الحرب الإسرائيلية السورية
بين تعالي التحذيرات وسخونة الميدان
فلسطين/عدنان أبو
عامر
حرب قادمة، هجوم سوري، ضربة إسرائيلية استباقية، حشود هنا وهناك، تدريبات
ومناورات متبادلة على حدود جبهة الجولان المحتلة، تحركات كثيرة، وتحذيرات
سياسية ساخنة تصدر عن دمشق وتل أبيب، فيما الميدان يزداد سخونة، كمؤشر واضح كما
يبدو على قدوم صيف ملتهب، وربما مشتعل، من يدري؟
وفي الوقت الذي تحيي فيه دولة الاحتلال الذكرى السنوية الأولى لهزيمتها المنكرة
أمام حزب الله، بدأت تعلو في الأفق العسكري الإسرائيلي صيحات التحذير والتحضير؛
بل والتبرير، لحرب قادمة مع سوريا هذه المرة، وتستحضر المؤسسة العسكرية العديد
من الشواهد والمؤشرات التي تحذر صناع القرار في تل أبيب وواشنطن من أن دمشق
بصدد شن حرب قادمة، وكأن هذا الأمر أصبح لا فكاك منه!
شواهد إسرائيلية
مع أن هناك رزمة من الأسباب الموجبة لهذا التحذير، لاسيما حول شكل وطبيعة
الإستراتيجية والخيارات العسكرية حيال سوريا، إلا أن المؤسسات السياسية
والأمنية والعسكرية والإعلامية الإسرائيلية اتكأت على ما يبدو على حائط المزاعم
التي تشيع بأن الجارة السورية بصدد الإعداد لحرب مقبلة نهاية الصيف الجاري، من
خلال الشواهد التالية:
1- التزود السوري مؤخراً بكميات كبيرة من الأسلحة والصواريخ الروسية
والإيرانية، وحسب مزاعم الرئيس السابق لإدارة الدفاع ضد الصواريخ في وزارة
الحرب عوزي رؤوبين فإن إيران تزود سوريا، بعدد كبير من الصواريخ من طراز
((زلزال 2)) بمدى 250 كيلومتراً، ومن طراز ((الفاتح 110))، وهو صاروخ دقيق
يمكنه أن يحدث أضراراً في غاية الشدة، والرأس المتفجر له بوزن نصف طن، أي ضعف
وزن الرأس المتفجر في صواريخ سكود التي أطلقت من العراق نحو تل أبيب عام 1991،
وكل المؤشرات تدل على التعزيز الكبير لقوة الصواريخ قصيرة وبعيدة المدى لدى
السوريين، ((فهم يخلقون لأنفسهم قوة صاروخية كبيرة سيستخدمونها إذا قرروا
الشروع في معركة عسكرية ضد (إسرائيل) ليستعيدوا السيطرة في الجولان))، كما يقول
رؤوبين.
2- التحذير الصادر عن يفتاح شابير الباحث العسكري في مركز أبحاث الأمن القومي
بجامعة تل أبيب، حول التوجه السوري لامتلاك صواريخ لديها قدرة ذاتية على
إنتاجها، حيث دخلت في عملية إنتاج سريعة لها في العام الأخير، والحديث يدور عن
صواريخ مختلفة الأشكال والأنواع: سكود، فروغ، إس.إس.
3- الرصد الدقيق لنشر السوريين لمنظوماتهم الصاروخية، المتمركزة في منطقة
صحراوية شمال شرقي دمشق، المسماة ((المثلث الحديدي))، ومن هناك يستطيعون ضرب كل
نقطة في (إسرائيل) تقريباً، وسيضطرون لتقريب هذه المنظومة الصاروخية إلى نقطة
أقرب لجبهة الجولان ليصيبوا التجمعات السكانية بنجاعة أكبر.
5- الامتلاك المتزايد مؤخراً للمنظومة الدفاعية السورية المكلفة بالتصدي لسلاح
الجو الإسرائيلي، وتحولها لإحدى الشبكات الأكثر اكتظاظاً في العالم، فضلاً عن
200 بطارية مضادة للدبابات من مختلف الأنواع، وشبكة ثقيلة ومكتظة بالأسلحة
المضادة للدبابات، وأسطول الدبابات الضخمة ومنظومة مدفعية مكتظة.
6- التحركات الميدانية التي رصدها الأمن الإسرائيلي، واعتبرها تلقائياً
استعداداً للحرب، ومنها:
أ- إزالة الحواجز في القنيطرة وفي الطريق إلى هضبة الجولان، مما ((فُهم))
إسرائيلياً بأن هذه الخطوة تهدف للسماح لمئات مقاتلي العصابات بالتحرك بحرية
تجاه الجولان لتنفيذ عمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي.
ب- أهلية عملياتية، حيث يعمل الجيش السوري على رفع أهلية وحداته وينظف
استحكامات قديمة، فضلاً عن تحريكه لمنظومة صواريخ تجاه الحدود.
ج- تواتر المناورات، فقد نفذ الجيش السوري مناورات عسكرية بوتيرة متعاظمة،
وبأحجام أوسع، وحسب التقديرات الإسرائيلية، فهي المناورات والاستعدادات الأكبر
منذ 1973.
أما عن الشواهد السياسية، فتكفي الإشارة إلى أن سوريا التي تواجه حرباً
دبلوماسية نتيجة سياسة العزل التي تمارسها واشنطن عليها، وفي ظل مواجهتها
لاستحقاقات دولية عديدة رسختها حزمة القرارات الصادرة ضد سوريا بالتواتر منذ
العام 2005، والتأييد العربي ((الواضح)) سواء للقرارات الدولية أو لسياسة
واشنطن تجاه دمشق.
هذه الأمور كلها دفعت سوريا –حسب التحليل الإسرائيلي- في ظل حالة الانسداد التي
يواجهها المسار السياسي في المنطقة إلى تصعيد خطابها السياسي وإجراءاتها
العسكرية على الأرض، ولم يكن كلام عدد من الوزراء والمسؤولين عن احتمال اللجوء
للخيار العسكري لاسترجاع الجولان مقطوع الصلة عن السياقات التي تعيشها سوريا.
وهكذا، اضطرت سوريا إلى رفع سقف خطابها، لدرجة بات الحديث عن الحرب أمراً
طبيعياً. أكثر من ذلك، فإنه نتيجة للظروف الأمنية المرتبكة في المنطقة عموماً،
وبين الطرفين على وجه الخصوص، ورفع مستوى التجهيزات اللوجستية، وعمليات التخطيط
العسكري في الجانبين، إلى علو الشأن العسكري، وزحفه على الحقول السياسية، لدرجة
بات يحدد شكل السياسات والتوجهات السياسية وطبيعتها، وحتى آفاقها المستقبلية.
نوايا العدو العدوانية
على الصعيد الموازي، فقد شهدت الأسابيع والأشهر الأخيرة تحركات عسكرية وسياسية
إسرائيلية، منحت احتمالية أن تشن تل أبيب الضربة الأولى تجاه دمشق أفضلية كبرى
من الاحتمالية المعاكسة، المتمثلة بهجوم سوري مباغت على (إسرائيل)، ولهذه
الأفضلية ما يبررها، أهمها:
1- التفوق الجوي الإسرائيلي الساحق، فالجيش الإسرائيلي يمتلك سلاحاً متطوراً
جداً، وقدرات تكنولوجية متفوقة، ورغم القناعة الإسرائيلية بالتفوق الأساسي
للسوريين المتمثل في قدرتهم على أن يضربوا بشدة الجبهة الداخلية، بفضل منظومة
الصواريخ الناجعة في حوزتهم، لكن هذه الميزة تختزل مع قدرة الرد الشديدة لدى
سلاح الجو الإسرائيلي.
2- سلسلة المناورات العسكرية الميدانية الأخيرة التي أجريت في ميدان الجانب
الإسرائيلي من جبهة الجولان المحتلة، والأهم من ذلك، منع الصحفيين الأجانب من
تغطية المناورات كما جرت العادة، والاقتصار في ذلك على الصحفيين الإسرائيليين،
وثيقي الصلة بالمؤسسة العسكرية، وتجدر الإشارة هنا إلى إغلاق الطرق المؤدية إلى
المناطق المطلة على القرى والمدن السورية.
3- ما نشرته بعض الدوريات العسكرية مؤخراً حول أوصاف مفصلة عن المعدات العسكرية
والجرافات التي جيء بها إلى مكان التدريبات، والحديث عن سبعين موقعاً للدبابات
يقوم الجيش الإسرائيلي بإعدادها خلال الفترة الأخيرة، لمواجهة ما لا يتحدث عنه
الإعلام جهراً.
4- في إطار استخلاص عِبر حرب لبنان الثانية، بدأ الجيش الإسرائيلي بعملية
لترميم بنى تحتية لمبانٍ وقواعد مهجورة في هضبة الجولان، شملت إعادة ربط شبكات
المياه والكهرباء بقواعد في أرجاء الهضبة لم تكن مأهولة في السنوات الماضية،
بهدف تحسين جاهزية الجيش وقدرته على المواجهة، كما ستؤوي هذه القواعد والمباني
المزيد من الوحدات التي تصل للتدريب في أراضي الجولان.
5- يدور الحديث بين المسئولين الإسرائيليين حالياً بشأن ضرورة تزويد السكان
بأقنعة واقية من الغازات، على خلفية ما يثار من تكهنات باحتمالات نشوب حرب مع
سوريا، وأشار مسؤولو وزارة الحرب إلى أن قيادة الجبهة الأمامية في الجيش تدرس
في الوقت الراهن اقتراحات بشراء هذه الأقنعة بشكل عاجل من شركات إسرائيلية
وأمريكية إذا ما اقتضت الحاجة لذلك، موضحين أنه في حال اندلاع حرب خلال الأشهر
القادمة ستوفر قيادة الجبهة الأمامية أقنعة واقية من الغاز تكفي مليوناً من
البالغين ونصف مليون طفل.
6- فضلاً عن الشواهد الميدانية السابقة الخاصة باستعدادات الجيش الإسرائيلي
لحرب محتملة مع سوريا، فإن الشاهد السياسي هو الأكثر بروزاً، وإن شئت القول،
الأكثر ترجيحاً. ففي ظل الضعف الكبير للزعامة السياسية في تل أبيب في الوقت
الراهن، تجعلها غير مؤهلة وغير قادرة على الوفاء بالاستحقاقات التي تتطلبها
عملية التسوية، خاصة ما تعلق منها بالتنازل عن أراض جديدة، ليس بالنظر لأهمية
الأرض في الاستراتيجية الإسرائيلية فقط، وإنما انطلاقاً من واقع إدراك القيادة
والمجتمع الإسرائيلي، بأن التنازل عن أراض في ظل حالة الضعف التي يعيشها الكيان
هو بحد ذاته هزيمة الهزائم. وبالتالي فإن الاحتفاظ بالأرض هو تكريس لحالة
الانتصار التاريخية على العرب، فالقضية رمزية إلى درجة بعيدة، في ظل تآكل
القدرات على أرض الواقع، أو على الأقل، في مرحلة تعيد فيها (إسرائيل) تعريف
القوة، بعد فشل القوة التقليدية في تحقيق الأهداف الإسرائيلية، سواء في فلسطين
أمام حماس، أو في لبنان أمام حزب الله.
7- ثمة عامل آخر على الجانب الإسرائيلي لا يقل أهمية، وهو الصراع الداخلي الذي
تعيشه النخبة السياسية بين مختلف مكوناتها. هذا الصراع لا يخص حزباً أو فئة
معينة، بقدر ما هو صراع جيل سياسي وعسكري بكامله بأدواته وأيديولوجياته وقيمه،
في مواجهة متغيرات ووقائع داخلية وخارجية، باتت تفرض نفسها على (إسرائيل) بقوة،
وهذا الجيل من المتوقع ألا يسلم ببساطة، كما أنه لن يخلي الساحة قبل أن يحاول
إثبات قدراته ورؤاه.
8- الرفض الإسرائيلي الواضح لدعوات السلام التي صدرت عن دمشق، وعلى أعلى
المستويات السياسية، ومحاولة العودة بعجلة المفاوضات إلى حيث نقطة الصفر، مما
يعتبر نسفاً لكل ما تم التوصل إليه سابقاً بين الطرفين خلال مفاوضات مضى عليها
سنوات طويلة.
لذا يأتي السؤال مشروعاً بعد هذا الاستطراد في التفاصيل العسكرية الميدانية: هل
يمكن لحكومة أولمرت الضعيفة، والتي يتوقع لها الانهيار بعد صدور التقرير
النهائي للجنة ((فينوغراد))، أن تقدم على خيارات استراتيجية كبرى مثل
((التسوية)) مع سوريا؟ وهل ثمة إمكانية فعلية لتقديم استحقاقات التسوية في ظل
الانزياح الإسرائيلي الواسع نحو اليمين بعد الهزيمة المرة التي تعرض لها الجيش
الذي كان ((لا يقهر))، على يد المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين؟
أخيراً.. لا بد من الإقرار بأن أولمرت لا يستطيع أن يبدأ حرباً مع سوريا ولا أن
يقيم سلاماً معها، فمن لا يملك سوى 3% من تأييد الجمهور الإسرائيلي، ومن حشرته
لجنة فينوغراد التي كلفت بالتحقيق في إخفاقات العدوان على لبنان في الزاوية،
وسلطت سيفاً سينهال على رأسه في تقريرها النهائي الذي سيصدر قريباً، لا يستطيع
اتخاذ قرارات ذات طابع استراتيجي تتعلق بالحرب والسلم، إلا إذا كانت الإرادة
بشن حرب ضد سوريا قراراً أمريكياً صرفاً بأدوات إسرائيلية كما حصل الصيف
الماضي.. فهل يحدث ذلك؟