الباحث والمفكر المصري الدكتور عبد
الوهاب المسيري:
قام الغرب بأيقنة الهولوكوست ونحن نتورط في نوع من الأيقنة المضادة
دمشق/غياث ناصر
صدر حديثاً عن دار الفكر بدمشق كتاب هام حمل عنوان ((الصهيونية.. وخيوط
العنكبوت)) للباحث والمفكر المصري الدكتور عبد الوهاب المسيري؛ المتخصص
بالدراسات الصهيونية. وضم الكتاب مقالات عدة تتناول طائفة من الأحداث والظواهر
المتعلقة باليهودية والصهيونية، وبمسار الصراع العربي - الصهيوني.
فلسطين المسلمة التقت الباحث د. المسيري وحاورته حول ما جاء في كتابه.
- أصدرتَ كتباً كثيرة تتحدث عن الصهيونية والكيان
الصهيوني.. فما الجديد في كتابكم ((الصهيونية.. وخيوط العنكبوت))؟ وما الذي
قصدته بتعبير ((خيوط العنكبوت))؟
• دعني أبدأ من البداية، لأبيّن السبب الذي دعاني لاختيار هذا العنوان لكتابي.
لاحظت أن الإعلام العربي يركز على مدى ((قوة)) الجيب الاستيطاني الصهيوني وبطشه
وقدراته العسكرية التي لا تعرف حدوداً، كما يشغل الإعلام العربي نفسه بشكل مرضي
بحصر انتصارات الدولة الصهيونية، ويخفق إلى حد كبير في رصد عوامل التآكل التي
تتفاعل داخله، وتدهور الحالة النفسية للمستوطن الإسرائيلي من جراء المقاومة
الفلسطينية الباسلة. والمحصلة النهائية لهذا الموقف هي أن المقاومة الفلسطينية
تبدو كما لو كانت معركة خاسرة لا فائدة تُرجى من ورائها. هذا على عكس الصحافة
الإسرائيلية التي ترصد أثر الانتفاضة على المجتمع الصهيوني بطريقة ترفع
المعنويات وتبين أن الانتفاضة ليست فعلاً عبثياً، وما ورد في صحيفة يديعوت
أحرونوت (13/1/2003) لا يختلف كثيراً عما جاء في صحيفة معاريف، إذ قالت إن
الجمهور الإسرائيلي يعاني مشاعر توتر منهكة ازدادت بنسبة كبيرة خلال العام
الأخير.
ومن المؤشرات الأخرى تزايد معدلات السعار الجنسي في (إسرائيل). فالجنس، شأنه
شأن الخمر والطعام والتدخين، يُعد من الآليات التي يحاول المرء من خلالها
التغلب على قلقه وعلى غياب المعنى في حياته.
ويتجلى القلق أيضاً في هبوط معدلات الاستهلاك، حيث بينت إحدى الدراسات أن
الإسرائيليين بدأوا يتحولون عن نمط الاستهلاك الأمريكي (أي الاستهلاك من أجل
الاستهلاك، بلا حدود وبلا سبب) إلى تبني أنماط أكثر حذراً نظراً لعدم ثقتهم في
المستقبل ولارتفاع معدلات البطالة.
- أشرت في الكتاب إلى علاقة الديموغرافية اليهودية بظهور الصهيونية.. هل يمكن
إيضاح هذه النقطة.. ولماذا نهتم بها في الوقت الحاضر؟
• للإجابة على هذا السؤال يجب أن نشير إلى الطفرة السكانية التي حدثت بين يهود
شرق أوروبا (روسيا وبولندا) مع تعثُر التحديث فيهما، مما أدى إلى تفاقم المسألة
اليهودية، خاصة وأن الدولة الروسية القيصرية بدأت عملية التحديث بخطوات سريعة
لم تسمح لأعضاء الجماعات اليهودية، المرتبطين بالاقتصاد القديم والحرف
التقليدية ووظائف لم يعد المجتمع في حاجة لها مثل التجارة والربا، لم تسمح لهم
بمواكبة التطور، وبالتالي أصبحوا فائضاً بشرياً وجماعة وظيفية بلا وظيفة.
فبدأوا يتدفقون كالسيل العرم على بلدان وسط وغرب أوروبا، بما في ذلك إنجلترا
التي كان يوجد بها نحو 25 ألف يهودي عام 1853، وصل عددهم إلى 242 ألفاً عام
1910، أي بزيادة نحو عشرة أضعاف خلال ستين عاماً في مجتمع متجانس مثل المجتمع
الإنجليزي. ورغم صدور تشريعات تَحُد من هجرتهم، فإن عدد يهود إنجلترا وصل عام
1914، أي عشية وعد بلفور، وصل إلى ما بين 250 ألفاً وإلى 300 ألف نصفهم من يهود
اليديشية، أي أن عدد يهود إنجلترا من يهود اليديشية زاد خمسة عشر ضعفاً فيما
يقارب أربعين عاماً.
وقد أدى تدفق يهود اليديشية إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة بحثاً عن
مورد للرزق إلى شعور الجماهير بأن المهاجرين اليهود يهددون الأمن الاجتماعي.
وقد حاولت الدول الغربية تحويل مسار الهجرة إلى أماكن غير أوروبا، فكان هناك
مشروع الاستيطان في الأرجنتين ومشاريع أخرى مماثلة، لكن استقر الأمر على فلسطين
بسبب أهميتها الاستراتيجية بحيث يتم تحويل الجماعات اليهودية التي أصبحت بلا
وظيفة إلى جماعة وظيفية عسكرية تحمي المصالح الغربية في المنطقة.
وفي هذا الإطار، طُرحت الفكرة الصهيونية، وقد وضع هرتزل نصب عينيه الوصول إلى
السلطات الحاكمة في إنجلترا لعرض المشروع الصهيوني وبالفعل، نجح أحد أصدقائه في
دعوته للمثول أمام اللجنة الملكية عام 1902، حيث قدَّم حلاًّ صهيونياً مفاده
تحويل الهجرة من إنجلترا إلى أية بقعة أخرى خارج أوروبا. وانطلاقاً من هذا،
عُرض مشروع شرق أفريقيا، ثم صدر وعد بلفور الذي جاء انتصاراً للمنظمة
الصهيونية.
- أثير مؤخراً موضوع معاداة السامية.. كما ظهر مصطلح ((معاداة السامية
الجديدة)) كيف تقيم هذا الأمر؟
• مصطلح معاداة السامية ترجمة شائعة للمصطلح الإنجليزي ((أنتي سيميتزم))
anti-Semitism. ونحن نفضل استخدام عبارة ((معاداة اليهود)) للإشارة إلى هذه
الظاهرة، فهي ترجمة للمفهوم الكامن وراء العبارة الإنجليزية.
وهذا المصطلح يضرب بجذوره في الفكر العنصري الغربي الذي كان يرمي إلى التمييز
الحاد بين الحضارات والأعراق، فميَّز في بداية الأمر بين الآريين والساميين على
أساس لغوي. وانتهى الأمر به إلى الحديث عن تفوُّق الآريين على الساميين (أي
اليهود)، هذا العنصر الآسيوي المغروس في وسط أوروبا، كما دار الحديث عن خطر
الروح السامية على المجتمعات الآرية. وشاع المصطلح منذ ذلك الوقت وقام الدارسون
العرب باستيراده وترجمته كما فعلوا مع كم هائل من المصطلحات الأخرى.
وقد اختلط المجال الدلالي للمصطلح تماماً في اللغات الأوروبية بعد ظهور
الصهيونية. وبعد سيطرة الخطاب الصهيوني على النشاط الإعلامي الغربي، لم تَعُد
هناك تفرقة بين ظاهرة معاداة اليهود في الدولة الرومانية وظاهرة معاداة اليهود
في العصور الوسطى المسيحية. ولم يَعُد هناك تمييز بين معاداة اليهود على أساس
عرْقي وبين معاداة اليهود على أساس ديني. وأصبحت معاداة الصهيونية، بل والدولة
الصهيونية هي الأخرى، تُصنَّف باعتبارها من ضروب معاداة اليهود.
- كيف تقيّم الخطاب العربي الذي ينكر الهولوكوست، كما هو الحال في الغالب؟
• ابتداء أرى من المهم أن نطور خطاباً عربياً - إسلامياً جديداً، بخصوص كل من
الهولوكوست والصراع العربي الإسرائيلي. لقد قام الغرب بأيقنة الهولوكوست، أي
حوّلها إلى شيء فريد، محل تأليه غير قابل للنقاش، فالأيقونة صورة يتعبد المؤمن
أمامها ولا يتساءل عنها. ونحن نتورط في نوع من الأيقنة المضادة، أو الرفض
المضاد لها من دون تثبت تاريخي، فإنكار الهولوكوست ليس أمراً إنسانياً أو
علمياً.
-هل تعتقد أن الهولوكوست هي إحدى الأساطير التي روجتها الصهيونية لابتزاز
العالم؟
• الإجابة بنعم ولا. إنكار الإبادة هو رد فعل بدائي وبسيط. لقد قدم الصهاينة
الهولوكوست باعتبارها حادثة فريدة غير زمنية مطلقة، وقد فعلوا ذلك بأن نزعوها
من سياقها التاريخي بحيث ننظر لها من الداخل فقط، من منظور غربي وصهيوني حتى
يمكنهم توظيفها. وهذا هو جوهر ما سميته الحقائق الكاذبة. لذا فالطريقة العلمية
الإنسانية الوحيدة أن ننظر لهذه الظاهرة من الداخل ومن الخارج في نفس الوقت،
وذلك عن طريق وضعها في كل السياقات الممكنة.
- بعد أن وضعنا الإبادة النازية ليهود أوروبا في سياقها الحضاري الغربي العريض،
ما هي الخطوة التالية؟
• لا بدّ من وضعها في سياق أقل عمومية وهو السياق الألماني (تدهور الاقتصاد
الألماني- الاتجاهات العامة للثقافة الألمانية آنذاك). إن الإبادة لم تطل
اليهود وحدهم وإنما طالت العجزة والأطفال والمعوقين والشيوعيين والغجر وأعضاء
النخبة البولندية وأسرى الحرب، بل وأحياناً الجرحى الألمان، أي أنها جزء من
موقف نازي عام، ليس موجها ضد اليهود وحدهم، وإنما كان موجها ضد الآخر (أي آخر)
الذي قد يقف في طريق النازيين. وهذا يسقط احتكار اليهود للإبادة.
فقد الاتحاد السوفييتي ما يقرب من عشرين مليوناً. نحن نتحدث عن عشرات الملايين
الذين أبيدوا، مما يبين وحشية التشكيل الحضاري الألماني النازي الذي هو جزء من
التشكيل الحضاري الغربي.
بل يمكن أن يزداد الأمر خصوصية ونضع الإبادة النازية ليهود أوروبا في سياق
ألماني يهودي: رفض اليهود الاندماجيين للنازية وترحيب الصهاينة بها - التعاون
بين الصهاينة والنازيين - الصهيونية في علاقتها النظرية والفعلية مع النازية!
- تتحدث عن ((نهاية إسرائيل))، فهل يمكن أن تبين لنا ماذا تعني على وجه الدقة؟
• حينما أتحدث عن ((نهاية إسرائيل)) ففي ذهني ما حدث في جنوب أفريقيا، إذ تم
القضاء على النظام العنصري من خلال المقاومة المسلحة ولم يتبع ذلك مذابح جماعية
أو إبادة، وحل سلام قائم على العدل. فقد قاوم الأفارقة وجاهدوا وبعد سنوات من
الحوار المسلح بدأت الأقلية البيضاء تدرك أنه لا يوجد حل أمني عسكري، فاستسلم
النظام العنصري ودخلوا في حوار نقدي مع المقاومة بقيادة مانديلا وانتهى الأمر
بتسليمه مقاليد الحكم، على الرغم من أن النظام العنصري استمر ما يقرب من أربعة
قرون، ولم يكن يعتمد على الخارج (كما هو الحال مع الدولة الصهيونية).
وبعد سقوط النظام العنصري ظهر نظام جديد استوعب المستوطنين البيض الذين تحولوا
إلى مواطنين في دولة متعددة الأديان والأعراق والإثنيات، وفتح أمام الجميع
الفرص دون تفرقة على أساس اللون أو الدين. وفي الانتخابات الأخيرة في جنوب
أفريقيا كانت الأحزاب السوداء تحاول الحصول على أصوات المواطنين البيض والعكس.
أتصور أن نفس المتتالية يمكن أن تتحقق في فلسطين المحتلة، فمن خلال تصاعد
الحوار المسلح سيصبح الجيب للصهيوني مكلفاً بالنسبة للدولة الراعية وسينال
الإرهاق من المستوطنين الصهاينة، وسيدركون أن الحل الأمني العسكري لا طائل من
ورائه وأنهم لا مجال أمامهم إلا أن يتخلوا عن عنصريتهم وعزلتهم الصهيونية وعن
يهوديتهم المزعومة (فاليهودية شيء والصهيونية شيء آخر). عندها ستبدأ الأصوات
تتعالى داخل الكيان الصهيوني ويبدأ المستوطنون يبحثون عن متتالية جديدة تضمن
لهم ولأولادهم البقاء. وتبدأ الدولة الراعية في إعادة حساباتها. ولذا علينا أن
نقاوم وأن تستمر المقاومة وأن نرسل في ذات الوقت برسائل للمستوطنين، خاصة
اليهود الشرقيين، أن الحل العربي لمسألة الاحتلال والاستيطان الصهيوني ليس
الإبادة، كما تزعم القيادة الصهيونية، وإنما فك الإطار العنصري وإنشاء مجتمع
جديد على أسس إنسانية ديمقراطية.
هذه هي الطريقة الوحيدة لتحرير فلسطين وأيضا تحرير المستوطنين الإسرائيليين،
لأن المنظومة العنصرية تفرض عليهم سجناً من نوع ما. إذا أنجز ذلك فإنه يعني
سقوط النظام العنصري وقيام مجتمع جديد مبني على العدل. أعتقد أنه يمكن حينذاك
أن نعلن أننا على استعداد للعيش في سلام معهم وسيكون سلاماً دائماً وعادلاً،
دائماً لأنه عادل، لأن ما ينجز الآن هو سلام مبني على موازين القوى، مما يعني
أنه مجرد هدنة أو تهدئة يلتقط فيها كل طرف أنفاسه ليحارب مرة أخرى لتعديل
موازين القوى لصالحه.
وقد يكون من المفيد الإشارة في هذا السياق، إلى أن الشيخ رشيد رضا دخل في
مفاوضات مع الجانب الصهيوني في مطلع القرن المنصرم. فأشار إلى أنه مدرك تماماً
لأهمية رؤوس الأموال والخبرات التي سيأتي بها المهاجرون اليهود، وقال إن العرب
يمكن أن يرحبوا بها وبهم، على شرط أنه حين تستقل فلسطين وتصبح دولة ذات سيادة
أن تكون الدولة الجديدة دولة ديموقراطية، دولة مواطنيها، لكل مواطن صوت (وهذا
هو الحل جنوب الأفريقي)، ولكن حاييم وايزمان، أول رئيس للدولة الصهيونية، والذي
كان طرفاً في هذه المفاوضات، عاد إلى منزله وكتب في مذكراته أن هذا هو سلام
المقابر، وهو بالفعل سلام المقابر لأي تصور عنصري للدولة الجديدة فالنهج
الديموقراطي الذي يضمن المساواة بين الجميع يؤدي إلى إسقاط الإطار الصهيوني
العنصري والإصرار على أن تكون الدولة الجديدة دولة يهودية خالصة، دولة لكل يهود
العالم.
- من قراءتك المجتمع الإسرائيلي من الداخل، هل ترى أصواتاً إسرائيلية يمكنها
تبني صيغة مثل صيغة جنوب أفريقيا؟
• اليسار الصهيوني لم يصل بعد إلى هذه القناعة. أعتقد أن السبب هو أن الدول
العربية لا تساند الانتفاضة بما فيه الكفاية. ولو تم ذلك فإن الرسالة سوف تصل
لهم كما حدث في جنوب أفريقيا. العالم الغربي ظل يساند جنوب أفريقيا حتى
السبعينيات ومع تصاعد المقاومة تخلى عن النظام العنصري وبدأ في مقاطعته. وأتصور
أن الدول العربية يمكن أن تقوم بشيء مماثل.