عباس يرفض حوار حماس تنفيذاً
للأجندة الصهيونية - الأمريكية
القدس/مها عبد
الهادي
لم يكن الموقف الأمريكي حيال التطورات الفلسطينية الداخلية وتقرير مستقبل
العلاقات بين هذه القوى، وعلى رأسها حركتا فتح وحماس، مختلفاً البتة عن الموقف
الصهيوني، بل وليس مختلفاً عن موقف رئاسة السلطة الفلسطينية، وهو ما تأكد
فعلياً بعد اجتماع أولمرت-عباس الأخير منتصف شهر تموز/يوليو الماضي.
فالرئيس الأمريكي جورج بوش سارع من جانبه إلى وضع ((فيتو)) مسبق على المصالحة
الفلسطينية من خلال الدعوة التي وجهها لعقد اجتماع دولي في خريف هذا العام
2007، والتي حملت في طياتها العديد من التساؤلات والتخوفات، أولاها تتعلق
بتاريخ عقد هذا ((الاجتماع)). فهذه الدعوة التي قرّر لها أن تتم بعد أربعة أشهر
هدف منظموها إلى إحداث عدة أمور قبل عقدها، خاصة وأن الدعوة رافقها حديث عن
متطلبات مهمة لعقد هذا ((الاجتماع)) من الدعم الاقتصادي لنبذ ((العنف)) ومحاربة
ما يسمونه بـ((الإرهاب)).
وبعبارات أخرى إن الفترة الزمنية التي تسبق عقد هذا ((الاجتماع))، مطلوب فيها
بالأساس إعطاء مجال للسلطة وحكومة ((فياض)) لمحاربة ما يسميه ((بالإرهاب))
وإصلاح الأجهزة الأمنية، وتحسين الوضع الاقتصادي والحياتي اليومي للفلسطينيين
وبالذات في الضفة، بدعوة الكيان الصهيوني لاتخاذ خطوات عملية بهذا الخصوص
ودعوتها للاستمرار في تحويل الأموال المستحقة للسلطة، وهذا ما أوضحه ((سلام
فياض)) في لقائه مع جريدة ((هآرتس)) الصهيونية، والدعوة الأمريكية تندرج ضمن
هذا السياق، ولكن هذه الدعوة لا تترافق مع الخطوات المطلوبة من السلطة الوطنية،
بل تأتي بعد أن تتم هذه الخطوات، ومع ذلك، ستكون جدية الدعوة بمقدار ما سيتحقق
على الأرض من خطوات مطلوبة من حكومة ((فياض)) خاصة المجال الأمني، أيضاً نتائج
هذا ((الاجتماع)) ستكون بمقدار ما سيتحقق أيضاً على الأرض من قبل الحكومة
الفلسطينية.
والنقطة الأخرى التي لا تقل أهمية هي تحديد الدعوة، من هم المدعوون وما
طبيعتهم، فقد حدد الرئيس بوش أن من ستوجه له الدعوة لحضور هذا الاجتماع، هم
الذين ينبذون ((العنف)) و((الإرهاب))، والدول التي تدعم فكرة حلّ الدولتين
وتعترف بالدولة العبرية، وبالتالي وضع ضبابية على من سوف يحضر وتوجّه له
الدعوة، كما أنه وضع شروطاً واضحة على الجانب الفلسطيني بشكل خاص، بتأكيده على
الشروط أعلاه، وبإشارته إلى كلٍ من إيران وسوريا بأنهما تعملان على إفشال قيام
دولة فلسطينية مستقلة بدعمهما حركة ((حماس)) في إشارة واضحة لعدم دعوة هاتين
الدولتين.
إذن، شروط حضور هذا ((الاجتماع))، هي بالأساس موجهة للجانب الفلسطيني، خاصة
للرئيس عباس، وذلك لمنع قيام أي حوار أو مصالحة بين الأطراف المختلفة. فالعودة
للحوار مع ((حماس))، تعني الإخلال بشرط الدعوة والحضور، مما قد يؤدي إلى
إلغائه، لأنه يتعلق بالأساس بالموضوع الفلسطيني، وإذا كان الجانب الفلسطيني لا
يلبي الشروط، فلماذا يُعقد هكذا ((اجتماع)).
فالمصالحة، إذن، تعني عدم عقد هذا ((الاجتماع))، لأن وجود ((حماس)) كجزء من
السلطة لا يلبي شروط عقد هذا ((الاجتماع)) ويخالف الشروط التي وضعت لعقده،
فحماس لا تنبذ ((العنف)) ولا تعترف بالكيان الصهيوني.
ولا تختلف مطالب أولمرت خلال القمة الجديدة التي عقدها في بيته بالقدس مع أبو
مازن عن مطالب بوش. فجميع البوادر التي قدمها أولمرت خلال اللقاء جاءت مكشوفة
الأهداف تماماً، فهي تتعلق بتعميق الانقسام الفلسطيني وتوظيفه لصالح الدولة
مقابل ما سمي بـ(( بوادر بناء الثقة)) المتمثلة بالإفراج عن 250 أسيراً الذين
وعد أولمرت بالإفراج عنهم في قمة شرم الشيخ، والكف عن ملاحقة 178 مطارداً من
المطلوبين من حركة ((فتح))، والسماح لعدد من القيادات الفلسطينية للمشاركة في
أعمال المجلس المركزي والمكوث لعدة أسابيع فقط، والاستمرار في صرف الأموال
الفلسطينية المحتجزة على دفعات، والتأكيد على وعد أولمرت القديم بإزالة بعض
الحواجز وتخفيف الإجراءات على الحواجز عندما تنهي الأجهزة الأمنية الصهيونية
دراسة الأمر، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، وإدخال بعض المركبات والأسلحة
وربما قوات بدر.
رئاسة السلطة
وتتلاقى هذه المواقف الأمريكية والصهيونية مع مواقف تيار قوي داخل حركة فتح له
أجندة أمريكية-صهيونية منذ اتفاقات أوسلو يرفض بروز حماس كقوة سياسية بعدما
تعاظم دورها العسكري المقاوم.
ومَن تابَع جلسات الحوار الثلاث السابقة التي جرت بين الفصائل الفلسطينية
الخمسة الرئيسية في مصر -خصوصاً فتح وحماس- والتي جرت في الفترة بين عامي 2003
و2005، أدرك بوضوح أن هناك معضلة داخلية تتمثل في عدم استساغة بعض كوادر فتح
صعود أسهم حماس أو توليها السلطة. وحينما جرت الجولة الرابعة من هذه الحوارات
بالقاهرة أيار/مايو حزيران/يونيو 2007، كانت ذات العقدة موجودة ولم تتغير، بل
زاد عليها أن هذه ((الأطراف)) المحسوبة على فتح، والتي ترفض سيطرة حماس على
السلطة بدأت تنفذ خططاً لعرقلة استقرار المقام لحماس في السلطة وتربعها، وتلاقت
إرادة هؤلاء ((الانقلابيين)) مع إرادة أمريكا والاحتلال في السعي لإنزال حماس
عن السلطة.
ولذلك كان مصير جميع دعوات الحوار التي تقدمت بها حركة حماس إما الرفض أو
التعطيل من قبل هذا التيار، مع العلم أن حركة حماس تقدمت بالعديد من دعوات
إعادة الحوار الوطني كان آخرها المبادرة التي أطلقها خالد مشعل رئيس المكتب
السياسي لحماس لحل الأزمة الفلسطينية الحالية بين فتح وحماس، والتي ترتكز على
بناء الأجهزة الأمنية على أساس وطني وتشكيل حكومة وفاق وطني، معتبراً في الوقت
نفسه أن اتفاق مكة بين حركتي فتح وحماس ما زال صالحاً، تلك المبادرة التي أطلقت
ضمن فعاليات اليوم الأخير من ((ملتقى الإمام القرضاوي مع التلاميذ والأصحاب))
بالعاصمة القطرية الدوحة شهر تموز/يوليو الماضي.
ويتعلق المحور الأول ((بوجود أجهزة أمنية تراعي مصلحة الوطن فقط لا تتبع حماس
ولا فتح))، أما الثاني ((فيرتبط بتشكيل حكومة وفاق وطني مركزية يضمن لها كل
السلطات التي تمكنها من تسيير الأمور))، بحسب مشعل.
ولم تكن هذه هي الدعوة الأولى من حماس. فقد كانت الحركة قد دعت عقب ما حصل في
غزة لاستئناف الحوار مع ((فتح)) وفق صيغة ((لا غالب ولا مغلوب))، ودون شروط
مسبقة إلا أن التيار المتسلط داخل حركة ((فتح)) رفض الحوار مع ((حماس))،
انطلاقاً من مقولة: إن ((فتح)) لن تذهب إلى الحوار مع ((حماس)) من موقع الضعيف
والمهزوم، لذلك فإن الغالبية ترفض الولوج إلى هذا الحوار في الظروف الراهنة،
لأنها تعتقد أن الحوار سيكون لمصلحة ((حماس)) وليس لمصلحة حركة ((فتح)).
وعلى نفس الشاكلة جاء موقف الرئيس محمود عباس الذي وضع شروطاً للحوار مع حركة
حماس بإخلاء كافة المؤسسات الأمنية من ما وصفها بـ((الميلشيات المسلحة))،
والاعتذار للشعب الفلسطيني قبل الجلوس للحوار، في حين أبدت حماس موافقتها على
الحوار مع حركة فتح لكن بدون شروط. وفي خطابه الأخير وضع عباس عراقيل إضافية
أمام أي حوار قادم حينما سارع إلى تحديد شروط وأسس على رأسها:
- اعتذار حركه ((حماس)) الرسمي والعلني لمنظمه التحرير والشعب لفلسطيني، عن
الانقلاب الذي قامت به ضد الشرعية الفلسطينية.
- عودة الأمور إلى ما كانت عليه في قطاع غزة قبيل الأحداث.
-حل القوة التنفيذية التي اعتبرها عباس في خطابه الأداة المنفذة لهذا الانقلاب.
- محاسبة الذين ارتكبوا جرائم قتل وتعذيب إبان الانقلاب وتقديمهم للعدالة.
وزاد تصلب عباس أكثر خلال اجتماع في رام الله (18/7/2007) للمجلس المركزي
لمنظمة التحرير الفلسطينية، حينما أعلن أنه لا يمكن إجراء حوار مع من أسماهم
((القتلة)) و((الإرهابيين والتكفيريين))، وذلك في إشارة إلى حركة حماس التي
تسيطر على قطاع غزة. وهذا الموقف من عباس يقول بصراحة انه يريد أن يدير ظهره
ليس فقط لحماس الممدودة يدها للحوار؛ بل وللموقف العربي المتمثل في دعوة مجلس
وزراء الخارجية إلى الحوار، وهذا الرفض ليس كما يدعي عباس أنه ((يتعلق بأسباب
داخلية)) وإنما يتصل بموقف صهيوني وأمريكي يرفض التعامل مع أي حكومة تشارك فيها
((حماس)) ولخشية عباس من عودة الحصار على سلطته بسبب الموقف الصهيوني الرافض
للتعامل مع أي حكومة فلسطينية تشارك فيها ((حماس))، ولهذا فالرئيس عباس يرفض
الحوار لأسباب خارجية تتعلق بالموقف الأمريكي والصهيوني وليس لأسباب داخلية،
كما يدعي.
خطة لتصفية حماس
كل المعطيات الراهنة إذن، خصوصاً بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة تقول ما
تؤكده التقارير الاستخباراتية الخارجية. فوفقاً للتقارير الواردة من واشنطن،
فإن قادة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني اتفقوا على خطة تفصيلية لتصفية
((حماس))، تقوم على ((تعبئة الرأي العام العالمي والإقليمي العربي ضد حركة حماس
بصفتها تنظيماً متطرفاً وإرهابياً مسؤولاً عن أعمال العنف والقتل التي شهدها
قطاع غزة في الأسابيع الأخيرة)). وأنه بما أن الحركة قد اختارت لنفسها ((أسلوب
العنف)) لتنفيذ مآربها السياسية، فإنها تكون بذلك قد أخرجت نفسها بنفسها من
دائرة المشاركة السياسية، وهو الأمر الذي عكسه محمود عباس في تصريحاته التي
ذكرناها سابقاً بوصف قادة وأنصار حماس بـ((المتطرفين)) و((الإرهابيين)) وذلك
للمرة الأولى منذ ولوج الحركة في نطاق العمل السياسي.
وتتمثل الخطوة التالية في إضعاف ((حماس)) وعزلها داخلياً من خلال حصار غزة،
والترويج لفكرة أن الحصار المضروب هو على ((حماس)) وليس عقوبة لسكان القطاع،
الأمر الذي يسهم، من وجهة نظرهم، في تعميق النقمة الشعبية في القطاع على
الحركة، سيما إذا استمر الحصار لفترة طويلة.
تترافق هذه الخطوات مع إعلان كل من الولايات المتحدة و((الدولة العبرية))
والاتحاد الأوروبي عن استئناف برامج المساعدات المالية والخدمية للفلسطينيين في
الضفة الغربية، وتشديد الحصار الاقتصادي على قطاع غزة، لرسم صورتين متناقضتين
لشعب واحد، وتحميل ((حماس)) وزر ذلك كله، وبما يخدم المصالح الصهيونية في تقسيم
فلسطين إلى مربعات أمنية معزولة ومقطعة الأوصال، وتشديد القبضة على الضفة
الغربية ذات البعد الأمني الأهم للكيان الصهيوني في ظل تداخلها جغرافياً مع
المستوطنات.
أما آخر بنود الخطة فيقتضي من الدولة العبرية عدم القيام بعمليات عسكرية
ومداهمات أمنية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، لتعزيز مكانة رئيس السلطة
وتقوية قبضته، وحصار قطاع غزة دون اجتياحه حتى يتم التركيز على الشأن الداخلي
الفلسطيني وتعزيز احتمالات قيام احتراب أهلي بين فئات الشعب الفلسطيني، أو على
الأقل ثورة شعبية ضد الحالة الاقتصادية الصعبة التي سيواجهها القطاع وتتحمل
((حماس)) مسؤوليتها وفق تقديراتهم.
إن نشر تفاصيل هذه الخطة في كبرى الصحف الأمريكية (واشنطن بوست) يسعى بالتأكيد
للتفريق بين أبناء الشعب الفلسطيني، من خلال الاستراتيجية المقترحة لدعم فصيل
على حساب آخر وهو ما أثار الانتقاد حتى من قبل الصحف الأمريكية التي انتقدت
((رهان الإدارة الأمريكية على عباس)) من خلال إجراءات حصار غزة وتخفيف شروط
الحصار عن الضفة ودعم قوات عباس مادياً ومعنوياً، وموافقة حكومة أولمرت أخيراً
على الإفراج عن 600 مليون دولار من عائدات الضرائب المستحقة للسلطة والمجمدة
منذ تولي ((حماس)) للحكومة.
إن ما يمكن قوله نهاية إنه ربما تساعد الاستراتيجية المقترحة على تحقيق نوع من
الاستقرار المؤقت لسلطة عباس في الضفة الغربية، في ظل الدعم الغربي والعربي
الهائل له. لكن التساؤل المطروح يتمثل في العواقب المستقبلية لشطر الشعب
الفلسطيني مجدداً بين الضفة والقطاع، ومعاقبة جزء من هذا الشعب على خياره
الديمقراطي لمجرد وجود ممثليه المنتخبين ديمقراطياً بين أفراده، وعن الآثار
المتوقعة لاستمراء سياسة الاستقواء بالآخر صاحب الأجندة المعروفة على الداخل.