محمد الزعتري مصور ((الأسوشييتد
برس)) في جنوب لبنان:
كثيراً ما بكيت وكثيراً ما رميت الكاميرا من أجل إنقاذ الضحايا
ياسر علي/جنوب لبنان
مصور صحفي محترف، يعشق الكاميرا، ويصنع الصورة..
حركته الدائمة تصعب مجاراتها، انقطع حديثنا أكثر من مرة، بسبب مرور قافلة
للدفاع المدني ومرة بسبب تصوير طارئ..
في هذه الحرب ترك التصوير أكثر من مرة وتحول إلى منقذ لضحايا العدوان في كثير
من الأحيان، واكب الأحداث حيثما تحدث، انتقل بين صور وصيدا والنبطية وبنت جبيل
وقانا.. روى لمجلة ((فلسطين المسلمة)) ما لم تروِه الصور، وحكى مشاهداته
وانطباعاته عن الوحشية في القتل، وكيف تعرض للخطر، وكيف بكى..
رغم أنه ما زال يعاني من إصابة منذ أكثر من عشرين عاماً، إلا انه لا يتوانى عن
اقتحام مناطق الخطر للتصوير..
تعرض مع بعض مصوري وكالة ((أب)) لاتهامات موقع بريطاني صهيوني بالتواطؤ في صور
مجزرة قانا (الخبر موجود في مكان آخر من هذه الصفحة).
المشاهدات.. المجازر.. اللحظات المتجمدة.. الحقد الصهيوني.. وقبل وقف إطلاق
النار دار بيننا الحوار التالي:
- المصور الصحفي محمد الزعتري، أين كانت ساحات تحركك
خلال الحرب؟
• لم يكن هناك ساحة محددة، كنت أتحرك مع الحدث وحيثما أمكن. في البداية، كانت
تحركاتي في صيدا وضواحيها، ثم انتقلت إلى صور، ومن صور إلى بنت جبيل بعد
المعارك الطاحنة، ثم تحولت إلى النبطية، وأنا أكلمك الآن من النبطية (الحديث
جرى عبر الهاتف).
- ما هي المحطات والمشاهد البارزة التي صورتها في هذه الحرب؟
• هناك صور طبعت في ذاكرتي قبل أن تخرج إلى القراء وستبقى بعدها.. فقد وصلت إلى
القصف الأول على الغازية، وصورت القتيل في سيارته وهو يحترق..
وقبلها مجزرة مروحين، التي ذهب ضحيتها 23 شهيداً من عائلة واحدة.. في هذه
المجزرة يظهر الحقد الصهيوني، حيث تدرك معاينة المكان والدماء أن الطائرات قتلت
من قتلت ولاحقت من نجا واختبأ بين الصخور، وكم حفر في ذاكرتي مشهد الأم التي
استشهدت وهي تحتضن ابنتها، فكانا متعانقين في الحياة والشهادة.
كما لا أنسى مجزرة الغسانية التي وقف الوالد يلوم نفسه لأن ابنته رجته أن تذهب
معه لتساعده في شراء الأغراض، ولكنه لم يأخذها، وحين عاد بعد نصف ساعة وجد
البيت ركاماً وقد أخذتها الطائرات الغادرة، وكان يقول ((بالقليلة كنت طلعت
بهالبنت من الخمس شهداء!!)). وكذلك مجزرة الغسانية وزفتا وقانا وصريفا والنبطية
وكفرجوز والنميرية..
مجزرتا الغازية الأولى والثانية حيث راح ضحيتهما 33 شهيداً، لا أنساهما. لا
أنسى الأطفال الذين تقطعت أوصالهم بالقصف اللئيم الذي تشعر بحقده وتأثيره في
النفس.. أذكر ملاك الجبيلي الطفلة الشقراء ابنة السنتين، لونت الدماء وجهها.
واستشهدت البنت وكانت مع أهلها، وحين أخرج الأب من تحت الأنقاض، قال: كلنا فداء
المقاومة..
ومن المجزرة ذاتها أذكر صور عمليات الإنقاذ العجيبة والجهد الكبير لإخراج
جريحين من تحت الأنقاض بعد 12 ساعة من القصف.
- أخبرني أحد زملائك أنكم تركتم الكاميرات أكثر من مرة. فمتى حدث ذلك؟
• نعم، في المرة الأولى، لا أنسى حين رأينا القصف على منطقة الرميلة في بداية
الحرب، عندما استهدفت الطائرات سيارة (فان) للركاب، وقتلت عائلتين مؤلفتين من
أحد عشر شخصاً فيه. يومها وصلت مع زميل لي قبل فرق الإنقاذ، وسمعنا من السيارة
التي كانت تحترق أنين أحد الركاب، فاقتربنا ووجدناه يتحرك بين القتلى، وأخرجناه
بعيداً عن النيران، حتى وصلت فرق الإنقاذ وأخذته. وصورنا باقي المجزرة.
هناك حالة لا تغيب من بالي، هي الحاجة ديبة إبراهيم، فيوم تقهقر الاحتلال عن
بنت جبيل، قررنا أن ندخل إلى بنت جبيل من طريق قصيرة، وكنا ثلاثة مصورين أنا
وعلي حشيشو (NTV) وأمين شومر (المنار)، ووصلنا قبل فرق الإنقاذ الذين كانت
طريقهم مقصوفة ووعرة فلم يستطيعوا الدخول، ووجدنا الحاجة ديبة إبراهيم مُلقاة
على الأرض لا تتحرك، ولما اقتربنا منها، كانت في شبه غيبوبة، لم تسألنا من نحن
ولا كيف جئنا، قالت ((شربوني ميّ))، ولم نجد معنا ماء وسمحنا لأنفسنا أن نأخذ
بعض العصائر والماء من المحال التجارية المكسرة، وعندما شربت شكرتنا ودعت لنا
وطلبت منا أن ننقلها من مكانها، ولم نجد حمّالة جرحى فقطعنا مسافة تصل إلى
كيلومتر واحد حيث سيارات الإنقاذ، ونقلنا الحاجة ديبة إبراهيم.
وحين وصلنا إلى ساحة البلدة، أخذنا ننادي على أهلها، فبدأ كبار السن يخرجون
إلينا من بين الأنقاض، ويتقدمون نحونا طلباً للنجدة، فتركنا الكاميرات والتصوير
وأخذنا نحمل الجرحى على ظهورنا لنوصلهم إلى فرق الإنقاذ.
تمرّ ساعات على المصوّر يكره الساعة التي حمل فيها الكاميرا ليرى هذه المشاهد،
وينسى المهنة من اجل واجبه الإنساني.
- وجّه موقع إنترنت بريطاني صهيوني إليك مع زميليك في ((الأسوشييتد برس)) ناصر
ناصر وليفتيريس بيتاراكيس تهمة التلفيق في نشر صور مجزرة قانا، فما ردكم على
ذلك؟
• الغريب في جرأة هذه الأطراف أنها لا تسأل عن عملية القتل، بل عن توقيت
التصوير، ويفكرون في أي ساعة التقطت الصور وليس في أي ساعة ((التقطت)) المجزرة.
لم يسألوا عن أكثر من ستين شهيداً، منهم أكثر من ثلاثين طفلاً، بدا لنا أنهم
قُتلوا اختناقاً، حيث كانت أفواههم وأنوفهم مليئة بكميات كبيرة من التراب، كأن
أحداً حشاها بها.. بل سألوا عن الصور.
ولم يسألوا عن ضمير القاتل، بل عن ضمير المصور الذي كان يبكي أثناء التصوير.
- هل حدث أن بكيت أثناء التصوير؟
• كثيراً ما كانت ((تغبّش)) الصورة أمامي، فأنتبه إلى دموعي وارتجاف يدي
أحياناً، فأترك التصوير، وأرتاح قليلاً قبل أن أتابع، إنها حقاً مهنة المتاعب.
أب ورويترز وفرانس برس ترفض
التشكيك بصور مذبحة قانا
رفضت وكالات الأنباء ((أسوشييتد برس)) و((رويترز)) و((فرانس
برس))، ادعاءات موقع بريطاني على شبكة الانترنت بأن ثمة خداعاً في الصور التي
التقطت في قانا بعد المذبحة التي ارتكبها الاحتلال، وذلك بحجة الاختلاف في
الأوقات المحددة لبث تلك الصور.
وكان موقع EU Referendum قد أشار إلى صورة لمصور الوكالة ليفتيريس بيتاراكيس
لفتاة ميتة في سيارة إسعاف، بثت في الساعة السابعة والدقيقة الحادية والعشرين
صباحاً. وثمة صورة أخرى للفتاة نفسها وهي تنقل إلى سيارة إسعاف، التقطها مصور
آخر للوكالة نفسها هو محمد زعتري، بثت في الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة
والعشرين. وعند الساعة العاشرة والدقيقة الرابعة الأربعين، بثت صورة لمصور
الوكالة ناصر ناصر للفتاة إياها من دون وجود سيارة إسعاف.
وألمح الموقع إلى أن تلك الصور تستهدف إحداث تأثير سلبي ما هو غير موجود في
الواقع، وهو ما تلقفه مسؤول أحد البرامج الحوارية ويدعى راش ليمباو، معتبراً أن
((أولئك المصورين يسعون بوضوح إلى المشاركة في الدعاية)).
ورداً على تلك الاتهامات، شددت ((أسوشييتد برس)) على أن الوقت الذي يرافق
الصورة قد يكون مضللاً، ذلك أنه يشير إلى متى تم بثها وليس التقاطها. وقالت
نائبة رئيس ((أسوشييتد برس)) والمسؤولة التنفيذية عن التحرير كاثلين كارول،
((يصعب تخيل كيف أن شخصاً يجلس في مكتب مكيف أو في استديو على بعد آلاف الأميال
من موقع الحدث، يمكن أن يقرر ما حدث على الأرض بأي درجة من الدقة))، مشيرة إلى
أن تجربتها الشخصية تؤكد أن المصورين المحترفين يكتشفون ما إذا كان أحدهم يحاول
أن يورطهم في عمليات خداع مماثلة.
وأوضح مدير التصوير في الوكالة سانتياغو ليون، أن التوقيت المرافق للصورة لا
يعني شيئاً بالضرورة، ذلك أن الصور لا تبث بشكل تتابعي زمنياً، بل بحسب قيمتها
والسرعة في تحريرها.
وقال مدير قسم التصوير في الشرق الأوسط في وكالة فرانس برس باتريك باز، من
جهته، ((هل تعتقدون حقاً أن هؤلاء كانوا ليخاطرون بحياتهم تحت القصف الإسرائيلي
من أجل إقامة مراسم حفر لأطفال لبنانيين قتلى؟))، مضيفاً ((أنا مذهول تماماً
للسؤال أساساً، ولا يمكنني أن أتخيل أن أحداً يمكن أن يفكر أن شيئاً من هذا
القبيل قد حدث)).