فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Apr2007
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
وجه وحدث
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
الغلاف1
الغلاف2
الغلاف3
تقريــر
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون العدو
قضايا
أسبوع الشهداء1
أسبوع الشهداء2
أسبوع الشهداء3
رأي
شؤون دولية
الملف1
الملف2
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
صورة معبّرة
مساهمات
أقوال وأرقام
أشواق الحرية
رسائل من الوطن
لوحات فنية
لحظة
هدية العدد

 

قضايــا

 

يوميات صحافي فسلطيني في قطاع غزة:
أمضيت 12 ساعة على سقف إحدى الحافلات أنتظر الخروج
ونصطف في طوابير كـ((الدواب)) للتفتيش

فلسطين/خاص
الحياة في غزة، لمن لا يعرف، عادت بفعل الاحتلال وحصار الأخوة الأشقاء سنين طويلة إلى الوراء، بفعل انعدام أبسط مقومات الحياة الطبيعية في حدها الأدنى، هذه اليوميات يكتبها فلسطيني غزيّ مقيم هناك؛ حيث الألم والأمل، والموت والحياة، والخوف والثبات، أكتبها لعل فلسطينيي غزة ينعمون بتضامن عاطفي، ومواساة إنسانية، ودعوة في ظهر الغيب لكل من يقرأ هذه السطور، بأن يخفف الله عنهم ما هم فيه من كرب ومحنة.

ممنوع الدخول والخروج

أول مقومات الحياة المفقودة في غزة، يتمثل في الإغلاق المحكم للمعابر، فالقطاع لمن لا يعرف، توجد على حدوده عدة معابر، معبر بيت حانون (إيريز) شمالاً، وهو خاص بالعمال الذين أوصدت أمامهم سبل العيش الكريم، وتحصيل لقمة الرزق حتى لو كانت من ((الخواجا)) المحتل، ومعبر المنطار (كارني) شرقاً الخاص بدخول البضائع والمواد التموينية، ومعبر (صوفا) جنوباً الخاص بالتصدير والاستيراد، وأخيراً معبر رفح، وما أدراك ما معبر رفح، الخاص بسفر الغزيين إلى خارج القطاع لباقي دول العالم.
معبر بيت حانون مغلق منذ سنوات، ولا يسمح لعامل واحد بالمرور للعمل داخل الخط الأخضر، إلا إذا رضي الخواجا الإسرائيلي، طبعاً لا يدخل العمال إلا بعد أن يمروا بسلسلة طويلة تبدأ ولا تنتهي من الإجراءات الأمنية والتفتيش العاري والمذل، من قبل جنود ومجندات الاحتلال فيما يعرف بنظام ((الحلابات))، وهي تستخدم بالعادة لصف ((الدواب)) في طوابير لبيعها أو ذبحها!!
معبرا المنطار وصوفا تحظر (إسرائيل) إدخال البضائع التموينية والسلع الأساسية عبرهما لداخل القطاع، كجزء من تجويع الفلسطينيين، وتحت ذرائع أمنية واهية، تخوفاً من إدخال أسلحة أو تهريب مسلحين عبر الحاويات الكبيرة التي تدخل أو تخرج من القطاع، وهكذا تبقى (إسرائيل) تنتظر حتى ساعة الصفر بحيث لا يتبقى في القطاع سوى مواد تموينية تكفي ليوم واحد فقط، ومن ثم تسمح بإدخال جزء يسير من البضائع..
طبعاً هذا الحصار يعني أن تعاني العائلات من فقدان مواد وسلع أساسية داخل البيوت، كالدقيق والأرز والسكر، وبالتالي يلجأ الغزيون خاصة الفلاحين منهم لشراء الخبز الجاهز من الأفران، ومع ذلك تقفل هذه الأفران أحياناً أبوابها في وجوههم، لأن مخزون الغاز قد نفد لديها في ظل استمرار الحصار، وبعدها ماذا يأكل الغزيون؟
يأكلون ما تدلهم عليه ذات ((القرائح)) التي تفتقت عن أساليب إبداعية خارقة في مجال المقاومة، بحيث يبدؤون استبدال الخبز (المفقود) ببعض الوجبات كالمعكرونة والأرز بالحليب والمفتول، بالمناسبة في ظل هذا الحصار المطبق، من الطبيعي أن تتنبه بعض النفوس المريضة من التجار الاحتكاريين ليستغلوا الفلسطيني المنهك من خلال رفع بعض الأسعار، مثال بسيط: أنبوبة الغاز الطبيعية ارتفع سعر تعبئتها إلى عشرة دولارات! سعر الكيلو الواحد من الدجاج (الفروج) وصل إلى خمسة دولارات!!

معبر الموت في رفح

ثاني مقومات الحياة المفقودة يتمثل في قصة المعابر مثل ((صديقنا)) معبر رفح، ومعبر رفح يا سادة يا قراء لمن لا يعرف، هو الرئة الوحيدة للعالم الخارجي لقطاع غزة الذي يضم أكثر من مليون فلسطيني، لا داخل ولا خارج إلا من خلال معبر رفح، ولذلك من الطبيعي أن ترى الازدحام والضغط وهذا أمر طبيعي ومتفهم وبالإمكان التعامل معه في الظروف الطبيعية، خاصة في فصل الصيف حيث إجازات المدارس والجامعات، وعودة المغتربين، وزيارة الأهالي.
لكن أن تجتمع هذه الظروف مع إغلاق تعسفي للمعبر من قبل الإسرائيليين، فهنا حدِّث ولا حرج: المعبر أغلق فعلياً صباح الخامس والعشرين من حزيران الماضي، تخوفاً من إقدام المقاومين آسري الجندي الصهيوني على تهريبه خارج القطاع.. إلا أن الأمر لم ينعكس بصورة كبيرة لا على الجندي ولا على آسريه، الآثار السلبية الكارثية انعكست على ((الغلابة)) الطلاب والمرضى والزوار، لاسيما وأن المعبر بقي مغلقاً إغلاقاً محكماً قرابة الشهرين لم يخرج منه فلسطيني واحد.
فالطالب معرّض للانقطاع عن دراسته ومستقبله الذي بدأ بالتحقق رويداً رويداً، والمريض قد يواجه خطر الموت إن لم يسافر لإجراء عمليات جراحية تعجز عنها مستشفيات غزة، والزائر المغترب قد يطرد من البلد القادم منه أو يفقد وظيفته بعد انتهاء إقامته. هؤلاء موجودون داخل قطاع غزة وينتظرون بفارغ الصبر فتح المعبر للخروج من هذه الظروف القاتلة، فما بالنا بالمسافرين الذين علقوا على الجانب المصري من المعبر، ماذا تراهم فاعلون؟
هؤلاء عدة مئات من الغزيين المسافرين، ممن تنتهي سفرتهم خارج القطاع، ويريدون العودة إليه مرة أخرى، ولا يسمح لهم بسبب إغلاق المعبر، وبالتالي يضطرون للانتظار في الجانب المصري منه مما قد يكلفهم الشيء الكثير، فمنهم من انتهت نقوده ولا يستطيع تحمل نفقات مالية أخرى، ومنهم المريض الذي انتهت كمية الدواء معه، ومنهم من معه زوجته وأبناؤه وبناته، وبالتالي بقاؤهم معه أياماً وأسابيع متواصلة بين مئات الشبان والرجال دون أن تكون هناك ظروف إنسانية (نسبياً)، يوقعه في ورطة وإحراج لم يكن يتمناه لأعدائه.
طبعاً مكان الانتظار على الجانب المصري للمعبر عبارة عن صالة مساحتها لا تتجاوز 150 متراً مربعاً تضم بين جدرانها مئات الفلسطينيين، رجالاً ونساء، أطفالاً وشيباً، شباباً وصبايا!! حمامات مشتركة، لا وجود لمكيفات هوائية، ولا نوافذ طبيعية لإدخال الهواء، وأخيراً أخيراً الصالة مغلقة، غير مسموح لك بالخروج منها بالمطلق إلا إذا حان أوان سفرك، حتى لو استغرق ذلك أياماً وليالي طويلة. من يزور هذه الصالة يقرأ على جدرانها أبياتاً من الشعر وخواطر شخصية يكتبها كل من يحل ضيفاً غير مرغوب فيه على هذا المكان، يستعيرون فيها كل شتائم نزار قباني وهجاء أحمد مطر في عرب 2007!
المشكلة الكبرى التي واجهت الغزيين، أنه خلال الأسابيع الأولى من العام الجديد أعلنت (إسرائيل) أنها ستفتح أبواب المعبر ولعدة أيام فقط، وليس للجميع، ولكن لمن تنطبق عليهم معايير محددة وهم الطلاب في الخارج، والمرضى الحاصلون على تحويلات طبية، والمغتربون الزائرون من ذوي الإقامات في الخارج، ويملكون تأشيرات للدول العربية. الأمر الذي استنفر جميع من يودون السفر، حيث ذهبوا عدة مرات منذ ساعات الصباح الأولى ومنهم كاتب المقال بانتظار موعد افتتاح المعبر، ليفاجأوا عند الساعة الثامنة إلا دقيقة واحدة بتراجع (إسرائيل) عن قرارها وإغلاق المعبر لدواعٍ أمنية!
طبعاً في هذه الحالة، جميع من يعمل في المعبر من فلسطينيين وأوروبيين ومصريين، ليس أمامهم سوى الاستجابة للقرار الإسرائيلي، ولا يتعدى دورهم دور ساعي البريد (البوسطجي) الذي يوصل القرار لآلاف الفلسطينيين الذين يتوافدون أفراداً وعائلات للظفر بالسفر من خلال المعبر!!
فرجت، أخيراً حين أعلنت (إسرائيل) عن فتح المعبر في بداية شباط/فبراير الماضي، حيث تقاطر آلاف المسافرين على بوابة المعبر وبات المئات منهم على أرض المعبر في هذا البرد الغزي القارس، ليتمكن الواحد منهم من حجز دور له في هذه الزحمة المميتة، بدأ الناس يتوافدون واستقلوا الحافلات المعدة لهم، وحين امتلأت الحافلات اضطر مئات آخرون إلى اعتلاء سقف الحافلة والبقاء عالياً وإلى جواره أطنان من حقائب المسافرين.
كاتب هذه السطور كان ممن اضطرته (إسرائيل) و((رجولة)) الفلسطينيين والعرب الرسميين لأن يعتلي ظهر إحدى الحافلات والبقاء لأكثر من 12 ساعة ما بين ظلام دامس وبرد مميت ليلاً، ومطر غزير نهاراً، بالمناسبة من المحظور علي المرور عابراً على هذا المشهد الدامي، فخلال انتظار دام أياماً متواصلة على بوابة المعبر، سجلت عدة حالات وفاة وإغماء لحقت ببعض المسافرين، وخاصة العجائز والحوامل.

لا كهرباء في 2007

ثالثة الأثافي في قطاع غزة، تتمثل في انقطاع التيار الكهربائي، فمنذ أواخر حزيران/يونيو الماضي أقدمت (إسرائيل) بصورة هستيرية على ضرب محطة التوليد الكهربائية الوحيدة في القطاع، وبالتالي كتب على الغزيين أن يعيشوا أياماً وليالي بدون كهرباء، أي بدون وسائل تهوية كالمراوح والمكيفات صيفاً، وبدون إضاءة ليلية، وبدون وسائل تدفئة شتاء، هكذا يعيش القطاع في ظلام دامس، فيما تنعم بلاد العرب بإضاءة في عواصمهم ليل نهار.
انقطاع الكهرباء يعني لنا في غزة أشياء كثيرة؛ ومنها أن تعاني حراً شديداً وبرداً قارساً لن تستطيع تحمّله، وأن تفسد وجبات الطعام التي تخزنها ((النساء الغزيات)) في الثلاجات ووسائل التبريد، وخاصة أن الوجبة الواحدة قد تكفي ليومين وثلاثة، فقلة ذات اليد لا تسمح بإحضار وجبة غداء كل يوم في ظل الحصار الظالم المفروض على شعب أراد ان يعبر عن إرادته بالتغيير والإصلاح! وأن تنقطع عن أخبار العالم الخارجي، فلا تلفزيونات ولا أجهزة راديو، وأن يعيش الناس أجواء رعب حقيقية، فقد تستغل القوات الإسرائيلية الخاصة هذا الظلام لاجتياح بعض المناطق، والناس غارقون في تدبير أحوالهم بإضاءة شمعة هنا، وشراء مصباح كيروسين هناك. كما أن انقطاع الكهرباء يعني أن تضطر المستشفيات لتقليص وجبات العلاج الكيماوي لمرضى السرطان، وغسيل الكلى للمصابين فيه.

الفتنة الداخلية الملعونة

لم تكتف (إسرائيل) بكل ما اقترفته قواتها ضد غزة وأهلها، من حصار ومذابح وتجويع، فقد فشلت في كل وسائلها تلك في ((تثوير)) الغزيين على حكومتهم المنتخبة، وأخفقت مخططات الآنسة ((كوندوليزا)) في إحداث مظاهر الفوضى الخلاقة التي تحلم بها في فلسطين لإسقاط حكومة حماس، وبالتالي ماذا يفعل القوم؟ لجأوا إلى أزلامهم وعصاباتهم المنتشرة في شوارع غزة وأزقتها لينفذوا ما عجزت عنه آلة الحرب الإسرائيلية، وملايين الدولارات الأمريكية، فهبوا في وقت واحد وخطة منسقة أشرف عليها المنسق الأمريكي لقوات الأمن الفلسطينية الجنرال ((دايتون)).. تصوروا؟!
لم يكن يكفي أهل غزة كل ما هم فيه من بلاء عظيم، وحصار ظالم، لتطل برأسها تلك الفتنة الملعونة، ويطلق الفلسطيني النار على أخيه وابن عمه وجاره وصهره، وتحاصر فيه المؤسسات التعليمية ومفخرة غزة وفلسطين الجامعة الإسلامية، وتحرق بأيدي تتار العصر ومغول 2007، وتوضع الحواجز العسكرية لتعيد أمجاد جمهورية ((الفاكهاني)) في غزة هذه المرة، ويفتح معبر رفح أخيراً، ليس لإدخال المواد التموينية والأدوية الطبية، ولكن لإمداد حرس الرئاسة العتيد بالأسلحة والعتاد اللازم لمواجهة الحكومة الخارجة عن السياق الأمريكي الإسرائيلي!
أوضاع كارثية لا يعلم بها إلا الغزيون، ولا يكابدها إلا أبناؤهم، ولا يتحمل تبعاتها سوى أطفالهم... وليسمح لي شاعرنا العربي بتحوير بيته الشعري الذي يقول فيه:
لا يعرف (الشوك) إلا من يكابده
ولا (المرارة) إلا من يعانيها

 

 
 
 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003