فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Aug2007
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
وجه وحدث
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
قضايــا
تحليــل
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون فلسطينية4
مقابلة
تقريــر1
تقريــر2
الغلاف1
الغلاف2
الغلاف3
الغلاف4
شؤون دولية
شؤون إقليمية
شؤون عربية
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
صورة معبّرة
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
رسائل من الوطن
لوحات فنية
لحظة

 

شؤون دولية

 

سياسة أوروبية زئبقية تجاه قضية فلسطين
العجلة الأوروبية في متاهة المتغيّرات الجديدة حتى إشعار آخر

بون/نبيل شبيب
ليس الوضع الجديد في قطاع غزة والضفة الغربية وحده ما يمثل تبدّلاً في المنطلقات المؤثرة على التعامل الأوروبي مع قضية فلسطين، فالمنطلقات الدولية في تبدّل ملحوظ أيضاً، كما أن الساحة الأوروبية نفسها حافلة بالمتغيرات. ولأن هذه المتغيرات جميعاً جارية بسرعة كبيرة، مع ما لها من تأثير متبادل على بعضها بعضاً، لا يمكن الجزم بما ستكون عليه معالم السياسة الأوروبية تجاه القضية خلال بضعة شهور، فالاحتمالات مفتوحة في أكثر من اتجاه، ويبقى استقراؤها مبدئياً، يعتمد على محاولة رؤية ما يمكن أن يثبت من هذه المنطلقات الجديدة في المستقبل المنظور.

واقع فلسطيني جديد

رغم الإنكار الرسمي المستمرّ لموقع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من ناحية مشروعية تمثيلها للناخب الفلسطيني، ومن ناحية حجم وجودها وتأثيرها في صناعة الواقع الفلسطيني نفسه، يبقى أنّ استشعار ذلك أوروبياً واضح للعيان، وإذا كانت غالبية وسائل الإعلام تتحدّث عن مشاركة الأوروبيين في المسؤولية عن اتّباع طريق الحصار والضغوط بعد الانتخابات الفلسطينية، وبالتالي عن وصول ((المنظمة المتطرّفة)) -وفق القاموس السياسي الأوروبي الرسمي- إلى مركز أقوى مما كانت عليه داخلياً، فإن إدراك ذلك على المستوى السياسي لم يعد مستبعداً. ويشهد على ذلك الاضطراب الواضح في تقلّب المواقف الأوروبية بين أقصى درجات التشدّد فور تغير أوضاع غزة، وبين التصريحات الصادرة بشأن ضرورة الاتصال المباشر مع الحكومة ((المنتخبة المقالة)). كما انعكس هذا الاضطراب أيضاً في سرعة تأكيد استمرار الحصار وتشديده على قطاع غزة وإنهائه تجاه الضفة الغربية للتعامل مع حكومة سلام فياض، ثم ما صدر من تصريحات ومواقف بشأن التحرّك تحت عنوان مساعدات إنسانية للتعامل مع الوضع الجديد. ورغم انعقاد أكثر من لقاء أوروبي في هذه الأثناء، على المستوى الوزاري ومستوى القمة، فإنّ ما صدر من مواقف بقي هيولياً زئبقياً في مجمله، لا يمكن اعتباره استمراراً لما مضى، ولا تثبيتاً لمعالم مستقبلية جديدة.

مفاجأة سياسية

من أبرز ما شهده الموقف الأوروبي، أو جملة المواقف الأوروبية، على المستوى السياسي، هو مفاجأة الرئيس الفرنسي الجديد ساركوزي للساحة السياسية الأوروبية التي أمسكت ألمانيا بزمامها لمدة ستة شهور سبقت، وذلك عبر ما عرف بالرسالة التي وجهها عشرة وزراء خارجية أوروبيين إلى طوني بلير بوصفه مفوّضاً جديداً لما يسمّى اللجنة الرباعية. فبغض النظر عن انطلاقها من المطالبة ((الشكلية)) بقوات دولية، تكمن أهميتها في تأكيد استحالة تحقيق ذلك دون تجديد التواصل مع حماس مباشرة، ودون دفع الحكومة الإسرائيلية إلى تعديل سياساتها لا سيما في ميدان الاستيطان والاعتقال والتوغلات العسكرية.
وللرسالة غرض أبعد مدى من مضمونها، ويكشف عن ذلك توجيهها إلى بلير تخصيصاً، وبالتالي بقاؤها غير رسمية، باعتبار قناة التعامل الرسمي معه هي الاتحاد الأوروبي في نطاق ما يسمّى ((اللجنة الرباعية))، علاوة على أن الوزراء العشرة الموقّعين على الرسالة يدركون أن تفويض بلير لا ينطوي على ((مهمة سياسية)) أصلاً، فهو مشروط بالتحرّك فيما وصف بدعم الفلسطينيين، خارج نطاق تقديم مبادرات تحرك سياسي، والمقصود بالدعم هو الجانب المالي والهيكلي الداخلي، وأن يكون ذلك عبر الرئيس الفلسطيني محمود عباس وما يصنعه من هياكل حكومية تحت مسميات الطوارئ وغيرها، دون التواصل مع حكومة إسماعيل هنية.

تحرك فرنسي

الرسالة الوزارية الأوروبية تنطوي على عامل أهمّ في استقراء مفعولها مستقبلاً، وهو أنها تتخذ موقعها في نطاق سعي فرنسا مع مطلع عهد ساركوزي إلى انتزاع زمام المبادرة أوروبياً، مع الاستعداد لخوض ((مواجهات مباشرة وعلنية)) كالتي عرفت عن ساركوزي في سلّم حياته السياسية. وقد بدأ فور نجاحه في ((معركة)) الزعامة الفرنسية، لخوض معركته الجديدة على الزعامة الأوروبية، على أكثر من صعيد، من بينها التعامل مع قضايا المنطقة المجاورة، كما ظهر مع لبنان، وبدأ مع قضية فلسطين.
ويمكن القول أيضاً بتأثير هذه الرسالة على استعجال موعد إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش عن دعوة قريبة إلى مؤتمر جديد، فهذا ما يمثل السعي الأمريكي للحفاظ على زمام المبادرة بتحديد شكل التعامل مع قضية فلسطين عبر القناة الأمريكية، وبالتالي اختيار من يمكن أن يشارك في المؤتمر ومن لا يشارك تبعاً لما يتوافق أو لا يتوافق مع المنظور الأمريكي والإسرائيلي فحسب.

انقسامات أوروبية

على أن التنبّؤ بما سيسفر عنه التحرّك الفرنسي عسير عند وضع ما تعنيه الرسالة من موقف مخالف للسياسة الأوروبية حتى الآن وليس للسياسة الأمريكية فقط، مقابل ما عُرف عن ساركوزي من نهج سياسي أقرب إلى التفاهم والتعاون مع الأمريكيين في عهد شيراك. والسؤال المفتوح هنا هو احتمال أن يكون ذلك جزءاً من سلوكه السياسي المعروف في خوض المواجهات السياسية مع منافسيه، إذ لا يستبعد أن يتحوّل تقاربه مع الأمريكيين بعد وصوله إلى منصب الرئاسة، إلى سياسة فرنسية متميزة عن منافسيه ((الأمريكيين)) في الساحة الدولية.
وسيبقى مستقبل الموقف الأوروبي بذلك رهن ما يصل إليه الانقسام في السياسات الخارجية الأوروبية الذي يمكن أن يصل إلى درجة صراع علني على مواقع التأثير على الاتحاد الأوروبي وسياسته، لا سيما على ضوء سعي الرئيس الفرنسي الجديد لانتزاع موقع الزعامة الأوروبية جزئياً أو كلياً من ألمانيا التي استطاعت مستشارتها ميركل خلال الشهور الستة للرئاسة الدورية الألمانية للاتحاد أن تدعم الموقع الألماني أوروبياً بقوة، لا سيما في فترة الانتخابات الفرنسية وتبدّل الوضع السياسي الداخلي البريطاني. على أن الوضع في البلدين تبدّل بما لا يتفق مع السياسة الألمانية تجاه قضية فلسطين في عهد ميركل، ولا يتفق أيضاً مع السياسة الأمريكية تجاه القضية والمنطقة بمجموعها مع دنوّ نهاية عهد بوش.
كما يؤخذ من المواقف والسياسات الفورية لرئيس الوزراء البريطاني الجديد براون أنه يريد تغيير الوجه البريطاني التابع لواشنطن في عهد بلير، كذلك يؤخذ من مواقف أخرى للرئيس الفرنسي الجديد ساركوزي أنه على استعداد لتقارب جديد في بعض القضايا المختلف عليها مع روسيا، مثل قضية كوسوفا، في اتجاه يمكن أن يؤثر على خارطة العلاقات الدولية، وبالتالي على سعي بوش في نهاية عهده للإبقاء بصددها على ما صنعه بالنسبة إلى قضية فلسطين عبر ما يسمّى اللجنة الرباعية، وهو ما انعكس في الجهد الذي بذله من أجل تثبيت بلير في دور جديد باسم اللجنة، كما انعكس في تنشيط لقاءات اللجنة بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.
وواضح ممّا سبق، أن العديد من العوامل المؤثّرة في السياسة الأوروبية تجاه قضية فلسطين، يصدر عن الأوضاع الأوروبية نفسها، وليس عن منظور القضية نفسها وأصحابها، ناهيك عن منظور الدول العربية المعنية مباشرة بمستقبل القضية.

قوات دولية

وكان مما شغل الساحة الأوروبية في الأسابيع الماضية أيضاً المطالبة المتسرّعة من جانب الرئيس الفلسطيني عباس بجلب قوات دولية إلى قطاع غزة، وهو ما تبعته سلسلة من التصريحات والمواقف الإسرائيلية والأمريكية في اتجاه مماثل، بينما أدرك الأوروبيون، بمن فيهم الأقرب إلى السياسة الأمريكية كوزير الدفاع الألماني يونج، أن مثل هذه الخطوة غير قابلة للتنفيذ أصلاً في ظل الأوضاع الجديدة التي فرضها تحرّك حماس في قطاع غزة. ولا يغير من ذلك كثيراً تبنّي الطلب من جانب الوزراء الأوروبيين العشرة، الذين خرجوا برسالتهم المشار إليها عن الخط الأوروبي الرسمي في الشهور الماضية، إذ لا يُستبعد أن يكون طرح الفكرة من حيث الأساس والتركيز عليها سياسياً وإعلامياً بقوة، مع إدراك استحالة تطبيقها حسب المعطيات الآنية، إنّما يستهدف استخدامها كورقة ضغط وتهديد إلى جانب سياسة الحصار والمقاطعة، على أمل انتزاع تنازلات سياسية ما. في هذا الإطار يأتي الرفض الرسمي من جانب مصر، مع فتح قنوات الاتصالات مجدداً مع حماس في غزة، كمدخل للعودة إلى الحوار دون وقف مسلسل الضغوط الدولية والإقليمية.

بلير بمهمة

ولا يمكن في ظل هذه المعطيات انتظار أي حصيلة إيجابية من دور بلير المنتظر، كرئيس وزراء بريطاني سابق، ومفوض دولي تحت عنوان ((مساعدة الفلسطينيين))، وهو في واقع الأمر ((مفوض السياسة الأمركية)) وفق تعبير رئيس الوزراء الروسي السابق يفغيني بريماكوف. فحتى على افتراض قابلية الإغفال عن الرفض الشعبي الشامل له بسبب سياساته وممارساته في العراق وأفغانستان، وعلى افتراض تبدّل نواياه تجاه الفلسطينيين، يبقى أن عمله مقيّد بسياسات من يعمل باسمهم، كما كان الحال مع سلفه ولفنسون، الذي بذل جهده من أجل المساعدات المالية على الأقل دون جدوى، حتى استقال من منصبه مع إظهار شعوره بالمرارة.
ويدرك بلير حدود مهمته، وهو ما يؤخذ من تصريحاته الصحفية الأولى، إذ استبعد الجانب السياسي قائلاً إنه سيعمل على إعداد الأرضية المناسبة من أجل مفاوضات على أساس حل الدولتين، مضيفاً أن الشروط المطلوبة لتكون الدولة الفلسطينية قادرة على البقاء ليست شروطاً متعلقة بالأرض فقط، وهو ما يشير إلى واقع تمزيق أرض الضفة الغربية وقطع الاتصالات المباشرة بينها وبين قطاع غزة، إنما هي -وفق قوله- شروط تتعلّق بالبنية الهيكلية لمؤسسات الدولة، وهو تعبير قابل للتأويل على أكثر من وجه، بما في ذلك التأكيد على ((مشروعية)) تلك المؤسسات وفق المنظور الأوروبي والأمريكي لها، ولا يبدو أنّه سيتحرّك خارج هذا الإطار، ولا يتوقع أن يحصل على ((الضوء الأخضر)) ممّن يملك أمر تفويضه ومهمته، ليتجاوز هذا الإطار أصلاً.
وعجز بلير لأسباب ذاتية أو خارجية عن إمكانية تقديم جديد للفلسطينيين، يبدّل من سمعته السياسية التي انهارت داخل بلده أيضاً، سيجعل حصيلة دوره لا تتجاوز حدود 300 ألف يورو، هي قيمة راتبه السنوي في مهمته الجديدة، مقابل ما يعادل (22) يورو موعودة للفرد الفلسطيني الواحد في غزة، هي أقصى ما يراد تقديمه من ((دعم إنساني)) أمريكي بقيمة 32 مليوناً مقابل أكثر من ضعف المبلغ لدعم تطوير القوى الأمنية التابعة للرئيس الفلسطيني عباس وحكومته في الضفة الغربية. وحتى الآن لم تجد التصريحات الأوروبية صياغة جديدة مناسبة للتعامل مع مستقبل الدعم المالي الأوروبي. ولكن دون تحقيق ذلك من جهة، ونجاح بلير غير المنتظر من جهة أخرى، بما في ذلك ما يرتبط بوقف عجلة الاستيطان واستخدام العنف وإلغاء أشكال الحصار الداخلي لا الخارجي فقط على الفلسطينيين، لا توجد فرصة لنجاح أي تحرك سياسي أمريكي، على حد تعبير روبرت هنتر، السفير الأمريكي السابق لدى حلف شمال الأطلسي، والمستشار الحالي لمعهد راند الأمريكي للبحوث. هنا تفقد مبادرة الدعوة إلى مؤتمر دولي جديد قيمتها من قبل طرحها، ويبقى السؤال، ما إذا كان الإخفاق موضوعاً من الأصل في الحسابات الأمريكية، لتكون الدعوة إلى المؤتمر مجرد خطوة أخرى بعد كلّ ما سبقها لشغل المنطقة وشغل الأوروبيين أيضاً فترة زمنية تالية، بعيداً عن متطلبات الواقع الجديد الذي فرضته حماس، واستغلال تلك الفترة ليكون استمرار الحصار والضغوط مدخلاً إلى محاولة تغييره وإعادة عجلة الأحداث إلى الوراء.

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003