مؤتمر دولي للسلام…
دعم أبو مازن وإفشال الحوار الفلسطيني
لم يفاجئنا الرئيس الأمريكي جورج بوش في 16
تموز/يوليو الماضي، حين أعلن في كلمة ألقاها في البيت الأبيض عن عزمه عقد مؤتمر
دولي للسلام في المنطقة، في الخريف القادم.
وأتحفنا الرئيس بوش وأثلج صدورنا حين زفّ إلينا الخبر المهم، وهو أن وزيرة
الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ستترأس هذا المؤتمر، الذي –حتى كتابة هذه
السطور- لم يحدّد مكانه ولا زمانه ولا الشخصيات –أو بالتحديد- الجهات المدعوة
إليه.
دعوة الرئيس بوش لعقد مؤتمر دولي لها أهداف أمريكية واسعة، فهذا المؤتمر هو
محاولة لتجميل صورة الولايات المتحدة البشعة بعد فشلها وإخفاقها في العراق حيث
ترتكب المجازر بحق المدنيين، وفي أفغانستان وباكستان ولبنان وفلسطين ومع روسيا.
كما يعتبر المؤتمر محاولة أمريكية لتحريك ملف القضية الفلسطينية في فترة سياسية
حادة يُنتظر أن تتخذ فيها الإدارة الأمريكية قرارات هامة ومصيرية تجاه البقاء
أو الانسحاب في العراق، وأيضاً تجاه شنّ عدوان أمريكي على إيران، الذي من
الممكن أن يكون بمشاركة الكيان الصهيوني والذي قد يستهدف في الوقت نفسه سوريا
ولبنان (حزب الله) وفلسطين (حركة حماس).
أما الهدف الأبرز للمؤتمر فهو إظهار الدعم الأمريكي لرئيس السلطة الفلسطينية
محمود عباس بعد الخسارة التي مُني بها إثر سقوط وانهيار الأجهزة الأمنية
التابعة للسلطة، والتي بناها الأمريكيون والصهاينة.
المؤتمر الدولي لـ((السلام)) لن يكون له علاقة بالسلام ولا بالمفاوضات من أجل
الوصول إلى دولة فلسطينية، أو إلى حلّ سياسي، أو إلى اتفاقية سلام.
فباب السلام –بمفهومنا التسوية- أغلق منذ فترة طويلة، وقضى عليه بوش بنفسه في
لاءاته المعروفة في نيسان/أبريل 2004. وبوش قال في خطابه ((إن القضايا الرئيسية
لعملية السلام التي تتضمن قضية اللاجئين ومستقبل القدس والحدود يجب أن يتم
الاتفاق عليها بين الفلسطينيين والإسرائيليين)).
وأكد أكثر من مسؤول إسرائيلي أن هذا المؤتمر لن يناقش قضايا الحدود والأرض
والانسحاب والدولة المستقلة.
نعود للنقطة الأولى إذن.. وهي أن هدف المؤتمر هو تقديم الدعم لرئيس السلطة
الفلسطينية محمود عباس وإظهاره بمظهر الزعيم الذي يتمتع بحضور سياسي دولي بعد
الخسارة السياسية والشعبية التي لحقت به.
وقد صار أبو مازن مستعداً لدعم مثل هذا بعد أن خرج علينا مستشاروه بنظرية جديدة
مفادها أن شرعية الحكومة الفلسطينية مستمدة من الاعتراف الخارجي بها.
اليوم يسعى الأمريكيون والصهاينة إلى تقوية حلفائهم –أو لنقل بوضوح- أزلامهم
وأدواتهم في المنطقة، وأبو مازن واحد منهم.
وقد كانت ميري إيسين المتحدثة باسم رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت واضحة
في تصريح لها بتاريخ 16/7/2007، حين قالت إن هدف المؤتمر أن يشكل ((مظلة ممتازة
لدعم الفلسطينيين المعتدلين)).
الاحتلال الصهيوني والإدارة الأمريكية يعتبران أن المرحلة الراهنة تقتضي تقريب
أبو مازن واستدراجه وإلحاقه بالكامل بالموقف الأمريكي. وأبو مازن نفسه كان
يتبنّى هذا الخيار أصلاً، وانحدر إليه بالكامل لاحقاً.
وصار المؤتمر الدولي للسلام اليوم عنواناً لدعم سياسات ومواقف أبو مازن
المتجددة والتي نلخصها بالتالي:
1- ضرب المقاومة وتسليم سلاح المقاومين، كما فعل مع 180 عنصراً من كتائب
الأقصى.
2- منع حماس من الاستمرار في الحكم، الذي وصلت له بطريقة قانونية ودستورية
وشرعية وديمقراطية.
3- منع أبو مازن من الحوار مع حماس وتهديده بأنه إذا عاد لمحاورة حماس فإنه
سيُمنع من الحضور أو المشاركة في المؤتمر. ودعم أبو مازن أمنياً لمواجهة حماس
في الضفة، بشكل يخالف القرارات والمساعي العربية والفلسطينية لإعادة الحوار بين
الفلسطينيين.
4- دعم خطوات أبو مازن الهادفة لتركيب نظام سياسي فلسطيني جديد، بدأت ملامحه
بالظهور من خلال تعطيل المؤسسات الشرعية القائمة، والدعوة لانتخابات مبكرة
معروف أن إجراءها صعب، وإحياء المجلس المركزي، وتعطيل الاتفاقيات التي توصلت
إليها القوى الفلسطينية في القاهرة 2005 ومكة 2007.
إننا أمام مؤتمر خياني تآمري جديد، ضد المصلحة الفلسطينية وضد الحقوق والثوابت،
وضد المقاومة. وهذا المؤتمر لن يكون أفضل حالاً مما سبقه. وللتذكير لن يكون
أفضل حالاً من أوسلو وكامب ديفيد، وواي ريفر وطابا ووادي عربة وشرم الشيخ
بنسخاتها المكررة.
لكن هناك من لا يفهم ولا يقرأ ولا يسترشد بعبر التاريخ، ويصر على الغرق في بحر
الخيانة والتآمر، وهذا سيكون مصيره معروفاً كمصير كل الخونة.
التحرير