دحلان: محترف التبعية وهاوي
الانقلابات الفاشلة
ياسر قدورة
وقف أمام عشرات الآلاف من أنصار حركة فتح في ملعب اليرموك في غزة في الذكرى
الثانية والأربعين لتأسيس الحركة، وخطب فيهم أسوأ خطبة في تاريخ العمل السياسي
الفلسطيني، استخدم عبارات ومفردات لم يسبق لأحد ان أطلقها في أي سجال سياسي
داخلي، وصف حماس بالعصابة والقتلة، وهدد قياداتها بأنها ليست بمنأى عن قواته،
طالباً من الفتحاويين أن تبقى أياديهم وأصابعهم على الزناد ابتداء من تلك
الليلة.. ذهل المجتمع الفلسطيني مما سمع، وشعر الجميع أن انقلاباً دموياً قد
يقع بين ليلة وضحاها.
محمد يوسف دحلان – أبو فادي – المولود في مخيم خان يونس عام 1961 لأسرة فقيرة،
عرف منذ شبابه بأنه حاد الطباع لا سيما مع أبناء الحركة الإسلامية الذين احتك
بهم من خلال دراسته في الجامعة الإسلامية بغزة. لم يكن يوماً من القيادات
التاريخية لفتح رغم ما يمتلكه الآن من سلطة أو سطوة على الحركة. حرص على ترويج
أخبار وشائعات عن تاريخ في النضال والتعرض للاعتقال وتأسيس الشبيبة الفتحاوية
وقيادة الانتفاضة، إلا أن الفتحاويين أنفسهم لم يبتلعوا هذه الحكايات.. لم يسطع
نجمه فتحاوياً إلا بعد أن استقر في تونس، وتعرض رجالات فتح الكبار من أمثال أبو
جهاد وأبو إياد للاغتيال، الأمر الذي أفسح المجال للدحلان للتقدم إلى الصفوف
الأمامية في قيادة فتح تحت مظلة ياسر عرفات.
انتقل مع أبو عمار إلى غزة بعد اتفاق أوسلو وأصبح مسؤولاً عن الأمن الوقائي
فيها، بينما تولى جبريل الرجوب المهمة في الضفة الغربية.
بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد، أبدى الدحلان اعتراضه على سياسة عرفات ودعمه
للانتفاضة الثانية، وبدأ بالتمرد عليه وانتقاده بشدة وبشكل علني عبر وسائل
الإعلام.. لاقى الدعم المطلوب من الإسرائيليين والأمريكيين الذين حاصروا عرفات
في المقاطعة وقرروا عزله.. حاول الدحلان الانقلاب على ياسر عرفات عبر التحريض
على الموالين له وقام باختطاف بعض رجاله بحجة أنهم متورطون في الفساد، رغم أن
الدحلان نفسه كان متورطاً بهذا الفساد حتى أذنيه.. لم تنجح محاولة الانقلاب،
ولم يكن عرفات ضعيفاً للدرجة التي تصورها، كما فشل في كسب تأييد ودعم حماس لمثل
هذه المحاولة.
تمكن الرجل بعد غياب القائد التاريخي لفتح (أو تغييبه) من الإمساك بمفاصل حركة
فتح لما يملكه من نفوذ أمني ومالي.. وعندما منيت فتح بالهزيمة في انتخابات
المجلس التشريعي مطلع العام 2006، حاول أن يلعب دور المنقذ مستغلاً عواطف
الفتحاويين فسيرهم في الشارع مطالبين باستقالة اللجنة المركزية للحركة وكالوا
الشتائم للرئيس عباس..
تعهد محمد دحلان في إحدى جلساته المغلقة بأن يدفع حماس –بعد فوزها في
الانتخابات- إلى ((الرقص البلدي)) مدة أربع سنوات، وهي المدة القانونية للمجلس
التشريعي.. ولكنه تراجع فيما بعد عن هذه المدة الزمنية ((الطويلة)) إذ وجد في
الحصار المفروض على الفلسطينيين فرصة للإطباق على الحكومة، فانتقل من الرقص إلى
الرصاص، مطلقاً العنان لرجاله الأوفياء ليعيثوا في غزة والضفة فساداً: من
التظاهرات الأمنية وقطع الطرقات، إلى إحراق المؤسسات واحتلال المقرات العامة
وعمليات الاغتيال والاختطاف التي طالت الشيوخ والنواب ولم يسلم منها الوزراء..
صمدت الحكومة في وجه الحصار والانفلات الأمني المفتعل، وصار الوقت يلعب في
مصلحة الحكومة وضد المراهنين على سقوطها، فارتبك دحلان ومن معه فتسارعت خطواتهم
المتهورة من محاولة اغتيال رئيس الوزراء إسماعيل هنية عند معبر رفح، إلى التورط
بمشروع هو الأخطر في تجاوزاتهم وذلك بمحاولة التوصل إلى معلومات عن مكان احتجاز
الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليت من خلال التحقيق مع المختطفين من حماس..
وصولاً إلى مرحلة الجنون السياسي في خطاب الانطلاقة.
المهرجان أتى تتويجاً لسلسلة من التحركات الميدانية والإعلامية للانقلاب على
الحكومة، ولكنه في نفس الوقت كان بداية انقلاب حقيقي على حركة فتح.. فالحركة
بدت غائبة عن ذكرى انطلاقتها رغم احتشاد عشرات الآلاف من أعضائها ومناصريها..
أعضاء اللجنة المركزية، والمجلس الثوري والوجوه التاريخية للحركة لم تكن في
الصورة.. حركة فتح نفسها بتاريخها وفكرها وخطابها لم تكن هناك.. كان محمد دحلان
هناك ينفث الحقد والكراهية في أبناء فتح، ويعطيهم الأوامر بوضع الإصبع على
الزناد.. كان يعلن للعالم ولقيادات فتح أنه هو القادر على حشد الجماهير، وهو
الذي يحدد اتجاه بوصلة الحركة عبر الشارع والمؤسسة الأمنية وليس عن طريق
المؤسسات الحركية..
بعد الخطاب الدموي بأيام صدر بيان باسم كوادر حركة فتح يدين ويستنكر ما جاء على
لسان محمد دحلان معتبرين ذلك سابقة في التاريخ الفلسطيني، وأكدوا أن دوره يختصر
بوراثة الحركة بل والانقلاب عليها فكراً وتاريخاً ونضالاً ودماء، والطعن فيها
والتطاول على رموزها حتى الرئيس الراحل ياسر عرفات.. حماس لن تسمح لدحلان أو
لغيره بالانقلاب على خيار الشعب الفلسطيني، وهي قادرة على حماية الحكومة
برصيدها الشعبي قبل أن تفكر بأي خيار آخر.. ولكن يبقى سؤال آخر: هل تنجو فتح من
محاولة انقلاب الدحلان عليها؟؟