قبسات
آه.. يا ثقافة!
((قبل أيام من الحرب أقام الفنان إسماعيل
شمّوط وزوجته تمام معرضهما الرائع، والذي قدما فيه رسومهما ومائياتهما. وعندما
بدأت الحرب لم يكن إسماعيل وتمام قد نقلا أعمالهما، لذا سقطت البناية فوق
الصالة.. في ذات اليوم وبعد العملية مررت وإذا بالفنان إسماعيل شموط بين الركام
ينقذ لوحاته..)).
هذا النص من يوميات اجتياح بيروت 1982 التي كتبها رشاد أبو شاور في كتابه ((آه
يا بيروت)).
أثناء العدوان الأخير على لبنان، رثى الفنان التشكيلي اللبناني يوسف غزال
أعماله وأعمال زوجته في الصحف. لم يبق من بيتهما في ضاحية بيروت الجنوبية أو من
لوحاتهما شيء للعرض..
عدد من المثقفين الذين كتبوا عن الحرب، بكوا مكتباتهم وأعمالهم ومخطوطاتهم
ومؤلفاتهم وقصائدهم العذراء.. ورثوا للجهد الذي بذلوه وقاسوا المرّ في سبيل
اقتناء بعض الكتب القيّمة أو النادرة أو حتى غالية الثمن.. وتألّموا لفقدان
إهداءات عزيزة من مؤلفين أصدقاء.
لم تخلُ يوميات أو مذكرات أي مثقف فلسطيني من مقطع تراجيدي حول وداعه أو فقدانه
مكتبته الشخصية، وغالباً ما يحدث ذلك أكثر من مرة.. ولعل المكتبة الشخصية هي
أكثر الأدلة على ثبات المرء في مكان، لأنها دليل تفرغه للثقافة وغذاء العقل.
ولم تتوقف هذه المشاهد الوداعية منذ بدء الصراع مع العدو الصهيوني. بل إن هذا
العدو جعل سلب وسرقة المكتبات أمراً منهجياً، والحكايات التي يرويها شهود عيان
على النكبة حول أساتذة وخبراء كانوا يسرقون الكتب والمخطوطات من البيوت
ويودعونها ويصنفونها في مكتبة الجامعة العبرية..
كلما اطمأن المرء لاستقراره اهتم بمكتبته الشخصية وأشيائه الثقافية، وزاد عليها
المجلدات والموسوعات. وبذلك ارتبطت مكتبة الفلسطيني بهجراته ومفارقته للأماكن،
وربما طرده منها. من نكبة ساحل فلسطين 1948، إلى الضفة وغزة 1967، إلى
عمان1971، إلى بيروت 1982، إلى الكويت 1991.. ناهيك عن التدمير والحرق والقصف
في الحروب المتفرقة، والاعتقال والطرد من عواصم العالم..
أكثر من وداع، بسبب مأساة شعب فلسطين، واعتداءات العدو والقريب على هذا الشعب،
حتى بات وداع المكتبات وبكاؤها أيقونة لا تزول من كتب المذكرات الفلسطينية،
وارتبطت المكتبة بالنكبات الفلسطينية الدائمة.
وقد صور أبو شاور كيف كان وداع مكتبته حين غادر بيروت، مضطراً أن لا يأخذ معه
إلا ثلاثة كتب فقط..
ولئن ارتبطت الثقافة وتماهت في القضية الفلسطينية وسياستها، فإن النكبات
الثقافية الفلسطينية ارتبطت ارتباطاً عضوياً بنكبات الشعب الفلسطيني، بل هي
نتيجة حتمية ومباشرة لنكبات شعبنا السياسية والعسكرية..
أمام هاجس ثقافة المقاومة نقول: حين تتحقق الانتصارات، تنتصر الثقافة، وحين
تتحقق الهزائم تنكسر الثقافة..
وآه يا ثقافة!!
التحرير
أصداء
تحية إعلامية
لعبت قناة المنار (كذلك إذاعة النور)
التابعة لحزب الله دوراً مشهوداً في الرد على العدوان الصهيوني وادعاءاته.
وقد حققت أكثر من سبق صحفي من مناطق القتل والقتال، علماً أن مراسليها ومكاتبها
في المناطق استهدفت منذ بداية العدوان، وكانت الذروة في قصف وهدم مقرّها
الرئيسي في الضاحية الجنوبية لبيروت.
بعد الحرب زرنا الضاحية الجنوبية وتفقدنا وصورنا دمارها غير المسبوق، ولاحظنا
أن أكثر مكان يتجمع فيه زوار الضاحية هو مقرّ قناة المنار، حتى باتت بحق مزاراً
وملتمساً للمتجولين بين الدمار.
وأكثر ما يلفت الانتباه أن فرق العمل في هذه القناة تتحرك كخلية نحل استقرّ
مقامُها في فناء المبنى، فيما استقرت إذاعة النور بحيويتها وضخامتها في مطعم
صغير مخلّع الأبواب قرب فناء مبنى المنار.
انتهت المعركة، ولم تنتهِ الحرب، ومازال الطريق طويلاً، وها هو المنار ينفض
غبار المعركة ليلتقط أنفاسه لمواصلة المسيرة.
تحية للمنار.. تحية للنور.. وتحية لكل مقاوم بالطريقة التي اختارها.. أو اختاره
الواجب لها.