قبسات
بين الناطق والقائد
لا يخفى على المتابعين لمجريات الأحداث
الداخلية الفلسطينية أن أبرز الوجوه وأكثرها حضوراً في هذه المدة هم الناطقون
الإعلاميون الذين يتواصلون مع الإعلام للإعلان عن أمرٍ ما أو الرد عليه.
وذلك لأنهم مكلفون بالدفاع عن مواقفهم والترويج لأفكارهم وأحياناً التسويق
لمبادرات ومواقف تيارهم. وهم نموذج تجسيدي واقعي يُفترض أن تتلخص فيه الأفكار
والمواقف والسياسات، ليخرجوها بأفضل صيغة ويعرضوها بأبهى حلّة.
بعض هؤلاء الناطقين يقود المعركة بالصوت العالي ورشق الاتهامات يمنة ويسرة
وبإثارة الغبار وشنّ الهجوم تلوَ الآخر من باب أن ((كثرة الدقّ تفكّ اللحام)).
فباتوا رأس حربة لتياراتهم يقودون معاركها الإعلامية كأنهم قادة ميدانيون، إلى
الحد الذي برّر أحدهم –مرتجلاً- حدثاً فاجأه به أحد المذيعين على الهواء، تبيّن
لاحقاً أن المذيع أخطأ باستعادة حدث قديم مشوّه.
أثبتت التجربة أن إعلام الصوت العالي والهيجان وتلفيق الاتهامات، هو إعلام فاشل
بدليل الانتخابات التشريعية الأخيرة. وأن ((الحقيقة)) هي المعيار؛ كما يقول
الدكتور أنيس صايغ ورئيس مركز الأبحاث الفلسطيني سابقاً، وهو الذي رفض الترويج
لكتاب ((بروتوكولات حكماء صهيون)) وأمثاله من الكتب، مؤكداً أن ما يفعله العدو
من اعتداءات يكفي بالإضاءة عليه، بدلاً من التهويل الإعلامي. والحقيقة والهدوء
(قليل مستمر) خير من التلفيق والهيجان (كثير منقطع).. فالزبد رغم كثرته يذهب في
الهواء وتبقى الحقيقة راسخة في الوجدان المتلقي.
بالعودة إلى الناطقين الإعلاميين، فقد انتبهت بعض التيارات أنهم ليسوا مناسبين
في كل المواقف، فبات يرافقهم –في الأحداث المهمة- قياديون من حركاتهم. فقد اتضح
لهم أن بعض الناطقين يحاولون بناء كاريزما خاصة مصطنعة على حساب مهنتهم، فهم
يقومون بوظيفة تتطلب منهم ((تدبيج)) المواقف بجُمل وعبارات، لا أن ((يأخذوا))
هذه المواقف التي يتم ارتجالها أحياناً.
الخلاصة، لا بد من إعادة النظر في وضع هؤلاء الناطقين بعد أن تاهَ بعضهم بين
توصيفهم كناطقين إعلاميين أو قادة المشروع ومنظّريه الفكريين. والأدهى حين لا
يتم الفصل وتختلط الأساليب فيطرحون الفكر بصوت عالٍ وهيجان سمج.
وربما تنطبق الطرفة الأكاديمية على الناطق الإعلامي، فظن نفسه قائداً، فالطرفة
تقول ((أن تطاول المعيد في الجامعة سببه أنه يظن نفسه خطأً مطبعياً عن
العميد)). وكذلك هو الأمر بين القعيد والعقيد.. خاصة على مستوى ومراتب الأمن
الوقائي.
أصداء
سياسة ثقافية أم ثقافة سياسية؟!
لا تنفصل السياسة عن الثقافة في الواقع
الفلسطيني، بل يضاف إليهما التاريخ والأدب وغيرهما في خلطة واحدة!
في ((أوراق ثقافية)) لهذا العدد، رواية كتبها عضو المكتب السياسي في الجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين مروان عبد العال، وكتاب سياسي مترجم عن العبرية أصدرته
مؤسسة فلسطين للثقافة، ومقال عن الفتنة الداخلية الفلسطينية على المواقع
الإلكترونية.. وحتى ((قبسات)) لم تسلم من السياسة وإعلامها. ناهيك عن ديوان
((مريم العموري)) ذي القصائد السياسية الوطنية.
إنه واقع لا مفرّ منه، على الفلسطيني أن يعيشه ويتذوق مرارته وحلاوته. وعلينا
في ((أوراق ثقافية)) أن نغوص فيه رغم محاولاتنا الدائمة الابتعاد عن السياسة
بمفهومها الواقعي، تاركينها لما تبقى من صفحات ((فلسطين المسلمة)).
واقع لا مفرّ منه، بل من الواجب أن تعايشه الثقافةُ أو –على الأقل- تلامسه، كي
لا تبتعد عن دورها الحقيقي المرتجى منها.
وبين الدور الحقيقي وأوراق ثقافية حقيقية وبين والمعايشة المعايشة السياسية،
نقف في الوسط محاولين التوازن بينهما آملين أن نوفق في ذلك.
فالتمسوا لنا العذر.