تحريك أوهام السلام والترويج
لبضاعة مستعملة
فلسطين/إبراهيم أبو الهيجاء
يتجدد وهم السلام بأثواب جديدة وكأنها الحكاية التي تحكيها الجدة لأطفالها لكي
تتحايل عليهم فيناموا.. فاستدعاء الحلول المنتقصة مع تغيير مسمياتها هي
الاستراتيجية الأميركية الوحيدة في المنطقة.. وإطلاق التصريحات الإسرائيلية
المؤكدة عليها هي البرنامج السياسي الذي على ظهره يعتلي اليمين الصهيوني ليؤكد
مرونته، وعلى ظهره أيضاً يعتلي اليسار الصهيوني ليؤكد بقاء برنامج له..
وبالمقابل فإن خداع بعض الرسميين والنخب من العرب والفلسطينيين مستمر كتناغم مع
هذه الاسطوانة القديمة ولكن بألحان جديدة.. طبعاً من حق الجميع عرباً
وفلسطينيين وحتى (هنود) إدراك موقعهم تجاه كل فعل سيؤثر عليهم، لكن علينا أن لا
نقع في تضخيم سياسي وإعلامي في قراءة الموقف الإسرائيلي والأمريكي عن السلام
بحيث يصرفنا عما يريده بالكلية من أحلام وطموحات، فيصيبنا كما أصاب أصحاب الفيل
الذي اصطدموا به في الظلمة فواحد أمسك (بأذنه) فقال عنه (ورقة شجرة)، وآخر أمسك
بذنبه فقال عنه (حمار).
لقاء عباس – أولمرت
في لقاء أولمرت – عباس الأخير جرى بيع الفلسطينيين البضاعة ذاتها، ومرة أخرى
نسمع قصة الأموال والأسرى والحواجز وإعادة الانتشار والمبعدين. وكأن ذاكرتنا
ضعيفة، فيظن البعض أننا نسينا مباحثات ((طابا)) التي جرت أيضاً بين (أولمرت –
عباس)، والتي شكلت على أثرها اللجان ووعدنا فيها بعسل النحل، فلم يبقَ منها سوى
لسعات النحل.
نفهم أن يكون أولمرت صريحاً مع شعبه فيقول ((إن اللقاء جاء من أجل تقوية مكانة
الرئيس أبو مازن))، بالمال والسلاح والكثير من الوعود الكلامية. نستطيع فهم
مقصد أولمرت في لقاء أبو مازن، ولاسيما وهو يعايش حضيضاً انتخابياً وهجوماً من
كل النخب الإسرائيلية المثقفة يميناً ويساراً.
ولكنني بصراحة لا أستطيع أن أبرر أو أفهم خطوة الرئيس عباس، لن أتحدث هنا عن
الثمن المقابل، فمن الواضح أنه ثمن بخس ولا يصب إلا في اتجاه ما يعزز استقواء
طرف فلسطيني بطرف خارجي، وهو ببساطة يصب أولاً وأخيراً في سفينة أمن (إسرائيل).
وكل ذلك فقط لإضعاف قوة حماس، وتشديد الطوق عليها، والإثبات أن برنامجها
وبالتالي مقاومتها لن تخرج أسرى، ولن تفرج عن أموال. فقط هي الطريقة التفاوضية
والمقاومة السلمية واللقاءات الحميمة ما يخرج الأسرى ويعيد الأرض ويؤمن
الرواتب. هذا عبث وهو اجترار للتفكير الحزبي الضيق الذي يخشى من حماس أكثر من
خشيته من (إسرائيل)، وهو يصب في ذات التفكير الذي يريد أن يجرنا لانتخابات
مبكرة، ويفرض علينا أن نوافق على شروط الرباعية وليس الوطنية، وإلا فالسلاح
والتعسف بالصلاحيات الرئاسية جاهز لردع أي مخالف ومعاند.
ورغم كل ذلك فإننا نستطيع القول أن أي إنجاز يمكن أن يحققه الرئيس الفلسطيني
فإن الفضل سيعود فيه إلى حركة حماس، لأن التحركات الإسرائيلية المتسارعة
والضغوط الأمريكية المتوافقة، تهدف أساساً إلى قطع الطريق على تحقيق حماس
لشرعية تتجاوز الشروط الرباعية وتنسجم مع الشروط الوطنية. وتحت هذا الضغط
يتحركون ويريدون إرضاء الشعب الفلسطيني الذي ملّ من الألاعيب التفاوضية والفساد
المتحالف معها. وأصبح لا يرى إلا في المقاومة والممانعة سبيلاً لتحصيل حقوقه
التي ضاعت في ((مدريد)) وما بعدها. وتضيع الآن في الجدار والاستيطان الذي يبدو
أن المفاوض الفلسطيني قد نسيه. وهو يريد تضييع حقوقنا مرة أخرى في عناوين
مستهلكة، وتضييع حقوق كانت من قبل مكتسبة حتى في ظل ((أوسلو)) الرديء.
وأخشى أن يقول المفاوض الفلسطيني لحماس عندما تسجل احتجاجها على مفاوضاته مع
أولمرت ((ألم نتفق أن المفاوضات من صلاحيات الرئيس؟!)). فيجري تناسي أن الاتفاق
كلٌّ لا يتجزأ.. ويجري التغافل عن أرضية التوافق الوطني المسجّلة بوثيقة الوفاق
الوطني، فيقتبس المفاوض الفلسطيني ما يريده من التوافقات الوطنية، ويلقي بما
يشاء في الحاوية. تلك هي الكارثة الوطنية بعينها، وذلكم هو الاستفراد، وهو من
قبل ومن بعد تعدٍ على الرغبة الشعبية وانتقاصٌ للتمثيل الانتخابي المعبّر عنها،
وإن جرى اعتقالها على يد أولمرت ذاته الذي تحاور معه عباس الآن.
أحاديث الدولة المؤقتة
بالمقابل، فإن الدولة المؤقتة التي تبشرنا بها كوندوليزا رايس، ومن قبلها وزير
الحرب الإسرائيلي عمير بيرتس اليساري، كلها أفكار تتشابه مع خطة شارون السابقة
التي أراد من خلال تعزيز الجدار كحدود فلسطينية دائمة. وقد استعارها من قبل
رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي أولمرت، الذي بشرنا بخطة التجميع قبل أن يتراجع
عنها على وقع الهزيمة في لبنان، وفوز حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة. والمؤسس
لكل هذه الأفكار هو أستاذ الجغرافيا في جامعة حيفا أرنون سوفير المنظّر
الصهيوني للفصل الأحادي بسبب الخطر الديمغرافي. كلها فلسفات تبريرية للفصل
الأحادي الذي سوقه إيهود باراك لليسار الصهيوني في حدود أقل من 1967. ولاحقاً
قام شارون بتقليصه بتعزيز وجود ثلاث كتل استيطانية في الضفة لكي يقبل به اليمين
الصهيوني لليمين، ثم سوّق للمجتمع الدولي بداعي الأمن، وتحت أكذوبة إسرائيلية
ادعت أنها انسحبت من قطاع غزة، وستنقل هذا النموذج للضفة الغربية.
بالعموم كل هذه السياسات هي أفكار انتقالية ومؤقتة بأثواب دائمة ومستمرة في
التذاكي والمناورة، وذلك لسبب بسيط هو أن (إسرائيل)، بشقيها اليميني واليساري،
ليس لديها الثمن المطلوب لتأمين أي حل تسووي للفلسطينيين. لذا أقامت الجدار
وعززت الاستيطان وتريد من العرب والفلسطينيين الاعتراف بالواقع الجديد. ورايس،
التي تدعي الحرص على حل المشكلة الفلسطينية، تتحدث بوقاحة عن دولة مؤقتة، رغم
أنها تتناقض حتى مع خارطة الطريق التي بشرت بالدولة الفلسطينية سنة 2005
وأصبحنا الآن في سنة 2007. ثم هي أوقح عندما تقول إن الولايات المتحدة لن تفرض
حلولاً على الفلسطينيين والإسرائيلين. وكأن الفلسطينيين يملكون شيئاً غير
كرامتهم وإرادتهم. إذاً، الهدف الإسرائيلي من خلف كل ذلك هو التهرب من الثمن
الواقعي السياسي، وتوريط الأردن ومصر بالمشكلة الفلسطينية. لكن الفرق بين ما
طرحه شارون من قبل وما يطرحه أولمرت هو استعدادهم للتفاوض مع الفلسطينيين كشيء
تجميلي لإنجاز الخطة لأن الجدار والاستيطان أمر واقع. وبعد ذلك لن يبقى
للفلسطينيين سوى أن يضربوا رأسهم بالحدود المصرية والأردنية. (إسرائيل) تريد،
باختصار، أن تحدد اللعبة وأبعادها ومداها وعلى الآخرين فقط القبول بها أو
إجبارهم عليها.
الأهداف الإقليمية
أما الهدف الأمريكي من خلف ذلك فهو أوضح، ويريد بيعنا بضاعة أسوأ من القديمة
دون ضمانات حتى جدية للتنفيذ، من أجل خلق اصطفاف عربي خلف المخططات الأمريكية
في المنطقة الهادفة لضرب قوى الممانعة، وخلق تجاذبات مذهبية في الحالة العراقية
واللبنانية، وتجاذبات فصائلية في الحالة الفلسطينية.
أما أدوات (إسرائيل) المتناغمة مع الرؤية الأمريكية، فمطلوب منها تعزيز خيار
الفوضى فلسطينياً من خلال جعل مراكز القوى الفلسطينية المتصارعة في مستوى واحد
من القوة، بما يبقي ويذكي هذا القتال. وعند اللزوم فالقوة الإسرائيلية جاهزة
لإجبار الفلسطينيين والجيران العرب على ضربهم كل في موقعه وأياً يكن. شاهدنا في
الحالة اللبنانية نموذجاً قريباً، أما الحالة الفلسطينية فهي واقعة كل يوم تحت
أدوات الضغط العسكري، بما يبقي المقاومة الفلسطينية ضعيفة والممانعة العربية
هزيلة.
طبعاً، هذا لا يعني الاستسلام للحلول الأمريكية وأدواتها الإسرائيلية، وبرأيي
أن ثمة حساً عربياً وفلسطينياً وإسلامياً يستشعر بقوة الأهداف الكامنة خلف هذه
الحلول الجزئية، أما الفوضى الفلسطينية فإنها سرعان ما ستنفجر في وجه (إسرائيل)
لإبقاء مؤشر البوصلة ضد الاحتلال. رغم أن الفوضى واقعة فلسطينياً لا محالة،
ولكن يمكن ضبطها والتحكم بمنسوبها والتكيف معها. كما أنه لا يمكن لخيار القوة
أن يكون معيناً على الفوضى، رغم أنه قد يذكيها، لأن خيار القوة الإسرائيلي لا
يمكنه إلا أن يكون أداة تفعيل وتعزيز لرغبة المقاومة كخيار وحيد وواقعي أمام
الفلسطينيين، يتضافر مع ذلك العامل الفلسطيني والإسرائيلي المتورط بأزمات الردع
والوعي والقيادة. وحتى العامل الأردني والمصري متشكك ويعرف أن (إسرائيل) تريد
توريطه بدفع أثمان احتلاله.
وحتى لو نجحت الخطة الإسرائيلية والأمريكية نتيجة ضعف فلسطيني أو عربي، فإن
مخاطر ذلك ستكون فقط في المديين القصير والمتوسط. أما في المدى الاستراتيجي
فإنها خطط ستعزز منطق مدرسة المقاومة الفلسطينية ونهاية الاحتلال الإسرائيلي،
كون الدولة المؤقتة في نهاية المطاف هروباً من المواجهة وتصديراً للأزمة
وتحايلاً على أي حل سياسي. وبالتالي لا يمكن أن يجري القبول به أو التعايش معه.
ورغم طول الجدار وحجمه ومناعته، فإن معدلات الاحتكاك مع الإسرائيليين ستبقى
كبيرة، وبالتالي فإن سبل المقاومة واحتمالاتها كبيرة وكثيرة.
الأفق
في الإطار الكلي، إن ما يجري اليوم هو محاولة صهيو-أمريكية لبيعنا حلولاً
مستهلكة وربما تتطور من حالة التنظير إلى حالة الفعل المجتزأ لكي يؤكدوا اختلاف
أطروحاتهم عما سبق، ولكي يجري إيهامنا أن ثمة أثماناً تدفع وتغييراً يحصل. لكن
برأيي كل ذلك سيصل بنا إلى دولة فلسطينية مقطعة مجزأة مسلوبة الإرادة والكرامة
والسيادة. والجائزة الكبيرة ستكون عندما يجري تطويق المقاومة من الخلف، فتضرب
مواقع الإسناد، ويجري تفكيك جبهة الممانعة، وعندها يستفرد الحلف الصهيو-أمريكي
في المنطقة، ويعيدنا مرة أخرى لدائرة الاستخدام ومنطق التجزئة. لكن كل ذلك
برأينا ضحالة سياسية وقراءة سطحية، وقد أفشلت من قبل وستفشل من بعد، ولأن ركائز
كل المشاريع الصهيو-أمريكية قائمة على الاستبداد والقوة وعلى حساب الحقوق
العربية والفلسطينية تحديداً فلم تنجح، وبقيت مكونات فشلها في تناقضها الداخلي،
وتالياً في مولدات المقاومة المضادة لها، وثالثاً في تضارب المصالح معها وضدها.
لذا فالساحة الأوسطية، المغرية بالسيطرة والغارقة بالفوضى والمعاندة بالمقاومة،
لا يمكن لسياسة، مهما بلغت عظمتها، ضبطَ إيقاعها ونظم ألحانها إلا بالعدالة
المتزنة وإعادة الحقوق لأصحابها. ولذا فالحلف الصهيو-أمريكي حالم متوهم أنه
بالإمكان مقايضة الحلم الفلسطيني بدون القدس وعودة اللاجئين وكامل الأرض مع
كامل الكرامة، لأن أي حقوق منتقصة مصيرها الفشل والتاريخ شاهد.