الطريق إلى أين؟؟
حكومة الوحدة الوطنية في مواجهة ملفات وقضايا مفصلية
القدس/مها عبد الهادي
بعد مرحلة من المخاض نشطت خلالها القوى والتنظيمات والفصائل الفلسطينية في
تسمية مرشحيها لتولي المناصب الوزارية على أساس ((المحاصصة)) نجحت جهودها
بتشكيل حكومة الوحدة المنتظرة التي توجت بإعلان رئيس الوزراء الفلسطيني المكلف
(إسماعيل هنية) بنجاح الحوار بشأنها، وقام بتسليم الرئيس محمود عباس هذه
التشكيلة التي حازت القبول.
ووصف هنية تشكيلة الحكومة بأنها شملت أوسع شريحة سياسية، وأن خارطتها خارطة
وطنية ضمت كل الفصائل والقوى والكتل البرلمانية والمستقلين والمرأة الفلسطينية.
ولم تكن ردود الفعل التي صدرت في أعقاب نشر النص الحرفي لبرنامج حكومة الوحدة
الفلسطينية مستهجنة، خصوصاً في الجانب الصهيوني الذي توالت تصريحات ساسته تطالب
بمقاطعة الحكومة الجديدة.
وكتبت صحيفة ((يديعوت أحرونوت)) في موقعها على الشبكة أن الناطق بلسان وزارة
الخارجية الصهيونية مارك ريغيف قد قال إن الحكومة الفلسطينية غير ملتزمة بشروط
الرباعية الدولية، ولم تتنصل من العنف ولا تعترف بالإتفاقات السابقة التي وقعت
مع الدولة العبرية. وأضاف أن حكومته لن تتعاون مع الحكومة الجديدة، وأنه يأمل
أن ((تصر الرباعية الدولية على شروطها وترفض التعاون مع الحكومة الفلسطينية)).
ويدرك الفلسطينيون على اختلاف تلاوينهم أن أي اتفاق أو حتى حديث عن وحدة وطنية
فلسطينية ليس فقط لا يريح ولا يرضي الاحتلال، وإنما من شأنه أن يدفعه نحو عمل
حربي واسع النطاق، فمصلحة الاحتلال دائماً في النزاعات والخلافات والحرب
الأهلية الفصائلية الفلسطينية، وليس في التفاهم والوحدة. وهذا فعلاً ما لمسه
الفلسطينيون بعد التوجه التفاهمي الوحدوي الفلسطيني في اتفاق مكة المكرمة على
لسان الشخص الأوسع نفوذاً والأشد تأثيراً على دائرة صنع القرار السياسي
والعسكري في الدولة العبرية، وهو يوفال ديسكين رئيس جهاز المخابرات الصهيونية
الداخلية ((الشاباك))، الذي اعتبر أن ((نجاح الفلسطينيين في تشكيل حكومة وحدة
وطنية يعني أنه يتوجب على إسرائيل أن تتحرك فوراً للعمل عسكرياً في القطاع ضد
حركة حماس)).
وليس من قبيل المبالغة القول أن اتفاق مكة، وفقاً للمعطيات والقراءات المختلفة،
أدخل الحكومة الصهيونية في حالة من الارتباك، فهي لم تستعد لهذا السيناريو ولم
تتصوره.
وموقف الإدارة الأمريكية لا يختلف كثيراً، إذ إنها أبدت غضبها من الرئيس محمود
عباس، بسبب عدم استجابته للمطالب الأمريكية قبيل توقيع اتفاقية مكة، والمتمثلة
بعدم تشكيل حكومة لا تعترف بالدولة العبرية ومعارضة أن يكون على رأس هذه
الحكومة شخصية من حماس.
الفلسطينيون ينتظرون التغيير
أما الفلسطينيون ورغم وجود فئة ترى بأن المراهنة على حكومة الوحدة الوطنية هي
مبالغة كبيرة، بشأن إمكان إسهامها بإخراج الساحة الفلسطينية من الأزمة المعشعشة
فيها، وقولهم أنه من السابق لأوانه التكهّن بإمكان نجاح هذه الحكومة في المهمات
التي تقع على عاتقها بالنسبة لإدارة الأوضاع الداخلية للسلطة الفلسطينية في
الضفة والقطاع، إلا أن الغالبية العظمى من الشارع الفلسطيني أبدت ارتياحاً
وتفاؤلاً بتشكيل هذه الحكومة من غالبية القوى الفلسطينية.
وإذا ما تجاوزنا حجم التعقيد في الأزمة الفلسطينية الراهنة، بمعطياتها
الداخلية، وبتوظيفاتها الإقليمية والدولية، وبجوانبها التاريخية، السياسية
والتنظيمية، فإن التوافق على هذه الحكومة، كما هو معلوم، جاء على خلفية تصاعد
الخلافات الفلسطينية إلى مرحلة الاقتتال المتبادل، وفي إطار محاولة كل جانب
اتهام الجانب الآخر بتبنّي سياسات لا وطنية، سواء بالتبعية للدولة العبرية، أو
بالتبعية لأجندة إقليمية، وبعد إدراك الطرفين لعبثية حل القضايا الخلافية،
وضمنها قضية ازدواجية السلطة، بوسائل الاحتراب الداخلي.
ومن هنا نبعت أهمية اتفاق مكة الذي حقق عدة أهداف: فهو من ناحية منع استمرار
الاقتتال والصدام الدموي الذي شمل الأجهزة الأمنية، الرسمية وغير الرسمية،
والمجموعات المسلحة التابعة لكل من حركتي فتح وحماس. وثانياً أنه أعاد إطار
الإختلاف والصراع السياسي الى المؤسسات الرسمية، بدلاً من الشوارع، بما يسمح
بإمكانية حماية أسس النظام السياسي الديمقراطي، رغم النواقص الكبيرة التي
تعتريه.
وأخيراً في توفيره لأساس سياسي كافٍ، وفي حدود التوافق الممكن لإختراق الحصار
السياسي الدولي على الحكومة، وإتاحة الفرصة لسحب حجة غياب الشريك الفلسطيني في
عملية سياسية معطلة بفعل الارادة الصهيونية - الأمريكية.
ولذلك سعت جميع الأطراف للترويج لموقفها من اتفاق مكة عبر سلسلة من اللقاءات
والجولات المكوكية على الساحة العربية والدولية حفاظاً على إنجازاته وتمهيداً
لإنجاح حكومة الوحدة الوطنية التي أعلن تشكيلها لاحقاً.
مواقف الفصائل
من ناحيتها اعتبرت حركة حماس أن حكومة الوحدة الوطنية هي مصلحة فلسطينية سوف
تنطلق من خلالها لتحقيق المصلحة الوطنية الفلسطينية دون تقديم أي تنازل للطرف
الصهيوني أو الخضوع لشروط أمريكا والرباعية. ومن هنا انطلق رئيس المكتب السياسي
للحركة خالد مشعل في جولته الدبلوماسية التي لاقت نجاحا وطرقا لأبواب جديدة
كانت القاهرة محطتها الأولى تلتها روسيا وإيران لحشد الدعم لاتفاق حكومة الوحدة
الوطنية.
أما ((فتح)) التي ترى أن اتفاق مكة ومن ثم حكومة الوحدة إنما هي تلبية لشروط
اللجنة الرباعية التي سببت في حصار الحكومة التي شكلتها ((حماس)) فقد انطلق
رئيسها محمود عباس في جولته الدبلوماسية والتي شملت أربع عواصم أوروبية ذات
تأثير مباشر ومهم بقرار الاتحاد الأوروبي على رأسها بريطانيا وألمانيا وفرنسا،
علاوة على كل من الأردن ومصر والإمارات العربية المتحدة وهي مهمة بالقدر ذاته
في التأثير على القرار العربي والتزامه بتبني الاتفاق ودعمه على طريق قبوله
دولياً.
ومما لا شك فيه أن اتفاق مكة قد خلق انقسامات في الموقف الأوروبي، هذه
الانقسامات يمكن فهمها وتفسيرها بالقدر الذي يقترب أو يبتعد منه بعض هذه
البلدان من الموقف الأمريكي - الصهيوني، الذي سجل منذ البداية تحفظات على
الاتفاق واعتبره غير كافٍ ولا يلبي شروط اللجنة الرباعية، والمواقف المعلنة
التي صدرت عن عديد من العواصم الأوروبية التي تعكس هذا التناقض أو التباين يمكن
اعتبارها مؤشرات لاحقة على مستوى التعامل والتعاون مع حكومة الوحدة الوطنية
الفلسطينية باعتبارها نتاجا لهذا الاتفاق، وقد يكون الموقف الفرنسي الأبرز من
حيث الوضوح بالموقف الذي اعتبر الاتفاق وتشكيل الحكومة على أساسه خطوة أولى نحو
تلبية مطالب المجتمع الدولي.
التحديات الداخلية
لكن المعيار الحقيقي لفشل أو نجاح حكومة الوحدة الجديدة سيكون بالتأكيد
التحديات الداخلية. بالنسبة للفلسطينيين، فإن حكومة الوحدة الوطنية تحديداً سوف
يتحدد مستقبلها بناء على المواقف والتحديات الداخلية، لذا فإن هذه الحكومة
ستكون مطالبة بإحداث تغييرات حقيقية تتناول العديد من الجوانب، ربما يقف على
رأسها التحدي السياسي.
فهذه الحكومة ستكون مطالبة بعدم الاستمرار في الآلية السياسية القائمة على
المفاوضات الثنائية والرعاية الأمريكية الكاملة لها، شأن الحكومات التي سبقت
الانتخابات التشريعية الجديدة. فتلك المفاوضات كما تأكد للجميع لم تؤد إلى
النتائج المرجوة، وستشكل فشلاً إضافياً في حال انتهاج مثيلاتها، سيتحمل
مسؤوليته الرئيس واللجنة التنفيذية التي يدير التفاوض باسمها. وفي مقابل ذلك
الإصرار على العودة إلى مجلس الأمن، وإعادة الملف إليه، بما في ذلك الإشارة إلى
أن ((خارطة الطريق)) لم تعد صالحة. وكذلك الحال بالنسبة للجنة الرباعية ذاتها،
التي تشكلت بقرار من مجلس الأمن عام 2002، وحدد لها القرار أهدافاً ملموسة
تعهدت بإنجازها خلال ثلاث سنوات، وفقاً للتقرير الرسمي للأمين العام للأمم
المتحدة المقدم إلى مجلس الأمن في كانون الثاني/ديسمبر 2002. والذي ورد فيه ما
يلي: ((إن اللجنة الرباعية أعلنت اعتزامها على عقد مؤتمر سلام دولي، يركز على
الهدف المبين في القرار 1397، وإنها توصلت إلى الأهداف المحددة وهي: دولتان
ديمقراطيتان تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن، ووقف تام ودائم لأعمال العنف
والإرهاب، وإنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967، ووقف إقامة المستوطنات، وإصلاح
المؤسسات المدنية والأمنية التابعة للسلطة، وإجراء انتخابات، واختتام مفاوضات
التسوية النهائية بشأن القضايا المعلقة في غضون اطار زمني محدد، مدته ثلاث
سنوات.
من هنا يبقى السؤال المطروح أمام حكومة الوحدة الوطنية، كيف يمكن لها أن تحافظ
على المشروع الوطني الفلسطيني بثوابته، دون التنازل عن أي من هذه الثوابت،
ومنها حق الشعب الفلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية في حدها الأدنى في حدود
الرابع من حزيران/يونيو 1967. وسيكون أمام حكومة الوحدة ملف المسجد الأقصى
والاستيطان والأسرى واللاجئين، وكيفية التعامل مع هذه القضايا، وسيكون أمام هذه
الحكومة تحدي رفع الحصار السياسي عن الشعب الفلسطيني وحكومته.
أما على صعيد الحكومة وأولوياتها فينبغي التنبه بأن الحكومة الجديدة ليست لجنة
متابعة عليا جديدة، بل سلطة تنفيذية للبرامج والخدمات التي تؤثر على واقع
ومستقبل الشعب الذي تحكمه. وعليها أن تقدم هذه البرامج والخدمات، في نطاق
المتاح، بأولويات واضحة، وتوجهات واضحة، وبشفافية كبيرة، وبما يخدم برنامج
اصلاح حقيقي في الأداء الحكومي الفلسطيني. لذلك، فإن المطلوب، بالتحديد، ليس
فقط برنامج الحكومة العام، وإنما خطة محددة لذلك تكون بدايتها خطة المئة يوم
الأولى التي ستبرهن الحكومة فيها للمواطنين عن توجهات حقيقية لتحسين أوضاعهم،
في إطار توجه شامل وحقيقي للإصلاح في مجالات الأمن والقانون ووقف حال الفلتان
والفوضى الأمنية، عبر تعزيز جهاز الشرطة الفلسطينية، وملاحقة كل من يقومون بهذه
الأعمال وتقديمهم للقضاء.
ولا يقل الملف الاقتصادي أهمية، فهو أحد التحديات الكبيرة أمام حكومة الوحدة
الوطنية، فارتفاع نسب البطالة والفقر وتدني مستويات المعيشة وتدهور الواقع
الاقتصادي من التحديات التي تنتظر حكومة الوحدة الوطنية، والتي يتأمل المجتمع
الفلسطيني منها أن تعمل على كسر الحصار الاقتصادي، ووقف التدهور في النظام
الاقتصادي الفلسطيني من الناحية الهيكلية والاجتماعية.
وإلى جانب هذه الملفات سيكون هناك ملف الإصلاحات الإدارية، وملف منظمة التحرير
الفلسطينية، وملف العلاقات الخارجية.
من هنا نقول إنه ورغم حالة التفاؤل الموجودة إلا أن اختلاف الأجندة السياسية
بين حركتي ((فتح)) و((حماس))، والتوظيفات والمداخلات الإقليمية والخارجية التي
سبق الحديث عنها ستظل تضغط وتفعل فعلها، بين آونة وأخرى، وعند كل منعطف
واستحقاق، للحؤول دون تحقيق توافقات سياسية مشتركة وطويلة الأمد في الساحة
الفلسطينية فهل سيكون الفلسطينيون على قدر هذا التحدي. ربما الأيام القادمة هي
من سيكشف ذلك؟!.