الاتحاد الأوروبي والحكومة الفلسطينية الجديدة
احتمال تعديل الوسائل دون إلغاء الضغوط ما لم يظهر موقف عربي جديد
بون/نبيل شبيب
حين صدرت المواقف الغامضة نسبياً عمّا يسمّى اللجنة الرباعية الدولية أثناء
المشاورات حول اتفاق مكة وبعده، اتضح وجود خلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية
والأطراف الأخرى، بمن في ذلك الأوروبيون، حول الخطوات التالية بصدد التعامل مع
حكومة جديدة برئاسة إسماعيل هنية. كما بدأت تُطلق تصريحات عربية وغربية، تنوّه
بوجود خلاف بين واشنطن والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ممّا بدا أنه يستهدف من
جهة التأكيد أنه تراجع عبر اتفاق مكة عن بعض مواقفه السابقة، ويستهدف من جهة
أخرى ممارسة الضغوط على فتح للتشدّد في عملية تشكيل الحكومة الائتلافية مع
حماس، وربّما لدفعها في اتجاه الإخفاق النهائي مع كل ما يمكن أن يترتّب عليه من
مخاطر في الداخل الفلسطيني. وقد وصلت الأمور في النهاية إلى سلسلة لقاءات
أمريكية إسرائيلية مع عباس، تأكيداً على الاستعداد للتعاون مع طرف دون آخر في
الحكومة القادمة.
الخلافات الأوروبية-الأمريكية مقترنة بوجود خلافات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه
بشأن الموقف الجديد المطلوب تجاه الطرف الفلسطيني، وسط انتشار الاعتقاد بضرورة
تطوير الموقف الأوروبي بالقدر الذي يقابل ما تحقّق من تطوّر في الموقف
الفلسطيني، وعلى التحديد موقف حماس، بالمنظور الأوروبي.
ويؤخذ من مسلسل التصريحات الأوروبية الصادرة في مناسبات متعدّدة خلال النصف
الأول من شهر آذار/مارس 2007، أن الهدف منها هو التأثير المباشر على مجرى
المفاوضات الجارية لتشكيل حكومة فلسطينية جديدة وصياغة برامجها، أكثر من هدف
بلورة الموقف الأوروبي الجديد، أو التطبيق العملي الذي لا يبدو أنه سيتخذ صيغة
نهائية قبل اكتمال تشكيل الحكومة، التي يتردّد ساعة كتابة هذه السطور أنّه
سيستغرق بضعة أيام أخرى.
ويبدو الفارق كبيراً بين موقفين صادرين عن وزير الخارجية الألماني فرانك
شتاينماير، الذي ترأس بلاده الاتحاد الأوروبي في الدورة الحالية، وكان الأول
عقب اجتماعه مع وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني، مؤكّداً ((تجنّب
الحلول الوسطية)) ومبدياً موافقته على مطالب الوزيرة الإسرائيلية بأن يتمسّك
الاتحاد الأوروبي بسلوك طريق المقاطعة والحصار إلى أن تلبّي الحكومة الفلسطينية
((مطالب الرباعية بصورة كاملة))، فجميع ما أتى به اتفاق مكة لا يحقّق مطلب
الاعتراف المطلق ولا الالتزام المطلق بالاتفاقيات السابقة، فضلاً عن التخلّي
نهائياً عن ((استخدام العنف)).
أمّا الموقف الثاني فكان عقب القمة الأوروبية يوم التاسع من آذار/مارس الماضي،
وفيه التأكيد على لسان شتاينماير أن ((الفلسطينيين أقدموا على خطوات هامّة في
الاتفاق)).
دعم مشروط
على أن اتجاه الريح تبيّن مسبقاً أثناء التصريحات الأولى للوزير الألماني، فقد
رافقها قول مفوضة الشؤون الخارجية فيريرو فالدنر، إن الاتحاد الأوروبي ينوي دعم
الحكومة الفلسطينية الجديدة جزئياً، ولكن ((في الإمكان تقديم دعم أكبر وأشمل
إذا لبّت شروط المجتمع الدولي)). والمقصود شروط الرباعية، التي يتكرّر ذكرها
باستمرار، وهذا الموقف هو الذي صدر رسمياً عن لقاء القمة لاحقاً، وسط تصريحات
((متفائلة)) من جانب المستشارة الألمانية آنجلا ميركل، وإعراب الرئيس الفرنسي
جاك شيراك عن أمله في ((أن يؤدّي اتفاق مكة إلى التفاهم والسلام والاستقرار،
وهو جدير بالإشادة)).
ويبدو أن تكثيف المحادثات الإسرائيلية مع الرئاسة الفلسطينية يرتبط بمحاولة
ممارسة ضغوط إسرائيلية على الأوروبيين أيضاً للحيلولة دون تعديل سياستهم تجاه
الحكومة الفلسطينية، وهذا ما يؤخذ من محضر جلسات سبق أن عقدتها وزيرة الخارجية
الإسرائيلية ليفني مع نظرائها الأوروبيين في بروكسل، وجاء فيه أن مواقف فرنسا
وإسبانيا وإيطاليا وفنلندا، إذا أوصلت إلى إسقاط ((شروط الرباعية))، فسيؤدّي
ذلك -حسب قولها- إلى تمييع الفوارق بين من أسمتهم معتدلين ومتطرفين من
الفلسطينيين، وبالتالي لا فائدة من متابعة المحادثات المعنية مع ((المعتدلين))
آنذاك، مما اعتبره الأوروبيون تهديداً بقطعها.
ويبدو من الأجواء السائدة في الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية، انتشار
الاقتناع بأنه لم يعد يمكن الاستمرار على التشدّد في مواقف المقاطعة والحصار
بعد أن بدأت تنشر سخطاً عربياً متزايداً، علاوة على ظهور استحالة أن توصل هذه
السياسة إلى تلبية فلسطينية للمطالب القصوى المطروحة من جانب اللجنة الرباعية
بمشاركة الأوروبيين، وإن ساهمت تلك السياسة في انزلاق الوضع الفلسطيني في اتجاه
حرب أهلية، لا يمكن أن تحسم مجرى الأحداث على النحو الذي يريده الإسرائيليون
والقوى الغربية الداعمة لهم، أي القضاء على حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، أو
الحدّ من نفوذها وشعبيّتها على الأقل.
ويتناقض هذا الاقتناع الأوروبي المرجّح مع النظرة الإسرائيلية والأمريكية إلى
اتفاق مكة، إذ تتركّز على القول إن الضغوط الشديدة أدّت إلى تراجع حماس جزئياً،
فلا بدّ من استمرار الضغوط لانتزاع مزيد من التنازلات، ويبدو أن الإدارة
الأمريكية التي وجدت نفسها مضطرة إلى تليين مواقفها جزئياً تجاه سوريا وإيران،
لا تريد أن يقترن ذلك في هذه المرحلة بأي صيغة لتليين مواقفها المتعنّتة في
قضية فلسطين، وقد يكون القصد من ذلك ((التفرّغ)) للجانب الفلسطيني لاحقاً، إذا
أمكن الوصول إلى درجة ما من تحييد المواقف الإيرانية والسورية إقليمياً.
تناقض
وعلى أية حال يظهر أيضاً التناقض الجديد ما بين المواقف الأوروبية -والروسية
أيضاً- والمواقف الأمريكية بعيداً عن التصريحات السياسية الرسمية، كما أنه لم
يعد يقتصر على وسائل الإعلام. وهذا ممّا كشفت عنه ندوة حوار بمشاركة عدد كبير
من المسؤولين السياسيين الإسرائيليين والأمريكيين والأوروبيين، وتناولت الأوضاع
في المنطقة عموماً، وقد صدرت خلال اللقاء مواقف ((التفاؤل)) عن عدد من
المسؤولين الألمان، بمن فيهم المستشارة ميركل وإن أكّدت ضرورة مزيد من تطوير
العلاقات الألمانية-الإسرائيلية. كما صدرت مواقف النقد الشديد للسياسة
الأمريكية عموماً وفي العراق تخصيصاً، كالتي وردت على لسان وزير الخارجية
الألماني السابق يوشكا فيشر. وبالمقابل طرح الإسرائيليون وعدد من مناصريهم
بصورة شبه مطلقة، الإحساس بالقلق الشديد تجاه العودة إلى مناقشة أصل ((حقّ
إسرائيل في الوجود بعد 60 سنة على قيامها)) كما ورد على لسان رئيس جامعة تل
أبيب إيتامار رابينوفيتش وغيره. وهي مناقشات لم تعد تقتصر على الجانب الإيراني
الذي أبرزها للعيان من خلال مواقف أحمدي نجاد، والأرجح أن قسطاً كبيراً من
المساومات الجارية مع طهران تركّز على انتزاع موقف رسمي في قضية فلسطين يمكن أن
يبدأ مثلاً بصيغة ((الإعلان الرسمي عن القبول بما يقبل به الفلسطينيون))، وهو
المدخل الذي نقل معظم الدول العربية سابقاً في اتجاه الاعتراف والتطبيع، كما
ساهم في نقل القضية المشتركة إلى مسألة صراع فلسطيني-إسرائيلي.
من العسير حتى الآن التنبؤ بحجم ((اللين)) المنتظر في السياسة الأوروبية، وإن
جرى التأكيد مراراً أن الأحداث الجارية في ((الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي))، هي
المحور الذي يجب إعطاء الأولوية للاهتمام به من أجل إعادة الاستقرار إلى
المنطقة، بعدما صنعته حرب احتلال العراق والسياسات الأمريكية فيها. كما يصعب
التنبؤ بالهدف الأبعد من المضمون المحدود الذي تقول به المواقف والقرارات
الرسمية بصدد ((التعامل مع الحكومة الفلسطينية الجديدة)).
موقف عربي
ومن المؤكّد أن السياسة العربية الإقليمية التي لم تستطع أن تتجاوز نفسها حتى
الآن، ولم تنتقل من مستوى اتخاذ قرارت كلامية في لقاءات القمة وسواها بشأن
((رفع الحصار)) عربياً، لا تمثل عاملاً مشجّعاً للأوروبيين، إن لم نقل إنه عامل
سلبي، يمكن أن يظهر الأوروبيين في مظهر الحرص على الفلسطينيين أكثر من
((الأشقاء العرب))، في حالة أقدموا قبل الدول العربية على تخفيف الحصار المفروض
دولياً. وبهذا الصدد يمكن أن يلعب الموقف العربي خلال لقاء قمّة آذار/مارس
دوراً مؤثّراً على الموقف الأوروبي، لا سيّما بعد أن كان عقد اتفاق مكة بوساطة
الدولة العربية التي تستضيف هذا المؤتمر.
والواقع أن جوهر الاختلاف الأوروبي-الأمريكي أو الأوروبي-الإسرائيلي قائم على
الوسائل الأجدى اتّباعها وليس على الهدف الغربي القائم على صياغة الشروط
المعلنة في قالب التهديد والقطيعة والإنذار تجاه الطرف الفلسطيني. وبالتالي فإن
تعديل الموقف الأوروبي الرسمي من الحكومة الفلسطينية لن ينطوي على الأرجح على
إلغاء الإجراءات المتخذة سابقاً، بشأن الاتصالات والدعم المالي، إنما يمكن أن
يتسع نطاق هذه الاتصالات شكلياً، وأن يخفف حجم القطيعة بحيث لا تزيد في التأثير
على عامّة الفلسطينيين بصورة مأساوية، لا سيّما وأن ما ينتقل من ذلك بصعوبة
بالغة -نتيجة التعتيم الإعلامي- إلى الرأي العام الأوروبي والأمريكي، يزيد
تدريجياً من تحميل السياسات الأمريكية والإسرائيلية المسؤولية عن أن ((السلام))
في المنطقة أصبح أبعد من أي وقت مضى، وأن السخط الشعبي على الغرب عموماً، وليس
على الأمريكيين فقط في ازدياد مستمرّ. وهنا تريد السياسة الأوروبية أن تتميّز
عن الأمريكية من حيث اللهجة التي تستخدمها، دون أن يتبدّل الكثير من حيث
مضمونها ونتائجها. ولا يمنع ذلك من وجود دول أوروبية على استعداد للمضي خطوات
أبعد في الانفتاح على الطرف الفلسطيني، بغضّ النظر عن موقف حماس من ((شروط
الرباعية)) وعدم تجاوزه بعض الخطوط الحمراء فلسطينياً على الأقل.