قبسات
((قول)) يا مثقف!!
كتبنا منذ سنوات هنا في ((قبسات))، ثقّفوا
السياسة ولا تسيّسوا الثقافة.. وهاهم بعض ((المثقفين)) الفلسطينيين يشنّون حملة
شعواء على ما سمّوه ((إعدام التراث))، صامّين آذانهم عن كل ما ذُكر وما قيل في
هذه القضية، ومنصتين لكلمات من طراز ((منع، مصادرة، إتلاف، إحراق، إعدام)). فقط
من أجل إبراز دور فقدوه منذ ما قبل أوسلو، وعادوا ليقولوا كلمتهم التي صادروها
بأنفسهم (حيث وقّع على عريضتهم بعض الوزراء والمسؤولين السابقين الذين صودرت في
عهودهم عدة كتب دون أن يعترضوا).
أيها ((المثقف)) المعترض، القضية ليست ثقافية، فلا تزعم أنها كذلك، وتجرّها
غصباً عنها إلى الدائرة الثقافية بأيدي ونوايا سياسية.
إزاء هذه الضجة ضد ما سمي ((إحراق الكتاب))، من المفيد أن نقارب الموضوع ونسلط
الضوء على ما ((تعامى)) عنه البعض بنوايا مبيّتة ومحسوبة، غير أنه من المهم
أيضاً أن نؤكد أننا هنا لا ندافع عن ((المنع)) بل عن ((حماية أبنائنا))، وهو
أمر أكّده صاحب الكتاب نفسه شريف كناعنة: ((إن هناك سوء تفاهم، فالكتاب بالأساس
ليس للأطفال، فهو يدرّس على مستوى الماجستير والدكتوراه، وأنا شخصياً درّسته
كمساق في الفصل الماضي لطلبة الماجستير في جامعة بيرزيت)).
إزاء هذه الضجة المفتعلة حول ((منع الحرية الوهمي))، نلاحظ أن الثائرين على ما
جرى لم يقرأوا نصوص الكتاب وتفصيلاته، ولم يعرفوا تفاصيل ((المنع)) وأسبابه
والفئة المستهدفة منه، ونسجل الملاحظات الآتية:
- إن المنع صدر عن وزارة التربية وليس وزارة الثقافة، مما يعني أن المشكلة
تربوية وليست ثقافية، والنسخ الأخرى الموجودة في السوق لم يمنعها أحد، ولو
أرادت دار النشر أن تطبع الكتاب ثانية فلها الحرية في ذلك ولا يمنعها أحد.
فوزارة التربية أعادت الأمر إلى نصابه، والكتاب اشترته الوزارات السابقة شريطة
أن يوضع بمتناول المعلمين وليس التلاميذ، وهذا ما جرت العادة عليه منذ سنوات،
أما اليوم فهناك من سرّبه إلى مكتبة التلاميذ الصغار. وكان الحظر تربوياً
اجتماعياً.
وهذا إجراء روتيني تقوم به الوزارات حفاظاً على الأطفال، ويصل في الخارج إلى
منع الأطفال من مشاهدة ((توم وجيري)) بسبب العنف والعدائية الذي يحتويه. فكيف
بقصص الغيلان والجنيات؟!
- إن المنع كان منعاً (عن) وليس منعاً (لـِ)، فالكتاب متاح لمن يرغب، الحظر كان
عن الأطفال من تلاميذ المدارس فقط.
من هنا فإن ((ثورة المثقفين)) كانت على قرار لم يقرأوه وكتاب لم يعرفوا محتواه،
وإلا فكيف يرضى مثقف أن يقرأ أبناؤه قصصاً تبيح زنا المحارم وتذكر ألفاظاً
يستحي هو أن يسمعها أمام أولاده فكيف لو تحدّاه أحد أن يقرأها لهم.
- ((إنها ليست رمّانة، إنها قلوب مليانة))، والقضية من بداياتها سياسية.. وإلا،
كيف استقام لضمير هؤلاء أن يهاجموا منع تداول كتاب بين أطفال المدارس، ولم يرفّ
لهم جفن أو قلم أو بيان أو مظاهرة إزاء إحراق عشرات آلاف الكتب والمخطوطات
والأقراص المضغوطة في مكتبة الجامعة الإسلامية. وكيف لم يتحركوا سنة 1997 عندما
تم منع رواية ((الأسيرة)) للمحاضر في جامعة بيرزيت صافي صافي، ومنع كتاب إدوارد
سعيد المعارض لأوسلو، ومنع كتاب ((طريق السعادة)) لزينب حبش قبل عامين.
إن من سيّّس الثقافة يعمل من ((حبة)) قرارات تربوية ((قبة)) ويملأ الدنيا
صراخاً!!
أصداء
أدب الأطفال
امتدت أصداء قضية ((قول يا طير)) إلى إعادة
البحث بشروط ومعايير أدب الأطفال وعلاقته بالتراث، خاصة أن الكتاب مُنع –حصراً-
عن الأطفال، رغم أن البعض ظنّ أنه حكايات للأطفال، كونُه من التراث الذي يضم
((الخرافيات)) القديمة عن الغيلان ((والجَنَاني))..
أي تراث هذا الذي يوجّه للأطفال بحكايات الرعب؟!
لقد صدق الكاتب العالمي المختص بأدب الأطفال ((تولكين)) حين قال: إن القصص
الشعبية مادة سيئة مليئة بالأحداث المفزعة والشخصيات المرعبة التي تهدّد أمنَهم
الداخلي، وتُشعرهم بعدم الاطمئنان في هذا العالم.
في فلسطين عمل بعض الكتّاب على أدب الأطفال بإنتاجٍ راقٍ يقدم القصة الهادفة
البسيطة التي تلائم هؤلاء الأطفال، وهناك من عمل على إعادة إنتاج التراث بقالب
قصصي نظيف للأطفال. وبقيت هذه المحاولات فردية.
غير أن المشروع الذي تبنته السلطة وحكوماتها السابقة كان بالتعاون مع عدد من
المؤسسات والمشاريع الغربية (غالبيتها إسكندنافية) تحت عنوان ((مشروع تطوير أدب
الأطفال في المدارس))، كان ذات إنتاج سلبي.
من هنا تكمن ضرورة إعادة النظر من جديد في الكتب الموجهة للأطفال وتداولها
بينهم.. وليس فقط في كتاب ((قول يا طير)).