فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Feb2007
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
وجه وحدث
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون فلسطينية4
شؤون فلسطينية5
حوار - عباس زكي
تحقيــق
شؤون العدو1
شؤون العدو2
الغلاف1
الغلاف2
الغلاف3
الغلاف4
25 عاماً
الملف
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
صورة معبّرة
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
رسائل إلى الوطن
لوحات فنية
لحظة

 

الملف

 

المسلمون في أوروبا بين مرحلتين
حاجة المسلمين إلى صيغة شمولية واستراتيجية للعمل الهادف

بون/نبيل شبيب
قبل جيل أو أكثر قليلاً، وعلى وجه التحديد مع ((ثورة أسعار النفط)) في السبعينات من القرن الميلادي العشرين، أضيف إلى الموروث في المناهج المدرسية وسواها من العصور الوسيطة الأوروبية، ما نُشر من صور نمطية جديدة عن المسلمين من عناوينها ((بدوي النفط الثري، والحريم، والجهل مع الغباء المفرط)). ونشرت حول ذلك كتب عديدة، فضلاً عمّا كانت تنشره وسائل الإعلام. ومع اندلاع الثورة الإيرانية أضيف إلى ذلك التخويف من ((دين ينتشر بالسيف))، وبدأ تجديد الذكريات الأوروبية مع العثمانيين على أسوار فيينا، حتى إذا انتشرت الصحوة الإسلامية على أوسع نطاق وشملت أوروبا، بدأ التركيز على ((ظاهرة الإرهاب)) و((صراع الحضارات))، وارتبط بالهجمة الصهيو-أمريكية ((الوقائية)) الجديدة على المنطقة الإسلامية، فتحوّلت العلاقة مع المسلمين واقعياً إلى ((حرب مفتوحة))، ولم يبقَ ذلك دون أثر على المسلمين في أوروبا، بمن فيهم الأوروبيون منهم.

التعامل مع ((الظاهرة الإسلامية)) الأوروبية
رغم التعاطف الكبير مع الأمريكيين بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن، انتشر الانطباع تدريجياً -ثمّ بسرعة ملحوظة مع احتلال العراق وانتفاضة الأقصى- أن الحرب الجارية ليست حرباً أوروبية، ولا هي لتحقيق أهداف ((غربية)) مشتركة، رغم وجود مشاركة أوروبية متفاوتة الدرجات فيها، بل هي حرب صهيو-أمريكية خطيرة العواقب عالمياً. وترك ذلك أثره الواضح على المستوى الشعبي عبر المظاهرات الجماهيرية واستطلاعات الرأي، وعلى المستوى الرسمي عبر انسحاب تدريجي من المشاركة في احتلال العراق، كما هو الحال مع إسبانيا وإيطاليا وبعض دول شرق أوروبا.
هذا ممّا يثير التكهّنات بأن مسلسل الإساءات إلى مقام النبوة مع ما كان من ردود فعل شعبية إسلامية واسعة النطاق عليها، يتضافر مع ازدياد الانحياز في مواقف رسمية من جانب دول أوروبية رئيسية، كفرنسا وألمانيا، تحت تأثير الخوف من انعكاسات ((هزيمة أمريكية)) محتملة على الغرب، ليتخذ صيغة محاولة جديدة لعكس مفعول هذا التطوّر في مجرى هجمة الهيمنة وعسكرتها أمريكياً، وإن كان في بدايته، وساهم في تلك المحاولة وقوع ما يسري عليه وصف ((العمليات الإرهابية ضدّ المدنيين)) على الأرض الأوروبية، في إسبانيا وبريطانيا في الدرجة الأولى.
على صعيد آخر يمكن أن نرصد كيف تحوّل الوجود الإسلامي في أوروبا تحوّلاً جذرياً من مجتمع وافدين يحملون معهم هموم القضايا والأحداث الجارية في البلدان الإسلامية، إلى ((كتلة سكانية أوروبية مسلمة)) لا يستهان بحجمها، ولا بدورها المستقبلي في التفاعل المؤثّر على صياغة المجتمعات الأوروبية وسياساتها الرسمية. ورغم التركيز الرسمي على النظرة القديمة إلى المسلمين في أوروبا عبر منظور التعامل مع مغتربين ووافدين ومهاجرين، إلاّ أن هذا التركيز بدأ يفقد كثيراً من دعائمه، ليس بسبب التناقص السكاني في أوروبا فقط، والحاجة إلى تعويضه بجيل من الشبيبة العاملة، وإنّما نتيجة مخاوف متزايدة في الوقت نفسه أن تتحوّل مظاهر ((الصراع الحضاري)) إلى مواجهات خطيرة.
الدول الأوروبية لا تتبع سياسة موحّدة في تعاملها مع ما يرتبط بالإسلام والمسلمين فيها، بل تتفاوت السياسات الرسمية تفاوتاً كبيراً، مع وجود عنصر مشترك تصنعه غلبة وجود جيل أوروبي سابق على مراكز صناعة القرار في مختلف الميادين السياسية والإعلامية والفكرية والثقافية والاجتماعية، وهو الجيل الناشئ في ((السبعينات)) من القرن الميلادي العشرين، أي في ذروة انتشار ما سمّي ((ثورة الطلبة)) و((الثورة الجنسية)) من جهة، وتنامي الصحوة الإسلامية في أوروبا نفسها وفي المنطقة الإسلامية من جهة أخرى.
مثال على التفاوت المذكور بريطانيا، حيث وصل فيها وجود المسلمين إلى بدايات التأثير على الخارطة الحزبية السياسية، إلى درجة إثارة مخاوف سياسيّ عمالي عريق مثل جاك سترو على مقعده النيابي بسبب المسلمين في دائرته، فضلاً عن تأثير حرب احتلال العراق. وهو ما قد يفسّر محاولة استقطابه أصوات عموم الناخبين بإثارته مخاوف جديدة من مظاهر الوجود الإسلامي. كما أصبح من المرجّح أن يرتفع عدد النواب المسلمين، وهم حالياً اثنان فقط بدلاً من عشرين وهو الرقم الأقرب للتعبير عن نسبتهم السكانية. ورغم أن سياسات الحزبين الكبيرين لا تختلف عن بعضها كثيراً في مثل قضية العراق أو فلسطين، إلاّ أن مجرّد تعاظم التأثير السياسي للمسلمين، يدفع المسؤولين البريطانيين إلى تصعيد سلبيّة تعاملهم مع ((الظاهرة الإسلامية)) عبر نفق ((مكافحة الإرهاب))، بتصعيد ((هجمة)) القوانين الاستثنائية، تشريعاً وتطبيقاً.
فرنسا التي تخشى من ازدياد تأثير التيّار اليميني المتطرّف، يتبارى الحزبان اليميني واليساري فيها على مواقف ((تسحب بساط استقطاب الناخبين من تحت أقدام اليمين المتطرّف)) -في نظر أصحابها- بمواقف أكثر تشدّداً تجاه الإسلام نفسه، كما في قضية الحجاب، وتجاه قضايا ترتبط بالعالم الإسلامي كما ظهر في تبدّل السياسة الفرنسية تجاه قضيتي فلسطين والعراق، فضلاً عن تعزيز معارضة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي عبر طرق ملتوية، كاستصدار القانون الذي حمل عنوان ((تجريم إنكار مذبحة الأرمن))، بمبادرة الأقلية اليسارية، وتمريره من جانب الغالبية اليمينية بأسلوب الغياب عن التصويت.
ألمانيا التي بقيت فترة طويلة تتجنّب التعامل رسمياً مع واقع المسلمين فيها، تعمل على الإمساك بزمام المبادرة مجدّدا من خلال مشروعها الجديد تحت عنوان ((مؤتمر الإسلام)) في برلين، مع إدخال عنصر ((مسلمين علمانيين)) فيه، في طريق أقرب إلى محاولة علمنة الإسلام نفسه، طالما استحال التخلّص من ((الظاهرة الإسلامية)) نفسها، وهذا بدلاً من البحث المشترك عن صيغة مشتركة مقبولة لتعايش المسلمين من منطلقهم الإسلامي دون تزييف، مع دولة تحكمها العلمانية رسمياً.
مثل هذا التفاوت أو الاختلاف في طرق التعامل مع الظاهرة الإسلامية نجده أيضاً ما بين الدول الإسكندنافية، ودول الجنوب الأوروبي، وحتى بين دولتي الحياد الأوروبي قديماً؛ أي سويسرا والنمسا.

تطور العمل الإسلامي
على أن ((الظاهرة الإسلامية)) في أوروبا واحدة، رغم التنوّع الذاتي في صفوفها، ورغم تفاوت التعامل معها، وقد تختلف درجات التعبير عن تلك الظاهرة، ما بين العنصر السياسي المتنامي في بريطانيا، والاجتماعي ((المهمّش)) في فرنسا، والسلمي المتعدّد الثقافات في سويسرا، ولكنّ جوهرها واحد في الحقبة المعاصرة، يظهر للعيان عبر التنامي الملحوظ لرغبة غالبية متزايدة من المسلمين في:
1- تطبيق إسلامهم دون مواجهة عوائق لا مسوّغ لها، مثل نزع حجاب الطالبات في فرنسا والمعلمات في ألمانيا والحملة على رفض الاختلاط في المسابح على مستوى المدارس وما شابه ذلك، ناهيك عن تجاوز هذه الحدود إلى درجة السعي لتقنين ((التجسس الجامعي على الطلبة المسلمين)) كما انكشف في بريطانيا مؤخراً.
2- الوصول إلى صيغة مقبولة لتمثيلهم في صناعة القرار على مختلف المستويات، بما يتناسب مع أعدادهم الفعلية وحقيقة أن النسبة الأعظم منهم باتت من مواليد البلاد الأوروبية، ومن ذوي الأصول الأوروبية، ومن المقيمين في أوروبا بصورة دائمة منذ عشرات السنين، وهم لا يجدون حتى الآن مثل هذا التمثيل في أجهزة صناعة القرار، بدءاً من مستوى البلديات انتهاء بالمجالس النيابية المركزية.
3- إعادة هيكلة العمل للقضايا الإسلامية، بمعنى قضايا البلدان الإسلامية، فقد انخفضت نسبياً درجة تركيز المسلمين في أوروبا على الأسلوب القديم في العمل، وهو أسلوب انطلق من اعتبارها ((قضايانا.. في مجتمع غربي منحاز ضدّها))، وازداد في هذه الأثناء الميل إلى إعطاء الأولوية إلى القضايا المباشرة التي ترتبط بحياة المسلمين أنفسهم في أوروبا، بينما يجتهد من يعمل للقضايا الإسلامية أن يكون عمله مشتركاً مع جهات أخرى داخل المجتمعات الأوروبية، ومن المنطلق الإنساني أكثر من المنطلق السياسي.
4- اقتران ذلك بازدياد حجم الجهود المبذولة إسلامياً للتمييز بين الأوساط المتهمة بالتطرّف والتشدّد واستخدام العنف غير المشروع، وبين عموم المسلمين، دون أن يظهر مفعول هذه الجهود حتى الآن، نتيجة الحملات السياسية والإعلامية الواسعة النطاق في الاتجاه المعاكس، والتي يُصبّ زيت الإساءات الأخيرة على نارها، فيزيدها أواراً، بدعوى الدفاع عن حرية التعبير.
على هذه الأرضية شهدت الساحة الإسلامية الأوروبية في السنوات القليلة الماضية منذ الغزو الأمريكي لأفغانستان، وعبر محطات فلسطين والعراق ولبنان، مساعي متنامية في اتجاه التنسيق والتعاون بين الجهات العاملة إسلامياً، مع تكثيف ما بدأ من هذه المساعي من قبل، فبرزت الهيئات الجامعة للمسلمين واتحاداتهم، كما في إسبانيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا ومؤخراً في إيطاليا وسويسرا، وتزامن ذلك مع تحرّك مضادّ، أو مقابل، من جانب العلمانيين من المسلمين في أوروبا، في اتجاه تقديم صورة ((الإسلام العلماني)) كبديل عن ((الإسلام الحركي)) أو ((الأصولي))، وهو ما أسفر مؤخراً عن تشكيل ((رابطة المسلمين العلمانيين)) في سويسرا مثلاً، وعن ظهور عدد منهم في مؤتمر الإسلام المشار إليه في ألمانيا مثلاً آخر.
وتزامن هذا التطوّر مع ظهور سلسلة من الاجتهادات الفردية لممارسة العمل الإسلامي في صيغ جديدة، مستقلة عن العمل التقليدي للروابط والمراكز، والذي غلبت عليه في مرحلة ماضية ارتباطاته بالأحزاب والجماعات الإسلامية القائمة في البلدان الإسلامية، المواطن الأصلية للوافدين آنذاك. وأبرز تلك الاجتهادات الفردية -التي أصبحت تشكّل مجموعات عاملة محلياً على مستوى المدن غالباً- ما يعمل في نطاق الحوار على مختلف المستويات، الثقافية والسياسية الحزبية والدينية، وإن كان أثر هذا العمل على صناعة القرار السياسي والفكري محدوداً حتى الآن.
ورغم التلاقي الواقعي فيما يُتّخذ من خطوات وإجراءات عملية وما يصدر من مواقف رسمية على حصيلة تضييق الحصار على المسلمين وهيئات الإغاثة الإسلامية في أوروبا من جهة، وعلى تعزيز مفعول الهجمة الصهيو أمريكية على المنطقة الإسلامية من جهة أخرى، فلا ينبغي الانطلاق من أحكام تعميمية، تتوهّم التجانس المطلق بين القوى التي تتحرّك على هذا الصعيد، أوروبياً أو غربياً. فبقدر ما يمكن التمييز بينها، ورصد وجود سواها، يمكن الوصول إلى صيغ أفضل للتعامل معها، بما يواجه الحصار مواجهة عملية، ويوسّع أرضية رفض الهجمة الجارية انطلاقاً من أن نتائجها السلبية لا تستثني الأوروبيين عموماً.
وفي مقدّمة ما يمكن تمييزه في التعامل مع المسلمين في أوروبا ومع القضايا والأحداث الجارية في المنطقة الإسلامية عدد من العناصر الجوهرية:
1- إن العلاقات الأوروبية الأمريكية تمرّ منذ انهيار الشيوعية في الشرق في مرحلة انتقالية ما بين عهد التحالف الغربي شبه المطلق أثناء الحرب الباردة، وإيجاد صيغة جديدة للتعامل عبر الأطلسي، في اتجاه يسعى الأوروبيون من خلاله إلى إثبات وجودهم واستقلالية مصالحهم الذاتية، بينما يسعى الأمريكيون إلى إيجاد أسباب جديدة لتثبيت دعائم هيمنتهم على صناعة القرار الغربي والدولي معاً.
2- الخلافات الأوروبية - الأمريكية في إطار التنافس على نظام دولي جديد قادم، لا تتطابق مع ما كان من صراع نفوذ شرقي - غربي في حقبة الحرب الباردة، فالعلاقات عبر الأطلسي تقوم على مصالح مشتركة جنباً إلى جنب مع افتراق تلك المصالح في صراع نفوذ جديد بعد غياب المعسكر الشرقي.
3- السياسات الأوروبية تجاه المسلمين في أوروبا وتجاه المنطقة الإسلامية لا تنطلق من منطلقات الهيمنة الأمريكية ولا الهجمة الصهيو أمريكية، ولكن لا يعني ذلك أنها سياسات ((معاكسة))، إنما تنطلق من مصالح ومطامع ذاتية للهيمنة، ونظرة ذاتية تغلب عليها المخاوف من تحوّل الصحوة الإسلامية إلى مشروع حضاري يصبح بديلاً عن الحضارة الغربية بمنابعها الأوروبية، وإذا صحّ التعبير فإن أوروبا تجد نفسها بذلك بين سندان نهضة إسلامية محتملة، ومطرقة عسكرة هيمنة أمريكية قائمة على أرض الواقع.
4- رغم التطوّرات الإيجابية الواسعة النطاق على صعيد الوجود الإسلامي في أوروبا، إلاّ أنه يفتقر حتى الآن إلى سلسلة من العناصر الأساسية ليلعب دوراً إيجابياً يحقّق المصلحة الإسلامية على كل صعيد، جنباً إلى جنب مع بيان أن ذلك لا يعود بالضرر على المصالح الأوروبية ((المشروعة))، خارج نطاق مطامع ((الهيمنة)) الاستغلالية في اتجاه المنطقة الإسلامية، وخارج نطاق ((الحصار)) على حرية الوجود الإسلامي في أوروبا نفسها.

الإساءات والقوانين الاستثنائية نموذجاً
داخل هذا الإطار العام يمكن النظر في ميدانين يعتبران نموذجاً لسواهما في الجانب السلبي للتعامل الأوروبي مع الإسلام والمسلمين، وهما مسلسل الإساءات الأخيرة على الصعيد ((الفكري والعقدي))، ومسلسل القوانين الاستثنائية على الصعيد ((السياسي والأمني)).
كان أبرز الإساءات الأخيرة وأبعدها تأثيراً وأصداء ما عُرف بالإساءات الكاريكاتورية الدانماركية، والإساءة البابوية على الأرض الألمانية. وفي الحالتين تحدّثت أقلام عديدة عن صلة وصل تلفت النظر في العلاقة التمويلية والفكرية الوثيقة بين الجريدة الدانماركية المعنية بالإساءات وتيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك في العلاقة بين مقولات البابا الكاثوليكي الجديد نسبياً، بينديكت السادس عشر، ومواقفه الأقرب إلى استيعاب فكر المحافظين الجدد، ولا سيّما من حيث ربطهم بين العنصر السياسي في الحكم وبين العنصر العقدي، وإن كان في صيغة ما يعرف بالصهيونية - المسيحية المتناقضة في الأصل مع الكاثوليكية الرومية.
على أن هذه الصلة لا تكفي لتفسير أسباب الإساءات ذاتها، ولا أسباب تبنّيها من جانب جهات إعلامية ورسمية عديدة في الساحة الأوروبية، يصعب القول بوجود منطلقات مماثلة لها. كما أنها تغيّب بصورة ملحوظة عن الأنظار وجود معارضة شديدة لتلك الإساءات على مختلف المستويات الفكرية والعقدية والسياسية في أوروبا.
ويبدو أن ردود الفعل الصادرة عن جهات إسلامية في أوروبا، والتي اتّسمت بالجمع ما بين رفض الإساءات من جهة وعدم تحويل الاعتراض إلى غضبة ((جماهيرية)) كما حدث في البلدان الإسلامية من جهة أخرى، لم تكن تنطلق من مخاوف ذاتية ناجمة عمّا تواجهه من حصار وتضييق في الساحة الأوروبية فقط، بل انطلقت أيضاً من تقدير أنّ التعامل الذي يميّز بين الجهات المسيئة والمؤيّدة للإساءة، والجهات المعارضة لها، أقرب إلى تحقيق الهدف من حيث إبراز خطورتها، ليس على المسلمين فقط ولا على المنطقة الإسلامية بالذات، وإنما على مستقبل العلاقات بين المسلمين وسواهم، في أوروبا وعالمياً، وبما يشمل في حصيلته جميع الأطراف.
إنّ العامل الرئيسي الذي يحرّك الإساءات أو تأييدها لا يكمن في جانب التوافق أو الاختلاف مع مسيرة عسكرة الهيمنة الأمريكية، قدر ما يكمن في المخاوف الأوروبية بأبعادها التاريخية القديمة والحديثة، من أن الانتشار السريع والمتزايد للإسلام والصحوة الإسلامية في أوروبا، يمكن أن يشكل ((خطراً)) حضارياً وثقافياً وعقدياً على الأوروبيين وبلدانهم، وهذا بالذات ما يحتاج إلى البحث والاستيعاب والتعامل المدروس الهادف من جانب الجهات الإسلامية، في أوروبا وخارجها.
وفي ميدان القوانين الاستثنائية، التي اكتسبت هذا الوصف نتيجة تناقضها المباشر مع المعطيات الأساسية للحريات والحقوق الفردية في الدساتير والقوانين الأوروبية، كان واضحاً من البداية أن الجهات التي عملت على استصدارها في أوج الترويج لما يُسمّى ((الحرب ضدّ الإرهاب))، كانت الجهات الأكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة الأمريكية، وسط اعتراض جهات سياسية وشعبية أخرى. ورغم تنامي هذه المعارضة في الأعوام الأولى بعد غزو أفغانستان، وأثناء العامين الأولين من انتفاضة الأقصى، ثمّ وصولها إلى الذروة بعد أقلّ من عام على حرب احتلال العراق، إلاّ أن دائرة تأييد القوانين الاستثنائية اتّسعت رسمياً وشعبياً في الفترة التالية، بعد ((الهجمة الإرهابية)) في مدريد ثمّ لندن.
ويبدو أنّ التعامل من جانب المسلمين في أوروبا وخارجها، مع القوانين الاستثنائية قد انحرف مع انحراف التعليل الظاهري لها بدواعي ((الحرب على الإرهاب)) فبات منطلق كثير من المواقف والتحرّكات على هذا الصعيد هو ((نفي تهمة تعميم الإرهاب وتأييده)) عن عموم المسلمين في أوروبا، والعمل على إثبات ذلك بطرق متعدّدة، وصل بعضها إلى التخلّي عن مواقف التأييد العلني لمقاومة الاحتلال المشروعة، في أفغانستان والعراق وفلسطين، بعد دمج ((المقاومة بالإرهاب)) سياسياً في الغرب عموماً، ورغم أن جهات أوروبية (وأمريكية) عديدة، من الساحة الفكرية والإعلامية ومنظمات حقوق الإنسان، لا تتردّد عن مثل تلك المواقف.
إنّ القوانين الاستثنائية تدور على أكثر من محور في وقت واحد، وأبرز هذه المحاور:
1- تعزيز الرقابة ((الأمنية والاستخباراتية)) على عموم المسلمين ولا سيّما الناشطين حركياً في أوروبا، بما في ذلك إعطاء عمليات المداهمة والاعتقال صبغة قانونية، بالإضافة إلى تجريم نشاطات كثير من هيئات الإغاثة الإسلامية، وتخويف عامّة المسلمين من الانخراط في العمل الإسلامي عموماً، وليس فيما يتبنّى العنف غير المشروع تحت عنوان إسلامي.
2- الخلط بين المواقف الحماسية الصادرة عن بعض المسلمين بمن في ذلك ((الأئمة والخطباء في المساجد)) من غير أصحاب الاطلاع الكافي عقدياً وفكرياً وسياسياً، وبين مواقف تأييد العنف غير المشروع كردّ فعل غير متوازن على الهجمة الوحشية في عدد من البلدان الإسلامية على أهلها، من مسلمين وغير مسلمين، كما هو الحال في فلسطين والعراق على وجه التخصيص.
3- إيجاد أرضية جديدة تكون تحت سيطرة الأجهزة الرسمية للدولة، من أجل تلبية مطالب مشروعة في الأصل للمسلمين في أوروبا، مثل تدريس الإسلام لأبنائهم، أو حرية تطبيق واجباتهم الدينية الأساسية كالحجاب، بحيث لا تؤدّي تلبية هذه المطالب وقد بات المزيد من المماطلة فيها عسيراً، إلى تعزيز الصحوة الإسلامية نفسها، بما في ذلك انتشار ظاهرة اعتناق الإسلام وظاهرة تفهّم المسلمين وقضاياهم، على مستوى الشبيبة الأوروبية أكثر من الجيل الأكبر سنّاً. والأرضية الجديدة المطلوبة تدور حول محورين:
أ- يطرح المحور الأول عنوان ((علمنة الإسلام)) أو ((الإسلام العلماني))، وتقف وراء ذلك جهات علمانية متشدّدة، ومسلمون تبنّوا العلمانية عقيدة وفكراً ومنهجاً، وتروّج هذه الدعوات إلى أن الأوروبيين المسلمين لا يمكن أن يعيشوا بإسلامهم كما أنزل في مجتمع ذي غالبية غير مسلمة يعيش على العلمانية فكراً وسياسة، فلا بدّ من ((تعديل)) إسلامهم وإيجاد ما يوصف أحياناً بالإسلام الأوروبي، وهي دعوات تجهل أو تتجاهل سلسلة ما صدر عن جهات إسلامية معتبرة، تؤكّد المشروعية الإسلامية لحياة المسلم -دون ((تعديل)) إسلامه- في مجتمع غير إسلامي بلا ((أزمة)) عقدية أو تطبيقية لأحكام دينه، وتجهل أو تتجاهل أن القطاع الأكبر من المسلمين في أوروبا يأخذ بما تقوله تلك الجهات الإسلامية المعتبرة، مثل مجلس الإفتاء الأوروبي.
ب- وينطلق المحور الثاني من عدم التمييز بين مصطلحات أساسية كالعمل الإسلامي الحركي والدعوة إلى عنف غير مشروع/إرهاب تحت عنوان إسلامي، وعدم التمييز بين الاحتياجات الأساسية الصادرة عن التعاليم الإسلامية مباشرة، وبين تحويل العمل للقضايا الإسلامية إلى عمل قائم بذاته على الأرض الأوروبية بدلاً من دمجه في نطاق العناصر المشتركة مع عموم السكان الأوروبيين، مثل عامل حريات الإنسان وحقوقه، وثوابت القانون الدولي كحرية تقرير المصير وعدم مشروعية اغتصاب الأراضي بالقوة، ومشروعية مقاومة الاحتلال الأجنبي.
إن الإساءات والقوانين الاستثنائية، لا تتطلّب ردوداً إسلامية فحسب، بل تتطلّب صيغة شمولية/استراتيجية، تقوم على استيعاب أبعادها وأبعاد ما يشابهها من تطوّرات سلبية في التعامل مع الظاهرة الإسلامية في أوروبا، وأبعاد الجوانب الإيجابية الموجودة في الساحة الأوروبية أيضاً، ليمكن التأثير الفعال في اتجاه تحقيق مصالح المسلمين في أوروبا، وتمكينهم من أداء واجباتهم على صعيد حقوقهم وحرياتهم الذاتية من جهة، وعلى صعيد العمل المشروع إسلامياً.. وأوروبياً.. لصالح القضايا العادلة في المنطقة الإسلامية.

نظرة مستقبلية
لا يسهل ترجيح توقّعات مستقبلية محدّدة المعالم على ضوء المعطيات الراهنة، وهو ما يحتاج إلى بحث مفصل، فتكفي في الختام الإشارة إلى عناوين رئيسية، يُفترض أن تكون في محور الاهتمام كي تتوافر معطيات أفضل، ومنطلقات عملية لا غنى عنها، ومن ذلك على سبيل المثال:
1- انتقال الجهود الإسلامية المبذولة عموماً من مرحلة الارتجال وردود الأفعال إلى التخطيط القائم على المعلومة الموثقة والرؤية الشمولية والجهد المدروس المتواصل والتقويم الدائم لتحقيق تطوير متجدّد.
2- الخروج من مؤثّرات مرحلة سابقة لها إيجابياتها وسلبياتها، والتركيز على متطلّبات المرحلة الراهنة والمستقبلية، مع اعتماد جيل الشبيبة في الدرجة الأولى.
3- إيجاد أرضية مشتركة للوجود الإسلامي ومصالح المسلمين على امتداد الدول الأوروبية بما يتجاوز الحدود من جهة ويتلاءم في الوقت المناسب مع مسيرة توحيد القارة الأوروبية من جهة أخرى.
4- الانطلاق من صيغة تجمع ثلاثة عناصر حاسمة في وقت واحد:
أ- المسلمون في أوروبا جزء من المجتمعات الأوروبية نفسها.
ب- المسلمون جزء من عامّة المسلمين في العالم.
ج- قضايا البلدان الإسلامية وسواها من قضايا عالمنا المعاصر، جزء من واجبات المسلمين في أوروبا انطلاقاً من الانتماءين السابقين معاً.
ولا حاجة هنا إلى التفصيل في الاحتياجات الواقعية للمسلمين في أوروبا لأداء واجباتهم وتحقيق مصالحهم على النحو الأمثل، بدءاً بقطاع المعرفة والتوعية والتخصص، مروراً بالتنظيم والتنسيق والتعاون، ودعم أسباب التمويل الذاتي، انتهاء بشبكة تواصل وتعاون مع مختلف الجهات الأوروبية الأخرى على أرضية المصالح المشتركة.
 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003