خمسة بلدي))، والرقص، قياساً لرؤيته وتاريخه، لا
يصلح إلا فوق الجماجم. ولكن لحماس وعداً آخر أطلقته يوم انطلاقتها، وصدح به
مؤخراً رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل ((لن ننجرّ إلى حرب أهلية.. ومعركتنا هي
مع الاحتلال)).