في ذكرى استشهاد الياسين والرنتيسي
النائب الدكتور صلاح البردويل: من يشكك في استمرارية حماس بالمقاومة لا يعرف
حقيقة الحركة
فلسطين/محمد يحيى
أكد الدكتور صلاح البردويل الناطق باسم ((كتلة التغيير والإصلاح))، البرلمانية
التابعة لحركة المقاومة الإسلامية حماس، أنه لا يمكن للتراجع أو التنازل أن
يدخل إلى قاموس الحركة، مشيراً إلى أن الحركة تستند في منهجها إلى المؤسسة
الشورية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يطغى رأي على آخر.
وشدد البردويل على أن حركة حماس مازالت تسير على النهج الذي سار عليه الشيخ
أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، ولم تتراجع ومازالت تحتضن البندقية.
- كيف ترى وضع حركة حماس بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين،
والدكتور عبد العزيز الرنتيسي؟
• دائماً وأبداً، الحركات الأصيلة تبنى على أساس من المبادئ والقيم يردف هذه
القيم ويثبتها الشخصيات البارزة التي تنتمي إليها وتحملها في صدرها، ومن المهم
جداً أن تظل هذه الشخصيات منارات وقيادات تلملم الصف، ولكن الأهم دائماً من
الأشخاص هو ثبات القيم والمبادئ ووضوح هذه الرؤية واستنادها إلى مرجعيات أصيلة،
لاسيما أن الحركة الإسلامية ترتكز في مرجعيتها إلى القيم الإسلامية والقرآن
الكريم، وهي من الثوابت التي لا يمكن أن تزول. فغياب ورحيل القادة العظام
المؤسسين أمثال الياسين والرنتيسي، ترك ندباً كبيراً في نفس كل إنسان ينتمي إلى
هذه الحركة، وترك ألماً كبيراً جداً، لكن هذا لا يعني إطلاقاً أنه أحدث خللاً
في تركيبة الحركة، لأن الحركة التي تركها لنا الشيخ الياسين والدكتور الرنتيسي،
هي حركة مؤسساتية، تقوم على مبدأ الشورى. لذلك فإن المؤسسات الشورية هي التي
تولد القادة، والتي تنتج الزعماء العظام، والتي تسد الفراغات، وتبقى القيادات
التي مضت وقضت في سبيل الله منارات، تولد في ذاكرتنا ونستلهم خطاها ونسير على
دربها.
- ما هو أثر فراق الشيخ والدكتور على الصعيد السياسي للحركة؟
• على الصعيد السياسي، فإن الشيخ أحمد ياسين كان عقلية فذة وشخصيته قادرة على
تجميع أكبر قدر من أبناء الشعب الفلسطيني بشكل عام، ومن أبناء الحركة الإسلامية
بشكل خاص. كما أنه يمتلك القدرة على أن يحبه جميع الناس، وعلى أن يحتوي ويستوعب
كل الاختلافات والتباينات في الرأي. ولا شك أن هناك منهجاً ورؤية واضحين
للحركة، ولكن تظل التباينات لدى الأفراد. وهذه الفروق الفردية موجودة في كل
ساحة وفي كل مجال، لكن دور القيادة العظمى هو أن توظف كل هذه التبيانات، الأكثر
تشدداً والأقل تشدداً منها، بشكل مميز، وتضع كل إنسان حسب طاقاته في مكانه
المناسب. فقد كان للشيخ هذا الدور العظيم، ومن المفترض أن قيادة الشيخ تظل
منسحبة على القيادات التي تليه. وربما ترك استشهاد الشيخ نوعاً من الفراغ، لكن
الذي عوّض هذا الفراغ هو المؤسسة التي تركها. ونحن نعتبر أن نظام الشورى يحصن
ويحمي من زلل الرأي في القيادة.
- كيف ينظر الفلسطينيون إلى حركة حماس بعد استشهاد الشيخ ياسين والدكتور
الرنتيسي؟
• ربما شهد الجميع كيف كانت ردة الفعل على استشهاد الشيخ والدكتور، وكيف أجمع
الشعب الفلسطيني بكافة شرائحه على رمزية الشيخ والدكتور، وكيف أصاب الحزن كل
إنسان فلسطيني له علاقة بالوطنية وبهذا الوطن. والواضح أن ياسين والرنتيسي تركا
فراغاً هائلاً في رمزيتهم في صفوف الشعب الفلسطيني، لكن هذا الفراغ لا يعني
إطلاقاً أن الشيخ ياسين قد غاب عن الساحة، أو أن الأسلوب الذي اتبعه ومارسه قد
غاب عن الساحة أيضاً، فنحن نلاحظ أن تلاميذ الشيخ، الذين تربوا في كنفه،
يمارسون نفس الأسلوب التوحيدي والذي يجمع قلوب الناس. وربما يشهد الجميع أن
اتفاق مكة الأخير هو جزء من النهج الذي سلكته الحركة من نهج أحمد ياسين
وعقليته. وفي هذا الإطار نتذكر أحد تلاميذ الشيخ وهو رئيس الوزراء إسماعيل هنية
والذي له نفس بصمات الشيخ بأسلوبه ورقته وقدرته على احتواء الآخرين وحب الآخرين
له.
- ما الدور الذي تميز به الدكتور عبد العزيز الرنتيسي في حركة حماس؟
• الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ورغم الصورة المعروفة عنه كرجل شجاع ومتشدد في
لغته، إلا أنه كان يتمتع برقة داخلية وبشاعرية بالغة، وأيضاً بالتزام كبير جداً
بقرار الشورى. كما أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يفرض وجهة نظره، حتى لو
خالفت وجهة نظر الآخرين، على الجميع. وكان يتمتع بأنه يخضع للشورى ويلتزم
بالمؤسسة، وهذه ميزة عظيمة لكل قائد، فالرنتيسي كان قائداً بمعنى الكلمة،
وشجاعاً ومتوكلاً على الله وقادراً على الدفاع عن قراره، ولكنه كان دائماً
يستأنس بالشورى، وكان يخضع دائماً لرأي الأغلبية.
- هل تعتقد لو أن الشيخ والدكتور كانا متواجدين بين أظهركم في هذه الفترة
الحالية، لوافقا على دخول حركة حماس الحكومة، وتوقيع اتفاق مكة الأخير؟
• بالتأكيد نعم، لا بد وأن نضع الجميع في النهج الذي كان يسير عليه الشيخ
والدكتور، فعندما تم الحديث عن الهدنة مع الاحتلال الإسرائيلي في حياتهما كان
التوجه نحو الهدنة. يتساءل البعض كيف يمكن للدكتور الرنتيسي بهذا الاندفاع
الثوري وبهذه الشجاعة أن يكف سلاحه ويوقف المقاومة ولو ليوم واحد. لكن هؤلاء
القادة كانوا يفهمون موضوع الصراع فهماً واضحاً، وأن الصراع ليس مجرد حمل
بندقية فقط، إنما هو نوع من التقدم والتأخر، ولكن فلسفة الصراع والجهاد تبقى
قائمة. وهذه الروح لا يمكن أن تلغى، وحقنا في المقاومة هو الأساس، وبعد ذلك كيف
تدار هذه الفلسفة وكيف يدار الجهاد، مرة بالعمل ومرة بالهدوء، ومرة بالهدنة
ومرة بالمشاركة السياسية، ففكرة المشاركة السياسية لم تكن غريبة عن الشيخ
والدكتور.
- ما رأيك بالقول إن ((حركة حماس تنازلت وتراجعت)) بعد استشهاد الشيخ والدكتور؟
• من الأمور التي لا يمكن أن تدخل إلى قاموس حركة حماس، بأي حال من الأحوال،
التراجع والتنازل. في الآونة الأخيرة تحدّث البعض باللمز عن حركة حماس، سواء من
قبل الظواهري أو من قبل كتابات هنا وهناك. وللأسف الشديد أن الذي يكتب ويشكك في
إمكانية استمرار حماس في المقاومة، هو إنسان لا يعرف حقيقة تركيبة حركة حماس،
ولا حقيقة المرجعية الثقافية والسياسية لها. وأعتقد أن تركيبة حماس ثقافياً
وسياسياً وتنظيمياً لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحدث فيها قرار تراجع. فلا
قرار تراجع ولا وقف عملي للمقاومة. فحركة حماس تعتبر أن المقاومة جزء أصيل وركن
أساسي، فإذا كانت الحركة تقوم على أركان، فالمقاومة هي الركن الأساسي لقيام
الحركة لاعتبارات دينية وسياسية خبرناها من خلال الخبرة مع العدو الصهيوني،
ولاعتبارات تخص طبيعة وتركيبة الشباب. ولذلك فإن روح المقاومة ظلت قائمة حتى في
عهد العمل السياسي والمشاركة السياسية، فحماس دخلت المجلس التشريعي ولم تسقط
البندقية من يدها، ودخلت أيضاً إلى الحكومة ولم تسقط البندقية من يدها، وقاتلت
العدو الصهيوني بقرار من وزارة الداخلية، وفقدت من خيرة شبابها في القوة
التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية. فحماس لم تفقد قرار المقاومة أبداً لا في
ظل حكومة وحدة وطنية، أو غير ذلك. إذن، تبقى القضية متى تقاوم وكيف تقاوم، وكيف
تستطيع أن تجني ثمار هذه المقاومة سياسياً وبالشكل الأمثل. وهذا يرجع إلى
حسابات حماس، ولا يحق لأحد أن يأتي في لحظة معينة ويختزل تاريخ حماس بتوقعات لا
تستند إلى ماضٍ ولا حاضر.
- ما رأيك بصدور بيانات باسم ((كتائب الشيخ أحمد ياسين)) تشير إلى أن هناك
انشقاقات داخل حركة حماس؟
• هذا جزء لا يتجزأ من الحملة السياسية التي تشن ضد حركة حماس. وأعتقد أن حركة
فتح لعبت هذا الدور وقيادات الانقلابيين في الفترة الماضية لعبوا هذا الدور
أيضاً، ومارسوا كل أساليب التشكيك ودق الأسافين بين قيادات حماس وكوادرها. فقد
قاموا بطبع البيانات وكتابتها وصياغتها، وكنا نحن في حركة حماس على علم بمن
يكتب هذه البيانات وينشرها، بالتالي من كان يقوم بهذه الأدوار واهم، فالإثبات
العملي أن حماس نفذت عملية الوهم المتبدد، ومارست أيضاً المقاومة في مدينة بيت
حانون بأروع بطولاتها. كما أن المجلس التشريعي الفلسطيني أصدر بياناً حيا فيه
المجاهدين الذين يواجهون الاحتلال، وبالتالي فإن حركة حماس ظلت ثابتة في كل
الاتجاهات، والذي يأتي بطريقة ساذجة ليكتب بياناً باسم ((كتائب الشيخ أحمد
ياسين)) أو غيره، هو إنسان واهم ولا يعرف مدى التماسك في تنظيم حماس، ولا يعرف
مدى معرفة وتواصل التنظيم، وبالتالي لا يمكن أن يخرج عن حماس شيء لا يعرفه شق
آخر، فالعسكريون والسياسيون والإعلاميون، وجميع الأطر في الحركة كلهم في
النهاية لهم مرجعية حركية واحدة.