د. غازي حمد يروي لـ((فلسطين
المسلمة)) قصة الحوارت والمفاوضات لإطلاق سراح الصحفي جونستون:
لماذا خُطف وماذا طلب دغمش وكيف تصرّفت حماس؟
غزة/إبراهيم عوني
بعد أن حسمت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أمر قطاع غزة، كان أمامها الكثير
من القضايا العالقة، لتثبت أنها الأقدر على توفير الأمن والأمان، ليس لأبنائها
فحسب ولا لأبناء شعبها أيضاً بل لكل زائر أو صحفي أجنبي يزور القطاع.
فكانت قضية الصحفي البريطاني المختطف ألن جونستون هي القضية الأهم، حيث أن
الصحفي كانت تختطفه جماعة تطلق على نفسها ((جيش الإسلام)) والتي يتزعمها ممتاز
دغمش؛ أحد المقربين من تيار محمد دحلان، حيث كان الأخير يمدّ دغمش بالمال
والسلاح بهدف ضرب حركة حماس وأبنائها، والقيام ببعض عمليات الخطف للأجانب،
والقتل للمواطنين، والتفجير لبعض المقاهي والفنادق، تحت مسميات إسلامية، بهدف
زج حركة حماس فيها وتشويه صورتها، واستمرار الحصار عليها وعزلها.
عن قصة الاختطاف وتفاصيلها من بدايتها وحتى نهايتها، كان لـ((فلسطين المسلمة))
هذا اللقاء مع الدكتور غازي حمد؛ الناطق باسم الحكومة الفلسطينية، والذي كان
مشرفاً بشكل مباشر على قضية ((جونستون)).
بداية الاختطاف
في الثالث عشر من آذار/مارس 2007، قامت مجموعة مسلحة بالاعتداء على الصحفي ألن
جونستون أثناء توجهه بسيارته الخاصة إلى مكان عمله في مقر إذاعة
الـ((بي.بي.سي)) البريطانية في غزة، وقاموا باختطافه إلى جهة مجهولة.
في حينها كانت حكومة الوحدة الوطنية في بداية عملها، حيث بدأت بالتحرك على كافة
المستويات من أجل إطلاق سراحه.
وأكد غازي حمد الناطق باسم الحكومة الفلسطينية، أن الحكومة عقدت اجتماعاً مع
رشيد أبو شباك قائد جهاز الأمن الداخلي سابقاً، ويوسف عيسى قائد جهاز الأمن
الوقائي سابقاً.
وأضاف: ((في البداية واجهنا صعوبة كبيرة في معرفة الجهة التي اختطفت جونستون،
وتوجهنا إلى كثير من الجهات إلاّ أن الجميع أنكر صلته بالأمر، ومن ضمنهم ممتاز
دغمش قائد جيش الإسلام)).
وتابع: ((مرت ثلاثة أسابيع دون أن تتضح أية معلومات عن الجهة الخاطفة، وتم
الاتصال مرات عديدة بجيش الإسلام، إلاّ أنه كان يعطي تأكيدات بعدم مسؤوليته،
إلاّ أن عمليات البحث استمرت في كل الاتجاهات)).
رأس الخيط
وأضاف حمد في سرد لتفاصيل الأحداث في بداية الاختطاف: ((ثلاثون
يوماًوبمروروألثلبقضقيبثقصبشقثب مرت على عملية الاختطاف، وصلتنا معلومات عن
الجهة الخاطفة ((جيش الإسلام))، فاتصلنا بهم من خلال أشخاص على علاقة جيدة
معهم، ولجان المقاومة الشعبية التي بذلت جهوداً مشكورة في ترتيب لقاء مع
دغمش)).
ومضى يقول: ((اللقاء الأول تم بعد شهر، وذهبت إليه وحدي، وجلست مع ممتاز
ومجموعة من أنصاره في منطقة بها أشجار كثيرة وكثيفة، وهناك دار بيننا نقاش طويل
كان خلاله ممتاز يتذرع بأسباب دينية وأيديولوجية لعملية الاختطاف، وأكد بشكل
واضح أن اختطاف جونستون جاء لإطلاق سراح أبو قتادة الأنصاري وساجدة الريشاوي
وأبو محمد المقدسي، من السجون البريطانية والأردنية)).
وأضاف: ((اعتقد ممتاز وأنصاره أن إطلاق سراح هؤلاء من مهمة جيش الإسلام. وفي
اللقاء دار نقاش طويل، قلت له خلاله إن هذا مخالف للإسلام وتعاليمه. وبدأنا
نناقش الفقه الإسلامي الذي يدور حول معاملة غير المسلم في بلاد المسلمين،
ومشروعية أعمال اختطاف الأجانب)).
وتابع غازي حمد موضحاً: ((انتهى اللقاء الأول مع جيش الإسلام دون نتيجة،
واستمرت أزمة جونستون في التعقد أكثر وأكثر، إلا أن محاولات التواصل مع
الخاطفين استمرت من خلال طرق مختلفة، كان يتم خلالها الاطمئنان على وضع جونستون
الصحي)).
وأضاف: ((في تلك الأثناء، جرت محاولات إخراج رسالة منه لأهله وإيصال نظارة طبية
له، إلاّ أنه ورغم الوعود بتحقيق ذلك لم ترسل الرسالة ولم يتلق جونستون
النظارة)).
ويقول الدكتور غازي حمد: ((في تلك الفترة، ورغم رفضهم أن يخرج جونستون رسالة
إلى أهله أو يتلقى نظارة طبية، إلا أننا نعرف أن جيش الإسلام حريص عليه وعلى
عدم قتله، لأنهم كانوا معنيين بإطلاق سراح المعتقلين في السجون البريطانية
والأردنية)).
ويعتقد حمد أن جيش الإسلام كان يتلقى اتصالات من الخارج لتعزيز موقفه، الأمر
الذي دفعه إلى التمسك بجونستون في محاولة لاستبداله بالمعتقلين.
وأضاف حمد: ((تحتفظ لجان المقاومة الشعبية وذراعها العسكرية ألوية الناصر صلاح
الدين، بعلاقات جيدة مع دغمش الذي كان أحد قادتها في السابق، الأمر الذي دفعنا
إلى الاستعانة بهم من أجل دفع دغمش وتشجيعه على إطلاق سراح جونستون)).
السفر إلى بريطانيا
تلقى حمد دعوة لزيارة بريطانيا ومناقشة قضية جونستون مع مسئولين وقادة
بريطانيين، وبالفعل ولدى وصوله إلى هناك، التقى بقادة سياسيين ومسؤولين من
الـ(BBC)، خرج بعدها بانطباع أن بريطانيا لن تتنازل عن موقفها، ولن تقدم أية
تنازلات في هذا الموضوع.
ويضيف: ((اللقاءات والاتصالات مع بريطانيا لم تتوقف واستمرت مع القنصل
البريطاني العام في القدس ريتشارد ميكبيس، الذي يتابع تطورات قضية جونستون
أولاً بأول، وفي إحدى الأيام زار غزة والتقى هنية، وطلب منه عدم استخدام القوة
لتحرير جونستون)).
ومضى يقول: ((إن القنصل البريطاني طلب أكثر من مرة عدم استخدام العنف لتحرير
جونستون، خوفاً على حياته، وأبلغناه أننا سنعمل على تحريره بشكل سلمي)).
وأوضح قائلاً: ((أأوضأثناء وجودي في بريطانيا تحدثت عبر الهاتف مع والدة ووالد
جونستون، اللذين تمنيا علينا العمل على إطلاق سراحه ليعود إليهما، وقد تأثرت
كثيراً من هذه المكالمة)).
ويقول حمد: بعد أحداث غزة، ذهبت مع أيمن طه أحد المتحدثين باسم حركة حماس وقادة
آخرين من لجان الـمقاومة الشعبية، وجلسنا جلسة مطوّلة مع دغمش وقادة جيش
الإسلام.
وأضاف: ((دار حديث طويل، إلا أن النقاش انصب على نفس الشروط، وأعطينا جيش
الإسلام انطباعاً بأن حماس معنية بحل هذا الموضوع بشكل جذري، وأنها لن تتنازل
إطلاقاً)).
ويؤكد حمد أن ((دغمش أعطاهم في نهاية الجلسة موقفاً جدياً بحل القضية، وطلب
عشرة أيام لذلك، حتى أنه كان يشكو خلال الاجتماع من أن حماس اتخذت منه موقفاً
عدائياً بعد أن قتلت اثنين من أبناء عائلته خلال الاشتباكات)). وبعد فشل اللقاء
الثاني ورغم التطمينات والوعود، فتح حمد مع قادة آخرين من حماس من بينهم حسن
الصيفي، حوارات جادة مع عائلة دغمش.
وقال حمد: ((جلسنا مع مخاتير العائلة، وتحدثنا معهم، وبدا لنا أنهم كانوا
متفاهمين، وقالوا إنهم ضد اختطاف جونستون، ويرفضون ما قام به ممتاز، وعرضوا
كذلك الضغط عليه لإطلاق سراح جونستون)).
وأضاف: ((من جهتنا عرضنا عليهم حل مشكلة عائلة دغمش مع عائلة الديري –التي يوجد
بينها وبين عائلة دغمش ثارات عائلية- وحركة حماس، وتوصلنا إلى شبه اتفاق من
ثلاث نقاط هي: حل مشكلة عائلتي دغمش والديري، وحل مشكلة عائلة دغمش مع حركة
حماس، وإطلاق سراح جونستون فور التوقيع على الاتفاق)).
ويؤكد حمد أن الاتفاق كان جاهزاً من أجل التوقيع عليه، وكان يفترض أن يحضر
ممتاز مع العائلة ويتم إنهاء القضية، إلا أنه لم يستمع لعائلته. وأصدر بياناً
قال فيه ((إن العائلة شيء وجيش الإسلام شيء آخر)). وقال حمد: بدا لنا بشكل واضح
أن العائلة لم تنجح في الضغط عليه لتسليم جونستون. والحديث مع العائلة لم يقتصر
على هذه القناة، وحاولت بعض الأطراف في حركة حماس أن تتواصل معها لإقناعها
بإنهاء القضية، إلا أنهم أيضاً فشلوا في ذلك.
القضية تتعقد مرة أخرى
يقول حمد: إن فشل التوصل إلى اتفاق مع العائلة لإنهاء قضية جونستون، جعلنا نفقد
الأمل في ذلك الوقت بالخروج بحل من خلال الحوار، وبدأ هناك تفكير بإحداث ضغوط
على ممتاز، خاصة بعد أن تم الإفراج عن المهندس من عائلة صبرة المختطف منذ 16
شهراً.
وأضاف: شعر ممتاز بالتهديد والضغط وبدأ في إخراج أشرطة مصورة لجونستون، إلاّ أن
قنوات الاتصال لم تنقطع، وتدخلت كتائب القسام وتحاورت معه، إلا أنها كانت تخرج
بانطباع سيئ، لأنه كان يرفض الإفراج عن جونستون.
ويقول حمد: عندما لمس الجميع عدم وجود إشارات جدية لإطلاق سراح جونستون، بدأت
إجراءات على الأرض شملت نشر قوات مكثفة وخطف عناصر مقربة منه والتحقيق معها،
فبدأت العائلة تتحرك مرة أخرى في محاولة لإيجاد مخرج.
وأضاف: قلنا لهم إننا نريد الحل شريطة أن يتم إطلاق سراح جونستون. وسمعنا أيضاً
أن ممتاز بدأ يتحدث عن رغبته في الحل، وطلب مقابلة أحمد الجعبري قائد كتائب
القسام في غزة، فرفضنا أن تتم المقابلة إلا بعد إطلاق سراح الصحافي.
ويؤكد حمد أن الخوف من إقدام جيش الإسلام على قتل جونستون كان وارداً، بسبب
طبيعة التفكير لديهم، خاصة وأنهم في أحد البيانات بدؤوا يتحدثون عن ذبح جونستون
ذبح النعاج.
وقال: بدأت الأمور تتدهور مع اعتقال خطاب وأبو عبيدة من جيش الإسلام، الذي سارع
إلى اختطاف مجموعة من أنصار حماس، التي ردت بنشر قوات كبيرة في المنطقة التي
سادها توتر شديد.
وتابع: في ساعات عصر يوم الثلاثاء قبيل الإفراج عن جونستون، جرت اتصالات بين
دغمش وكتائب القسام، وبالفعل جرى عقد جلسة مطولة شارك فيها الجعبري، وتم التوصل
إلى اتفاق على حل الموضوع وتسليم جونستون.
الفتوى
يقول حمد: إن الإفراج عن جونستون سبقته فتوى شرعية بعدم جواز احتجاز جونستون.
ويؤكد أن قضية الفتوى لم تكن وليدة اليوم الأخير، حيث برز الخلاف حول هذه
القضية من ناحية شرعية خلال اللقاءات، وجرت الاستعانة بعدد من المشايخ الذين
أجمعوا على أن الاختطاف مخالف لتعاليم الإسلام، إلا أن ممتاز اعتمد على موقف من
بعض الشيوخ المقربين منه، الذين أفتوا بجواز الاختطاف.
وقال: قبل الإفراج عن جونستون، وأثناء النقاشات مع ممتاز، طلب أن يتم إحضار
الشيخ الدكتور سليمان الداية، وهو شخص يحظى باحترام من قبل حماس وجيش الإسلام.
وتابع: بالفعل حضر الداية وأفتى بوجود الجعبري، بعدم جواز احتجاز جونستون،
فوافق جيش الإسلام على الإفراج.
ويكشف حمد، النقاب عن وجود وسيط سري من خارج حماس، عمل بشكل دائم ومكثف من أجل
إطلاق سراح جونستون. وقال حمد: كان هذا الوسيط الذي لا أرغب بذكر اسمه يجري
اتصالات شبه يومية بيننا وبين جيش الإسلام، وأحياناً كثيرة كان يقوم بإيصال
رسائل مكتوبة لهم.
ضغوط ووساطات
يقول حمد: إن مسألة الأموال لم تكن ضمن مطالب الخاطفين، ولم تطرح هذه القضية
بأي شكل من الأشكال، وكانت مطالبهم نابعة من معتقد ديني.
وتابع: كانت هناك أطراف تتصل بهم من فرنسا والأردن بالإضافة إلى ضابط سعودي،
إلا أن هذه القنوات تم إغلاقها، وبقيت الوحيد الذي حافظ على قناة معهم، وأكثر
من مرة كانوا يقولون إننا وصلنا إلى طريق مسدودة، إلا أننا كنا نكرر المحاولة.
وبعد الاتفاق على إخراج جونستون، ذهبت قوة مشتركة من كتائب القسام وجيش الإسلام
وأحضرته من مكان احتجازه في مدينة غزة، وجرى تسليمه للجعبري الذي سلمه بدوره
إلى هنية، ليتم بعدها عقد مؤتمر صحافي والإعلان عن انتهاء قضية جونستون.
ويقول حمد: عندما التقيت جونستون وسلمت عليه عانقني بشدة وشكرني على جهودي،
مؤكداً أنه كثيراً ما كان يسمع اسمي، وكيف أحاول إطلاق سراحه.
وتابع: بعد السلام عليه جعلته يتحدث هاتفياً مع القنصل البريطاني العام، ومع
أبيه وأمه ويطمئنهم أنه بخير.
ويقول: أعطت قضية الإفراج عن جونستون إشارة واضحة إلى المجتمع الدولي أن حركة
حماس حركة غير إرهابية، ويفترض بالعالم الغربي أن يفهم هذه الإشارة.