أسباب تراجع وفشل تجربة الجاليات
مع استثناءات بسيطة، كان الفشل هو العنوان
الرئيسي المصاحب لهذه الجاليات، لا أعني هنا الفشل على المستوى الفردي؛ ولكن
الفشل على مستوى العمل المشترك وتفعيل دور الجاليات والتواصل بينها وبين الوطن
الأم والقيام بالدور المنشود في التعريف بقضايانا العادلة وحشد التأييد لها
والنهوض بالمستوى الثقافي والحضاري لأبناء الجالية والتأكيد على حق العودة خاصة
أن معظم أبناء الجاليات إن لم يكن جميعهم هم بالأساس لاجئون.
أسباب الفشل
يصعب تعميم أسباب الفشل والتراجع لخصوصية الجاليات التي سبق ذكرها ولكن هناك
أسباباً عامة تنطبق على الجميع دون استثناء وتشمل:
اجترار الماضي والبكاء على الأطلال: بمعنى رفض الاعتراف باختلاف المجتمعات
المضيفة مقارنة بالمجتمعات الأصلية وصعوبة الحياة في بدايتها، حيث قد نجد أن
فلسطينياً ناجحاً في بلد الإقامة الأصلية في مجاله وتخصصه يضطر أن يصبح طالباً
من جديد، وهو ما لا يسهل ابتلاعه ليبقى ذلك الطبيب في أوهام النجاحات السابقة،
وليصبح عدواً لكل ما حوله رافضاً أية مشاركة في فعاليات أو غيرها.
تكرار الأخطاء وعدم الاستفادة من تجارب الآخرين: هناك جاليات أقدم بكثير من
الجاليات الفلسطينية عاشت نفس تجاربها وأخطائها وبعضها تجاوزها ومن المهم
الاستفادة من تلك التجارب خاصة في عصر السرعة الذي نعيشه.
أيضا هناك تجارب فاشلة متكررة داخل الجالية الواحدة والتي يصر أبناؤها على
تكرارها بقصد أو دون قصد.
الإرث التنظيمي لأبناء الجالية الواحدة: وهو ما أصبح واضحاً بعد موجات الهجرة
الأخيرة من الداخل المحتل ومن المخيمات؛ حيث احتفظ كل فرد من أبناء الجالية
بالولاء لهذا التنظيم أو ذاك مع الاستعداد التام للدخول في مواجهات ومعارك مع
الآخرين نصرة لتنظيمه أو إفشال كل عمل يقوم به الآخر لأنه ببساطة سيكون إنجازاً
لهذا الآخر!
الجمود القاتل في عقلية من يدعون القيادة: وفي بعض الأحيان الجهل! حيث نجد أن
هناك من يتصدر للقيادة دون مؤهلات علمية أو شخصية قيادية، وفي كثير من الأحيان
جهل باللغة العربية ولغة الدولة المضيفة مما يؤدي إلى جمود ومقاومة للتغيير
وانعدام الاحترام لهذه الجالية.
انعدام روح المبادرة والتطوير: والتقليد الأعمى خاصة من قبل من يدعون قيادة
الجاليات.
محاولة ربط الجاليات بالمؤسسة الرسمية: ونعني هنا من يمثل السلطة؛ وتحديداً
الرئاسة في سلطة أوسلو، حيث ربطت بعض الجاليات نفسها ومن خلال دساتير قديمة
بالمؤسسة الممثلة للسلطة (وعدم التفريق بين دور الجالية ودور السفارة
والاتحادات التابعة لها)، وهو ما يُفقد هذه الجاليات الديناميكية المطلوبة
وحرية الحركة والعمل، ويقيدها بمواقف كثيراً ما تكون مرفوضة ومستهجنة.
انعدام الاستقلالية في صنع القرار: إما بسبب الربط بالمؤسسة السياسية الرسمية
أو الربط المادي مع جهة أو فرد أو بسبب الضغوطات الرسمية وغير الرسمية.
العزوف عن المشاركة: عزوف الكثير من أبناء الجالية عن المشاركة الفاعلة فيها
لأسباب منطقية أحياناً وغير منطقية أحياناً أخرى مما له التأثير على تمثيل هذه
الجالية.
أخيراً: غياب من لديهم القدرة على القيادة والتوجيه.
التساؤلات والشكوك مستمرة عن مصداقية الجالية وشفافيتها، وهو ما يضعف الثقة
فيها وبالتالي الامتناع عن المشاركة في نشاطاتها أو قيادتها.
هذه الأسباب ليست بأي حال شمولية بل هي مفتوحة للتعديل والإضافة والبحث
والتمحيص، ولكن حتى ننصف أنفسنا ولا نجلدها وحتى لا يكون النقد لمجرد النقد، لا
بد من الإقرار أن هناك بعض النجاحات والإيجابيات وإن كانت متفرقة وتعتمد
بالأساس على شخص أو اثنين كتجربة الجالية الفلسطينية بالنرويج حالياً، والتي
كان لها تأثير على الحياة السياسية في ذلك البلد وفي مواجهة الهجمة ضد
الفلسطينيين، كوقوفها في وجه حملة الباص يوم 18/6/2004. كما أننا يجب أن لا
ننسى وصول بعض أبناء الجاليات الفلسطينية إلى مواقع متقدمة نسبياً في الحياة
السياسية بالدول المضيفة كوصول فلسطيني عام 2001 من قضاء نابلس للبرلمان
الدنماركي على سبيل المثال.
أيضاً لا بد من التذكير بمؤتمرات فلسطينيي أوروبا والذي كان أولها مؤتمر برلين
يوم 15/5/2004 تحت إشراف مركز العودة الفلسطيني والذي شارك فيه مندوبون عن 28
جالية فلسطينية في أوروبا، وكان شعاره التمسك بحق العودة، وهو ما يعطي الأمل
بإمكانية تجميع الجاليات المبعثرة هنا وهناك. وقد لحق المؤتمر الأول مؤتمران؛
الأول في النمسا سنة 2005، والثاني في السويد سنة 2006، ويتم التحضير الآن
للمؤتمر الثالث في هولندا لسنة 2007.
دور الجاليات في أوروبا
يتميز الشعب الفلسطيني بوعي واقتدار ثقافي وفكري استحق على أساسه احترام وتقدير
كثير من الشعوب خاصة في الدول الأوروبية.
يقع على الجاليات الفلسطينية في أوروبا مسؤولية ليست بالسهلة وتختلف عن
الجاليات في مناطق الشتات لأسباب عديدة منها: القرب الجغرافي النسبي، حرية
التحرك والتعبير، سهولة التنقل بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، قدم
تواجد بعض هذه الجاليات التي وطدت ذلك التواجد، وأخيراً الإمكانات المادية
المجتمعة إن سخر لها أن تجتمع.
بشكل عام يمكن القول أن دور هذه الجاليات يتراوح بين النهوض بمستوى أبناء كل
جالية ثقافياً واجتماعياً وعلمياً وسياسياً، والتأكيد على الحقوق الثابتة وعلى
رأسها حق العودة والتواصل مع الوطن السليب فلسطين والتفاعل مع الجاليات الأخرى
والقضايا العامة التي تهم أبناء الجالية، يضاف إلى ذلك الانخراط في الحياة
السياسية للبلدان المضيفة والتحول إلى مجموعة ضغط خدمة لأبناء الجالية
وقضاياهم.
لو نظرنا لأحداث العام الحالي لوجدنا أن كل الجاليات تقريباً -مع استثناءات
محدودة- لم تقم بالدور المطلوب سواء على الصعيد المحلي الاجتماعي أو على مستوى
القضايا الساخنة والحساسة، وسأترك تفاصيل الدور والواجب المطلوبين للجزء الأخير
من هذه الدراسة.
عوامل النهوض بالجاليات
السؤال المهم: كيف يمكن إحياء الجاليات الفلسطينية في أوروبا والتي كاد دورها
أن ينعدم؟ وكيف يمكن الخروج من حالة التشرذم والتقوقع؟ خاصة أن الأحداث تتسارع
وعجلة التطور لا تنتظر ولا وقت لدينا لإضاعته في صراعات هنا وهناك، فقيادة
الجالية ليست صراعاً على مناصب أو تنافساً على الألقاب وليست ((تشريفاً إنما
تكليف)).
تطوير وإحياء الجاليات يتطلب وجود برنامج علمي ومهني واقعي قابل للتطبيق،
ويتطلب أيضاً وقفة لمراجعة ومحاسبة الذات وصولاً إلى مستقبل أفضل ضمن أساسيات
تشمل:
- تفادي أخطاء الماضي.
- التنظيم الدقيق والاستفادة من التجارب السابقة.
- استغلال قدرات أبناء الجالية المهنية والشخصية في عملية التطوير.
- الوضوح والانفتاح في العمل.
- نشر ثقافة التقييم والشفافية.
- تنمية الشعور بالانتماء للجالية، هذا الانتماء ليس اختيارياً ولا هو رهين
برغبة شخصية فكل فرد في المهجر والشتات عضو في جاليته.
- الاستقلالية والفصل التام بين الجاليات وأي مراكز قوى أخرى سياسية أو مالية
وإنهاء الهيمنة المستمرة من قبل المؤسسة الحاكمة الرسمية - من خلال مكاتبها
و((سفاراتها))- على الجاليات.
- الابتعاد عن القضايا الخلافية والتركيز على المبادئ المشتركة والمتفق عليها.
- التصدي لمحاولات التسلق والظهور.
- التواصل بين الجاليات في الدول المختلفة.
- تشجيع الشباب خاصة من يملكون مواهب وإمكانات قيادية والتخلص من العقلية
المتصلبة للحرس القديم.
- توحيد المفاهيم لدى أبناء الجالية الواحدة.
- التنسيق الميداني في كافة الأصعدة.
- التوعية السياسية لأبناء الجالية.
الخطوات العملية للتغيير
- بداية أي عمل وأهم عوامل نجاحه هو القيادة الصالحة والقادرة من خلال:
- قائد يتسم بشخصية مؤثرة ومهارات لتحقيق الأهداف المرجوة.
- مجموعة من الأفراد اللازمين لتحقيق تلك الأهداف.
- تنمية روح المبادرة.
- الإيمان بمبدأ العمل الجماعي.
- كما وتعتمد أساساً على التفاعل الحقيقي بين أبناء الجالية والمشاركة البناءة
في صنع القرار والمساهمة بجدية وصدق في نشاطات الجالية.
- أي برنامج عمل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الخصائص المميزة لكل جالية وبالتالي
تعديله وتطويره ليتلاءم مع احتياجات الجاليات المختلفة.