|
تحت سماء بنت جبيل
صدقت النبوءة إذ فاضت بها أفواه الكاذبين!
وتراءى الفجر ماءً للظامئين، فأرضنا الطهور آلمها المخاض غير أن وليدها كالمسيح
أتى بالبشارة، فعهد النور في الشرق الجديد بدأ مع أول دم جنوبي أراقته
الصواريخ، وكلمات الوليد انطلقت من فم الزمن رصاصاً ورجالاً يلاحقون الموت
بأيدٍ من حديد!
صدقت السوداء قلباً إذ انتظرت صراخ وليد الأرض! غير أنها ظنته مسخاً بقوتها
مهدد، ففوجئت بوجه سماوي يزرع الأرض بجنود محمد!
هو عهد للسلاح، تضمّد بحصاده الجراح! هو وجه الطفلة التي ما انفكّت تسأل عن سر
الموت الذي يتساقط بالنار من السماء ويهدم كل شيء! ويقتل كل شيء! ليتفحّم
الأحمر القاني على أعين المفجوعين بأنفسهم وأمتهم إذ يتفرّجون على أشلاء
الطفولة وهم يغرقون فرادى في خواء نفوسهم.. يدينون الموت في الجنوب، ويبرّؤون
صانعيه بلا حياء! يخافون الناس وحريّ بهم الخوف من رب السماء.
فاذرفي إن شئت دماً.. يا أمة باعها نخّاسوها بلا ثمن! وهي تتفرّج من بعيد وقد
تناثرت طفولتها على صدر الأرض أشلاء! فضمّها التراب بكاء، وضم الصامتين دودُ
الأرض والعفن!
لم يستطع عدونا رغم جوع الحقل أن يخلع آمال السنبلة! نشر بين ركام البيوت الموت
وارتعاشات القتلة! غير أنه ما استطاع خلع طفل من بين ذراعي أمه وقد سكنهما
البرد، فابتسمت في دفء الضمة هيبة الموت!
ظنّوا الصبر يتطاير كفراشات أوهامهم من بين أصابع المجاهدين حين سقطت الدفاتر
والكلمات الصغيرة، واحترقت بين الركام والرماد (البكلة) والضفيرة، ففوجئوا
بهم.. من بطن الأرض يخرجون.. أنفاسهم القنبلة! ولكل الفارين من طريق الله خزي
المنافقين.. وبرد المقصلة!
قالتها الأشلاء في قانا، بأي ذنب يا رب العرش تُسفك دمانا، أيأمن على نفسه من
سفك دماء الآمنين؟! ويخرّ الصابر في برده معذباً مهاناً.. أم يلوك النصر من
تجرّع دم الصغار على أبواب مطامعه، وارتدى جلودهم كي لا يجاهر بين الناس
بعريه.. فأتاها الرد صبراً أفرغته على الصامدين السماء، وثباتاً عز مثله لمن
أراد وسط النار الثبات.
الأيام القادمة في جعبتها الكثير، والكثير من الحراك سنشاهد للمنافقين! وكما
تسير الثورة في عروق الأرض تسير الصفقات والمساومات ويمكر بكل الجد الطغاة،
فويل للذين لم يفهموا المعادلة الجديدة، حيث لم تعد (إسرائيل) الفزّاعة التي
تفرّ منها الأنظمة بحجة موازين القوى فهذه أثبتت فشلها، ووقف الجندي الإسرائيلي
عارياً إلا من خوفه، هزمته الأشلاء وهي تصعد على أكتاف الوعد بالجنة، عرّاه
رصاص المجاهدين المتوضّئ بدمعهم وهم يسألون الله الشهادة! وكل شيء يسبّح
بالدعاء من حولهم..
هذه الحرب أفرزت تاريخاً جديداً تحسب الأمور على ضوئه، ليقف الإسلام -في
الشوارع الثائرة المسكونة بهاجس النصر- واحداً متوحداً أمام عدو يدعمه أهل
الأرض بأسرهم، تاريخاً يبدأ به ميلاد الثورة! فالزمن لا يرجع إلى الوراء، ولن
يغمض عينيه من رأى الجيش المدجج بالسلاح يفر من صيحة (الله أكبر)..
الصمت هذه المرة لن يطول، فالأيام القادمة ستشهد مزيداً من التضحيات، وسيبدو
الزمن أشد قسوة، غير أن سلاح المؤمنين في كل الأزمان الصحوة!
فلننفض عن أنفسنا الغبار، ونبدأ بسياحة من نوع آخر، سياحة تحيي بركام البيوت
ورماد الحرائق أرواحنا، دعونا نقف تحت سماء بنت جبيل، فكم سبّحت من أجلها
السماء، ومارون الراس إذ عفرت رأس العدو بترابها، وعيترون وعيتا الشعب، هذه
أسماء تعشقها الذاكرة! وسيحفظها التاريخ عن ظهر قلب، وسيحفظ لأهلها الصامدين
رجولتهم في زمن تهتك فيه أعراض المسلمات على أعين الحكّام الخائفين..
المقاومة الإسلامية زرع الله أخرجه، وما من يد تملك -من بطن أرض بارك الله
فيها- أن تخلعه! وعروش الكرتون ستخلعها الشوارع التي تغلي بالغضب، إن وقفت في
طريقها وهي تسير صوب القدس، حيث البوابة التي تفضي إلى السماء.. حيث الأقصى
والمسرى، وحيث يتصافح بالوجد الشهداء..
جهاد الرجبي
|