عائلتا الياسين والرنتيسي:
السير على خطى الشهيدين أقل ما نقدمه لهما في هذه الدنيا
فلسطين/هداية محمد
تمضي الأيام وتتوالى السنون ويبقى الحنين للقادة العظام، وها هي الذكرى السنوية
الثالثة تطل علينا تحمل نسائم الشوق والذكريات لاستشهاد الشيخ أحمد ياسين
والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، اللذين أثّرا في الشعوب العربية والأمّة
الإسلامية، وصبرا على الأذى وعذابات السجون، لأجل أن يثبتا على الحق ولا يفرطا
بالمبادئ. وتبقى أقوالهما وأفعالهما محفورة في ذاكرة أبنائهما ليتشربها
أحفادهما ويكبروا ويسيروا على خطاهما بإذن الله تعالى، زارت ((فلسطين المسلمة))
عائلة كل من القائدين، والتي بدت عليهما ملامح الثبات وآثار القيادتين.
القدوة الحسنة
وصلنا في البداية إلى منزل الشيخ أحمد ياسين في حي الصبرة، ليستقبلنا نجله عبد
الحميد -الذي ما زال يعاني من إصابته التي أصيب بها يوم استشهاد والده- متحدثاً
إلينا في الذكرى السنوية الثالثة لاستشهاد والده قائلاً: ((نحمد الله عز وجل أن
أكرم والدنا بالشهادة التي كان يتمناها ويسأل الله دائماً أن يرزقه إياها)).
واستدرك عبد الحميد قائلاً: ((إننا في غياب الشيخ نفتقد أشياء كثيرة، منها
الحنان والنصيحة والعلاقات الطيبة بالناس ومساعدتهم، حيث أننا سابقاً كنا نقدم
المساعدة لمن له حاجة، سواء كان طالب جامعة أو طالب مال للزواج أو غيرها)).
وأوضح عبد الحميد أن الشيخ كان له أثر كبير عليهم من حيث التربية الصالحة
والقدوة الحسنة في كل أقواله وأفعاله والتي يحاولون تطبيقها الآن في حياتهم،
وقال: ((كان والدي يحرص على العلم ويدفع بأحفاده لذلك، فإذا ما تفوق أي من
أطفالنا يتوجه لجده الشيخ أحمد ليشجعه ويعطيه الجوائز والهدايا من باب
التحفيز)).
ولفت نجل الشيخ الشهيد الانتباه إلى حب والده الياسين للعلم لما له من أثر كبير
على المجتمع، حيث أنه أنشأ مدرسة ((دار الأرقم)) الخاصة لتخريج الأجيال
القادمة، مستذكراً أحد المواقف قائلاً: ((جاء أحد المدرسين يشكو الطلبة وعدم
استجابتهم للعلم، وقال: هؤلاء الطلبة لا يفهمون، فقال له الشيخ: هؤلاء أطفال
لديهم عقول، ولكنها بحاجة لمن يتعامل معها ويفهمها ويعلمها، ولذلك عليك القيام
بهذا الدور والصبر على الطلبة)).
وأكد عبد الحميد أن الشيخ أحمد ياسين كان عنده رؤية مستقبلية مأخوذة من ثقته
بالله عز وجل وإيمانه العميق بنصر الله وقال: ((الكثير من الناس يقول لو أن
الشيخ ما زال حياً لما دخلت حماس الانتخابات ولا الحكومة، ولكن كل ما يحدث من
تطورات على الساحة الفلسطينية فيما يخصّ حركة حماس كان معروضاً على الشيخ، فعمل
حركة حماس عمل شوري ولا يسير على أهواء أحد الأفراد، صحيح أنه القائد والزعيم
لهذه الحركة، إلا أن ذلك لا يعني التفرد بالقرارات، وإنما يسير وفقاً لقوله
تعالى: وأمرهم شورى بينهم)).
أما أحمد أحد أحفاد الشيخ فقال: ((كنت عندما أعود من المدرسة أتوجه بسرعة إلى
جدي الشيخ وأطلعه على درجاتي، فيسعد لي ويعطيني الجوائز ويحثني على حفظ القرآن
الكريم والأحاديث النبوية، وكل هذا أفتقده اليوم إلا أن والدي يعمل على تطبيق
ذلك والحمد لله)).
جلسات وتوجيهات
وتقول زوجة ابنه التي أصبحت تفتقد الآن جلساته التربوية والروحانية التي وصفتها
بالممتعة: ((كان عمي الشيخ أحمد ياسين يجمعنا دائماً نحن وأبناءه وبناته
وأحفاده ويحدثنا كأصدقائه، يوجه إلينا النصائح في فن التعامل مع الآخرين حتى
نكسبهم لدعوتنا وكل ما يفيدنا في حياتنا، بالإضافة إلى أنه كان يغرس في قلوبنا
حب الله عز وجل)).
ودعت إلى وحدة الشعب الفلسطيني التي كان يحرص عليها الشيخ أحمد ياسين، وتجميع
الجهود والسير على خطى الشيخ، من أجل تحرير الأرض المقدسة وعودة المسجد الأقصى.
تقول ابنة الشيخ أحمد ياسين وزوجة الشهيد خميس مشتهى الذي ارتقى مع والدها:
((كان لوالدي مواقف عظيمة ورائعة في حياتنا، فهو ليس كالآباء الآخرين، لأنه كان
يعامل كل فرد بما يناسبه، تجده الصديق للكبير والصغير يوجهنا ويبني شخصيتنا
بأفعاله وأعماله، وإذا ما قصرنا في شيء ينصحنا بإصلاحه)).
وتواصل خديجة حديثها قائلة: ((إن أبي رغم انشغالاته والأعباء الكثيرة عليه، إلا
أنه كان يحرص على لقائنا والجلوس معنا ويعطينا الندوات ويحثنا على تلاوة وحفظ
كتاب الله تعالى، بالإضافة إلى التثقيف الذاتي بالقراءة في الكتب المتنوعة
وسماع الأشرطة، إلى جانب الرحلات العائلية التي كان يخرجنا بها، فكان مطبقاً
لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)).
وكان دائماً يقول ((أملي أن يرضى الله عني))، والحمد لله كان دائماً يتمنى
الشهادة وقد نال ما تمناه.
وبنبرة تعبّر عن الحزن وألم الفراق تقول ابنة الشيخ سمية: ((إن الفراق صعب
والجرح كبير وعظيم، ولكن الله أعظم، وقد أحب عبده واصطفاه وأناله ما تمناه، حيث
أن أبي كان دائماً يردد: أملي أن يرضى الله عني ويرزقني الشهادة)).
أما المصلون فتجدهم يفتقدون اليوم إلى الصوت الندي الذي يتلو القرآن، والكلمات
المضيئة وهي تخرج من فم الشيخ أحمد ياسين تحثهم على الإخلاص والعمل بما في كتاب
الله عز وجل، فإذا ما دخلت مسجد المجمع الإسلامي الذي أسسه الشيخ أحمد ياسين،
تجد كل مصل يحاول الاقتداء بشخص أخلص لله عز وجل، وعمل على إيصال دعوته في
أنحاء الوطن دون كلل أو ملل رغم حالته الصحية وإعاقته الجسدية.
صدق ما عاهد الله عليه
وبعدما انتهينا من زيارة عائلة الشيخ أحمد ياسين انتقلنا إلى منزل الدكتور عبد
العزيز الرنتيسي، ليستقبلنا أحفاده عبد العزيز وابن عمه أيضاً عبد العزيز. وبعد
جلوسنا رحبت بنا جدتهم أم محمد وهي تتذكر زوجها الدكتور عبد العزيز الرنتيسي
قائلة: ((نحن في هذه الأيام نشمّ عبق الشهادة، وتهب علينا نسائم الجنة من بعيد
في ذكرى الشهيدين اللذين فارقانا؛ الياسين والرنتيسي، وغيرهما من الشهداء الذين
تركوا هذه الحياة الدنيا وأبوا إلا أن يرتقوا إلى عليين، حيث أنهم الآن عند
الله وما عند الله خير وأبقى)).
وقالت في الذكرى السنوية الثالثة لاستشهاد الدكتور الرنتيسي: ((مخطئ من ظن
يوماً أن الذين فارقونا يختلفون في المنهاج عمن هم على الساحة الآن، بل كلهم في
نفس الدرب ولا تنطبق عليهم إلا الآية التي تقول: ((من المؤمنين رجال صدقوا ما
عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً))، فإذا
كان هؤلاء الأبطال الذين فارقونا هم الذين قضوا نحبهم، فهؤلاء الذين في
التشريعي والحكومة هم الذين ينتظرون، وأقول لهم ثبتكم الله وأعانكم على
أمانتكم)).
وأوضحت أم محمد أنه حينما فارق الدكتور الرنتيسي هذه الدنيا كان يعد مراسيم
زواج ابنهما أحمد، فأكملت المسير وزوجة أحمد وأكرمه الله عز وجل بعبد العزيز،
ومحمد أكرمه الله بعبد العزيز أيضاً وبنان، مشيرة إلى أن ولدها محمد الآن خارج
البلاد ليكمل دراسة الطب التي بدأها في عهد والده.
وقالت أم محمد بنبرة تعبّر فيها عن فخرها بأنها زوجة الرنتيسي: ((أتذكر ذلك
الرجل العظيم الذي ترك بصماته في كل أمر من أمور الحياة، بعزته وإبائه وبتفانيه
في خدمة الدعوة إلى الله عز وجل بكل ما يحمل من أخلاق الرسول صلى الله عليه
وسلم))، مشيرة إلى أنها أحياناً تشعر بالتقصير وأنها بحاجة إلى همة أكبر لتصل
إلى ما كان عليه الدكتور عبد العزيز الرنتيسي.
وأضافت: ((ليست هذه البصمات فقط عليّ أنا وحدي، بل على أبنائه وبناته. فحينما
يذكرون أباهم يذكرون الإخلاص والشجاعة والعزة والإباء والهمة العالية، التي
كانت تفوق ذرى الجبال)).
ولفتت الانتباه إلى أن كثيراً من المواقف التي تخص حياتها الأسرية تتساءل: ماذا
لو كان أبو محمد بيننا ماذا كان سيفعل؟ ومن هذا المنطلق نتصرف وكأنه موجود، حيث
أنه يضحي بكل شيء لأجل الله عز وجل، مشيرة إلى أنها كانت ترى فيه تطبيق قوله
تعالى ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين))، مؤكدة أنه المثل
المحسوس المرئي في تطبيقه لأخلاق سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) والذين
يعملون على تطبيقها في حياتهم الآن.
وأكدت أم محمد على احترام الدكتور الرنتيسي للمرأة وأنه أكرمها واحترمها أماً
وأختاً وزوجة وابنة، وأنه كان يعنيه أن تجد المرأة لها كيانها وشخصيتها
المستقلة. وتقول وهي تستذكر كيف كان يعاملها: ((لا أذكر في أي مقام وفي معظم
الأحيان أنه قال لي افعلي ولا تفعلي، بل كان يمثل القدوة الحسنة ويترك لي
الخيار في تطبيق كل الأمور بنفسي بعيداً عن التبعية)).
وتوجهت أم محمد برسالة لأبناء الأمّة العربية والإسلامية تحثهم فيها على العمل
لنصرة المسجد الأقصى، وإعادة العزة للإسلام والمسلمين، وتطبيق الإسلام في
حياته، وأن يسأل كل واحد منهم نفسه ماذا قدّم لإعادة العزة لهذا الدين؟ وختمت
حديثها بسؤال وهو أما آن الأوان لنقف صفاً واحداً تتكاتف فيه الجهود وتتآلف فيه
القلوب حول منهاج واحد هو منهاج الله نطبقه سياسة وجهاداً وأخلاقاً ومعاملات؟
الثبات على الحق
وتأثر أحمد الذي أصيب في محاولة اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الأولى
بأبيه كثيراً، ويحدثنا عن ذلك قائلاً: ((كان لأبي أثر كبير في تربيتي، تعلمت من
قوة شخصيته وصلابته وثباته على الحق وتأديته فرض الجهاد، خاصة ونحن نرزح تحت
الاحتلال الصهيوني)).
وأكد أحمد أنه كلما خاضت حركة حماس الانتصارات يتذكر الشيخ أحمد ياسين ووالده
بخطاباته التي كانت تبشر بالنصر، والمنطلقة من كتاب الله عز وجل الذي حفظه وسنة
نبيه، حيث أنه كان لا يخشى إلا الله ولا يأبه لا بالسجون ولا بالتهديدات
الصهيونية الدائمة له بالقتل.
وأكد أحمد أن والده كان قدوة له في أقواله وأفعاله التي يعمل الآن على تطبيقها
والتي من بينها صلته للرحم وزيارة الآخرين وحسن التعامل معهم، حتى وإن كان هناك
اختلاف في الرأي، وقال: ((لقد كان والدي، ونعم الأب، متبعاً التربية الإسلامية
في تربيته لنا، وباراً بوالدته وواصلاً لرحمه، وهذا كله يترك أثراً كبيراً في
نفوسنا)).
وفي ختام حديثه قال: ((أتوجه عبر مجلتكم؛ هذا الصرح الإعلامي الذي يعمل على نقل
الحقيقة والتي كنت أسمع اسمها منذ كنت طفلاً، للأمّة العربية والإسلامية وخاصة
فئة الشباب بأن انفروا في سبيل الله لتحرير المسجد الأقصى الذي دنسه الاحتلال
الصهيوني ويعمل كل يوم على تهويده وهدمه)).