موسوعة اللوباني عن حضارة فلسطين
((التراث)) آخر الحروب الصهيونية على الشعب الفلسطيني
بيروت/ياسر علي
صدرت مجموعة من المعاجم للباحث في التراث الفلسطيني الأستاذ حسين لوباني، ضمن
((موسوعة اللوباني عن حضارة فلسطين))، الصادرة عن مكتبة لبنان – ناشرون في
بيروت. وهذه المعاجم هي:
معجم الألفاظ التراثية في فلسطين، معجم أسماء المدن والقرى الفلسطينية، معجم
العامي والدخيل في فلسطين، معجم الألعاب الشعبية الفلسطينية.
وتتضمن الموسوعة كتاباً سبق إصداره، وهو معجم الأمثال الفلسطينية، وكتب ستصدر
قريباً، منها موسوعة شعراء الشعر الشعبي الفلسطيني، وموسوعة الأطعمة الفلسطينية
وغيرها من الكتب التي يعمل عليها لوباني.
في زيارته
في شقته الدافئة في شارع عزمي في مدينة طرابلس، استقبلنا الأستاذ حسين لوباني،
ومشينا خلفه إلى غرفة مكتبه الممتلئ برفوف الكتب والأرشيف الفلسطيني، وبدا أن
رفوف المكتبة تسللت إلى الممر ثم إلى غرفة النوم حيث زاحمت الكتب سريره،
ومازحَنا قائلاً: زينب (زوجته) تعتبر الكتب ضرتها التي زاحمتها ليس فقط على
زوجها بل على غرفتها.
نسمع صوت زوجته ملطفاً الأجواء، من أجل فلسطين، كله يهون.
لا يرضى أبو العلي أن تزوره زيارة خاطفة، يستبقيك على الغداء ويؤكد عليك أن لا
تأتيه (شبعان!)، لأن زوجته ستعدّ أكلة تراثية، هذه المرة كانت الأكلة (المسخّن)
مع سلطة القرصعنّة.
جلسنا أمام مكتبه الصغير تحت رفوف الكتب، وأراد أن يكتب لي الإهداء على الكتاب
فإذا به لا يستعمل قلم الحبر الجاف، فتح المحبرة وغمس القلم فيها وبدأ يكتب
بخطه الرقعي الجميل كلمات عن فلسطين النكبة والعودة.
سألته كيف استطاع أن يجمع كل هذه المعاجم، ولماذا ((غطس)) في هذا العمل؟ فلفت
إلى أنه مأخوذ بأمرين: حب فلسطين وحب اللغة العربية. وقال: كان والدي مرجعيّة
في ذكر الأمثال الشعبية والطرائف الشعبية ذات الطابع الفلسطيني المحض، فشرعت في
التفكير جدياً، في البدء في خدمة تراث بلدي، خاصة أنني أمتلك الأدوات المعنية
في هذا المجال. إزاء هذا الواقع، قررت الخوض في مجال التأليف.
أكد لوباني أنه لا يسمع كلمة إلا وسجلها في ذاكرته وفي دفتره، وأنه راجع كتب
التراث وخالط أهالي القرى وكبار السن، ولكن الركيزة التي بنى عليها كل هذا كان
خطة استباقية بدأها منذ السبعينيات حين كان أستاذاً في مدارس الأنروا، فقد جهز
استمارات (استبيانات) وزعها على التلامذة، تضم كل استمارة أسئلة حول تراث قريته
يسأل أهله عنها، ومنها الأطعمة والأمثال والألفاظ التراثية والألعاب والمواسم
والحِرف، وكان الزمن لا يزال قريباً من النكبة يومها، وكان الذاكرة حية
والأحياء من جيل النكبة أكثر من الأموات.
من هذه الاستمارات، قال، بنيت أسس هذه الكتب، تلتها أبحاث دامت عشرات السنين،
حيث أخذت أفرز المعلومات التي في الاستمارات فشكلت من هذه المعلومات خميرة
للمعاجم اللاحقة.
تجاذبنا أطراف الحديث حول هذه الكتب، فقال: حين جاءني موظف مكتبة لبنان، قال
لي: أستاذ حسين، أمسك أولادك، فإذا بالدمعة تفرّ من عيني، وأنا الذي لم أرزق
بالأولاد، فأحسست فعلاً أنني أحمل أربعة أولاد رزقت بهم دفعة واحدة.
المرتقى الصعب
من الأكيد أن من أصعب طرق التأليف هي الطرق المعجمية، لماذا قام الباحث حسين
لوباني بالولوج في هذه ((الورطة))؟
يؤكد لوباني أنه لا يمكن لإنسان مهما بلغ من الكمال أن يكتب معجماً كاملاً، لأن
المعيار فيه هو مدى الإحاطة، وليس مدى الإبداع بالأفكار. ليس مطلوباً منك أن
تكون مولّداً للأفكار؛ بل متلقياً ومدوّناً.
وقد بلغ الأمر من الصعوبة أن كبار المعاجم العربية صدرت لها مستدركات مثل
((فوات الوفيات))، و((الإعلام بالأعلام)) وغيرها..
فحسبي أنني بدأت –كما ذكرت- في مقدمة أحد هذه المعاجم، والبقية على من سيأتي من
بعدي. وحسبي أنني قاومت وتصديت (للص الصهيوني) الذي يحاول سرقة تراثنا كما سرق
أرضنا.
مواجهة اللص
عند (اللص) وصل مدار الحديث، قلت: بالسرقة استطاع الصهاينة تأليف تراث بهذه
المسافة الزمنية القصيرة، ما العمل إزاء أفعال العدو الذي سرق الوطن ثم بدأ
بسرقة التراث؟
لم يتمالك اللوباني نفسه وقال بلهجة استنكارية: ومن هم الصهاينة أصلاً؟ هم
جماعات بشرية متباينة، تنتمي كل جماعة منها لوطن من الأوطان المختلفة التي
وفدوا منها.. هذا بولوني وهذا روسي وهذا أوكراني وذاك ألماني أو نمساوي، وآخر
أمريكي عدا عن الفلاشا وغيرهم..
فهل يعقل لهؤلاء (اللّمَم) أن يكون لهم في ستين عاماً تراث؟ التراث لا يكون
كذلك إلا نتيجة انصهار حضاري – ثقافي – شعبي يمتد على مئات السنين وسط توافق
اللغة والتاريخ والبيئة والآمال والآلام، والعادات والتقاليد التي وبعامل الزمن
الطويل تنتج تراثاً..
العدوّ الصهيوني عدو غاصب، اغتصب الأرض، ولكي يثبّت جذوره قرّر أن يسرق (التراث
- الثقافة الشعبية)، وهذه هي آخر حروبه ضد الفلسطينيين. فإذا ما سرق التراث،
يكون قد نجح في شطب الهوية الفلسطينية، وإلغاء الشعب الفلسطيني بحاله.
نبذة عن المعاجم الأربعة
معجم أسماء المدن والقرى
الفلسطينية
جهد المؤلف باحثاً عن أسماء المدن والقرى في فلسطين وأصولها ومعانيها وسبب
التسمية.. ولم يكتف بذلك، بل أورد معاني جغرافية تتعلق بالمسافات بين النقاط
الرئيسية وارتفاع المكان وانخفاضه عن سطح البحر، دون أن ينسى المواقع الأثرية
القريبة منها.
ولم ينسَ لوباني القرى المدمرة، فقد تطرق إلى هذه القرى التي غُيرت معالمها
وأسماؤها، أو أقيمت مكانها مستعمرات صهيونية. وألحق المعجم بخمسة ملاحق عن
السكان اللاجئين في الشتات الفلسطيني.
ورغم أن الكاتب قد بذل جهداً مشهوداً في هذا الكتاب إلا أنه لا يدعي كمال
التأليف، أو أنه أتى بحلول نهائية في مسألة (معاني الأسماء).. فالأمر –كما
يقول- على نقيض هذا.. ((وما على الباحثين الآتين من بعدي إلا أن يستنفروا
أدواتهم فيبدأوا من حيث بدأت، لا من حيث انتهيت، لأن ما أتيت به، أكثر ما يقوم
على (الظن)، لا على (اليقين)..)).
معجم الألفاظ التراثية في فلسطين
وقف لوباني هنا في مواجهة اللص في هذا المعجم. فهو لا يتصدى لاحتلال عسكري فقط،
بل يتصدى لسرقة موصوفة للتاريخ والحضارة.
يثبت لوباني، من خلال مقدمته، أننا أمام عدو (لص)، على استعداد ليسرق كل شيء..
فالمهم عنده هو: إزالة الشعب الفلسطيني من الحضور والوجود.. ويؤكد في هذا
الكتاب حقيقة أنه يناضل ((على طريقتي، وأتصدى لقوى الظلم والعدوان، بما
استطعت.. للدفاع عن الوطن وتراث الوطن.. أنا أرد عليه بإحياء تراث بلدي)).
الكتاب يرصد كل الألفاظ التراثية، بطريقة معجمية يشرح فيها كل لفظة تراثية، كما
هو الحال في الموسيقى والزراعة والطب الشعبي وبناء البيوت وأقسامها والعادات
والتقاليد، والطقس والمناخ والفصول والطرائف والألعاب والنباتات على أنواعها
والأمثال الشعبية واللباس على أجياله والحيوان والمعتقدات الشعبية والطعام
والأكلات والأغاني والخرافات والقصص والحرف والمهن.. حتى إنه لم يغب عنه
الألفاظ العامية من آداب السلام حتى نداءات الباعة..
يعتبر لوباني هذا الكتاب محاولة فردية متواضعة، يأمل أن تلقى نجاحاً في مجالها
إذا وجدت أرضاً خصبة.. ويختم: أنا بدأت، وعلى غيري أن يكمل.. والطريق طويل..
معجم العامي والدخيل في فلسطين
ليس يهدف هذا المعجم إلى تكريس العامية في مواجهة الفصحى؛ فقد أوضع لوباني ذلك
في مقدمته ((لم أكن نصيراً لأي لهجة عامية في حياتي، ولن أكون..)). وتقرأ أربع
صفحات مرصوصة من مطلع المقدمة عن الفصحى وتعشّقه لها.
ما الأمر إذن؟
إنه الخوف من اندثار اللهجة العامية وضياعها من بين الفلسطينيين، وخاصة بين
فلسطينيي الشتات الذين حكم القدر عليهم أن يكونوا خارج الوطن، وفي بؤر متباينة
تحيط بفلسطين ووسط أقوام لهم لهجاتهم الخاصة بهم، مما صار يشكّل خطراً أكيداً
على مستقبل لهجاتهم الفلسطينية، وخاصة بعد وفاة الطاعنين في السن، الذين ولدوا
في فلسطين.
إلى هذا، تتضمن المقدمة بحثاً مهماً ومطوّلاً في الفروق بين الفصحى والعامية
وبعض ((مميزات)) العامية في هذا المجال.
معجم الألعاب الشعبية الفلسطينية
هذه الألعاب ليست مقتصرة على الأطفال، مع أن مَن سجل الكاتب ذاكرتهم كانوا في
معظمهم أطفالاً في فلسطين، وعرفوا هذه الألعاب في طفولتهم، وقد صاروا اليوم
أجداداً في الشتات.
هذا المعجم يسجل اهتماماً بجيل فلسطيني قد يكون الآن هو الرابع، وسيبقى هذا
الكتاب للجيل الخامس والسادس وأكثر. ولكنه يكرس فكرة أن العودة ليست حصرية بجيل
النكبة، بل إن كل جيل جديد سيتعلم منذ طفولته ألعاب بلاده التي سيعود إليها..
وبالتالي فإن هذا الكتاب هو البذرة الأولى التي نزرعها في أجيالنا القادمة لكي
يبقى ((حق العودة)) مشتعلاً في نفوس أطفالنا، ولكي نثبت للعالم أن الأجيال
الجديدة تبقى وفيّة لتمنع سقوط حق العودة بالتقادم أو تعاقب الأجيال.. وأنه
((لا كبار يموتون ولا أطفال ينسون)). فالكبار أحياء لأن ذكرهم وكلامهم وأمثالهم
وقصصهم وتراثهم بقي حياً بعد وفاتهم، والأطفال يحفظون هذه الذاكرة..
جمع الكاتب 256 لعبة من الألعاب (تتغير أسماؤها التي تجاوزت 350 اسماً) ورتبها
ترتيباً أبجدياً، ضمتها 116 صفحة، وضبط كل اسم بلفظه الشائع ووصف اللعبة
بالتفصيل: أشخاصها، أدوارهم، أسلوب الممارسة، وأنواع اللعبة إذا كان لها أنواع.