مع استمرار الحصار المالي يستمر
الصمود ويتعمق التكافل الاجتماعي
فلسطين/اعتدال قنيطة
الكل محاصر، والكل يعاني، ورغم ذلك لم خرج أحد حاملاً سيفه، وما وصل الأمر بأحد
لا يجد قوت يومه. فللخير هنا ميدان، وللعطاء والتكافل صولات وجولات رغم دعوات
التمرد هنا وهناك، إلا أن الوعي الفلسطيني وعمق انتماء أبناء هذا الشعب
لاختيارهم شكل كابوساً وعقدة لكل هذه الأصوات التي تنعق يوماً إثر يوم، فتارة
تدعي بأن ثورة الخبز قادمة، وتارة تدعو إلى الإضراب والتمرد، وتارات أخرى ترسل
من يقوم بالحرق والتخريب والتدمير للمؤسسات العامة ويخرجون ليقولوا انطلقت
((ثورة الجياع))!!.
لكن الأمر على الأرض مختلف، وما رصدته ((فلسطين المسلمة)) في السطور القادمة
يؤكد استمرار الصمود، وإبداع الشعب في التكافل كما أبدع في المقاومة، ليثبت
ورغم صعوبة الواقع أنه شعب حي لا يقبل ان يبيع عزته بحفنة دولارات أو بضعة
تسهيلات هنا أو هناك..
وضع اقتصادي صعب
هذه الكلمة كانت قبل فترة من الزمن تصلح لتوصيف ما يحياه الشعب الفلسطيني في
مختلف قرى ومدن الضفة والقطاع لكنها الآن لا تعبر سوى عن جزء من واقع
الفلسطينيين تحت الحصار الظالم الذي اشتد مع إصرار الشعب على اختيار قيادته
الجديدة، وتشكيل حكومته بحماس وتحت قيادتها، فباتت الأوضاع تزداد تأزماً، ويشتد
الخناق، وحول ما عبر عنه الخبير الاقتصادي عمر شعبان لفلسطين المسلمة بقوله
((الوضع الاقتصادي الحالي حسب تقديري هو الأسوأ منذ العام 67)). أضاف أنه: لأول
مرة تترافق عدة إجراءات وعوامل في وقت واحد، حيث فرض حصار مفاجئ وشمولي على
الشعب الفلسطيني بينما كان في الماضي يفرض حصار مؤقت ولكن يترك للناس حرية
العمل في الداخل.
وأشار شعبان إلى عدة عوامل زادت من حدة الحصار على الشعب الفلسطيني حيث تم وقف
التمويل الدولي، ووقف التحويلات الضريبية التي تجمعها (إسرائيل) لحساب السلطة،
وإغلاقات متعددة للمعابر وخاصة معبر المنطار التجاري الذي يربط غزة بالعالم
الخارجي تجاريا، إضافة لوقف وإعاقة صادرات القطاع الزراعية للضفة الغربية.
وأضاف شعبان أن الأزمة الاقتصادية بدت تظهر بشكل جلي في الشارع الفلسطيني
مشيراً إلى بعض ملامحها التي ضربت أطنابها في كل مكان، وقال هناك ركود اقتصادي
خطير في السوق المحلي والحركة التجارية الداخلية بشكل لم يسبق له مثيل إضافة
لعدم دفع الرواتب لـ160 ألف موظف يعيلون 40 % من الشعب الفلسطيني، مشيراً أيضاً
إلى تدهور أسعار المنتجات والخدمات وخاصة القطاع الزراعي الذي يعاني أزمة أصلا،
وهذا كله ترافق مع إعاقة قطاع البناء وارتفاع في الأسعار بشكل غير منطقي مما
يثقل كاهل الأسرة الفلسطينية التي تعيش أزمة على حد قوله.
هذه الملامح نفسها أشار لها الدكتور علاء الرفاتي عميد كلية التجارة بالجامعة
الإسلامية في غزة، لكنه تطرق أكثر إلى جذور هذه الظروف التي لم تبدأ بمجيء هذه
الحكومة، فهي مترسخة على مدى أكثر من عشر سنوات من حكم السلطة الفلسطينية
بقيادة حركة فتح وأضاف ((أهم المشاكل التي يعاني منها اقتصادنا هو التبعية
للاقتصاد الإسرائيلي وهو ما عملت عليه كل الاتفاقيات السابقة وعمل الاحتلال على
ترسيخه يوماً بعد يوم حيث اعتمد الاقتصاد الفلسطيني بشكل أساسي على العمالة
الفلسطينية داخل الخط الأخضر)).
كما أشار الرفاتي إلى مساهمة الحكومات السابقة في تدهور الاقتصاد الفلسطيني عبر
الموازنات المعتمدة بشكل أساسي على المساعدات وعبر الزيادة المتواصلة لبنود
المصروفات دون النظر إلى حجم الإيرادات، وأضاف ((تضاعف الإنفاق الحكومي وهذا
تسبب في الاستدانة الخارجية والداخلية وضاعف من العجز المالي وزاد من مديونية
السلطة والالتزامات المترتبة عليها للبنوك وغيرها)).
وأكد الرفاتي أن أسباب الأزمة الحالية ليست خارجية بحتة بل هناك جهات داخلية
معنية بهذا الوضع وبتعقيد الأمور على هذه الحكومة التي جاءت على غير مزاجهم
وقال ((لم تجد هذه الحكومة تعاون من كثير من الجهات هنا، بل هناك قرارات شفوية
وتحريض يومي للبنوك بعدم التعامل مع هذه الحكومة ورفض استقبال أي أموال نجحت أو
ستنجح في إدخالها)).
وفي هذا الإطار اتهم الرفاتي سلطة النقد ومحافظها تحديدا بإعاقة عمل الحكومة
مشيراً إلى ما لمسه خلال مشاركته في لقاء جمع بين نواب من قائمة التغيير
والإصلاح وبعض إدارات البنوك حيث أشارت الأخيرة بأن هناك ضغوطاً داخلية تمارس
عليها من أجل عدم استقبال هذه الأموال، وأضاف ((القانون يؤكد أن من حق وزير
المالية أن يطلب سلفة من سلطة النقد وأن تعمل هذه السلطة كوسيط مالي للحكومة
الفلسطينية وان تدير حسابات الرواتب بل بإمكان المحافظ أن يلزم البنوك بصرف سلف
ورواتب عبر قرارات يصدرها بصفته الجهة المشرفة على عمل البنوك في فلسطين، لكنه
لم يفعل شيئاً من هذا بل العكس)).
تكافل ضد الحصار
هذا الضيق كله وهذا الخناق الذي يشتد لم يكن سوى النار التي ساهمت في زيادة
انصهار المجموع الفلسطيني في بوتقة واحدة أخرجت معدنه النقي الذي افلح الحصار
في سبكه كلوحة فنية رائعة أبرز حروفها الصمود وخلفيتها التحدي، وهو ما يلمسه كل
من يعايش الناس هنا حيث يقول السائق أبو الحسن بعد أن أقلنا في طريق العودة إلى
البيت وقد بدا معتزاً بحكومة حماس وهو يشير إلى بعض الموظفين الذين اصطفوا
لاستلام سلفة من رواتبهم ((ها هي فلوس حماس التي قالوا أنها تهربها لنفسها، ما
سرقوا منها ولا نهبوا، والله لو تركوا هذه الحكومة في حالها لكان حالنا أفضل من
هذا الحال)). في إشارة إلى العوائق الداخلية التي تعترض الحكومة والدعوات
للتمرد عليها.
هذا الرأي وإن سمعناه كلاماً هنا فقد لمسناه فعلاً في أماكن أخرى، حيث بدا
الترابط الاجتماعي والتواصل في أبهى صوره ويحدثنا أبو عمر من مسجد بئر السبع
كيف أنهم بمجرد أن أعلنوا عن حملة للتكافل الاجتماعي مع الفقراء والموظفين حتى
انهالت عليهم التبرعات العينية والمادية وقاموا بتوزيعها على شكل طرود غذائية
ساهمت في التخفيف عن هذه الأسر.
صدى هذا الأمر تردد في أماكن أخرى، ووجد تعبيراً عملياً على مستوى المؤسسات
صاحبة الانتماء الصادق لهذا الشعب والتي بادرت بتوزيع المساعدات على كل محتاج
والتخفيف من معاناة الأسر وهو ما قامت به جمعية الصلاح الإسلامية والتي زادت من
معوناتها لاصحاب الحاجة ومثلها فعلت كتلة العمال الإسلامية التي بادرت بتوزيع
آلاف الطرود الغذائية على شريحة العمال، وفي الإطار نفسه بادرت مجموعة
الاتصالات الفلسطينية بتقديم مساعدة نقدية بقيمة خمسمائة شيكل للموظفين اضافة
للمساهمة في شراء المنتجات الوطنية من التجار الفلسطينيين.
ميكانيزمات المقاومة
هذا الصمود والتحدي للحصار بل والتفكير في سبل مقاومته ورفض كل دعاوى التمرد
الناعقة هنا أو هناك من أجل تعكير عمل حكومة الإصلاح والتغيير كان له تفسير
ومبررات أوضحها الدكتور الرفاتي بقوله: ((إن هذا الصمود يؤكد مدى وعي الشعب
الفلسطيني بما يجري حوله ومعرفته التامة بحجم المؤامرة التي يتعرض لها الشعب
وحكومته، فالحصار مفروض على الشعب والحكومة معا وليس على الشعب وحده)).
وأشار الرفاتي إلى أن الشعب يعلم أن هذه الحكومة اجتهدت وجمعت كل الأموال
اللازمة ولكن الحصار والضغوطات الخارجية والداخلية هي السبب في منع هذه الأموال
مشيراً في هذا الإطار إلى الصمود الذي مثّله العامل الفلسطيني قبل الموظف، وقال
((على مدى سنوات ست قطاع كبير من العمال الفلسطينيين ليس له مصدر دخل ويعيش على
المساعدات وليس على الراتب وهذا الأمر بحد ذاته شكل عامل مساعد لصمود الموظفين
الذين لم يمض على غياب راتبهم سوى أربعة أشهر)).
كما أشار الرفاتي إلى تعود أبناء الشعب الفلسطيني ونظراً للأوضاع المتردية التي
يمرون بها منذ زمن طويل ونظراً لتقلبات الأوضاع المتسارعة على الادخار
والاقتصاد تحسباً من كل طارق.
ويتفق مع هذا الرأي الخبير الاقتصادي عمر شعبان فقال ((المجتمع الفلسطيني يتمتع
بما يسمى بميكانيزمات المقاومة والصمود وتقود هذه العلاقات العائلية والقناعة
وروح المقاومة وهو شعب غير ((مدلّع)) ولم يتعود على الترف فبعض الشعوب لو تعرضت
لحصار لأسبوعين لضجت ولكن شعبنا صلب وصلد ولديه قدرة على الصمود والمصابرة)).
المخارج
رغم المعاناة المتزايدة والأزمة المتصاعدة على المواطن الفلسطيني إلا أن العديد
من المختصين والخبراء يرون أن هناك مخارج وحلول لهذا الوضع وهو ما يرون أن
الحكومة الفلسطينية تسير في الطريق لتطبيقها وإن كان ببطء، وفي هذا السياق أشار
شعبان إلى بعض المخارج السياسية والتي فسرها بقوله أنه يجب التأكيد في هذا
الإطار على أن (إسرائيل) لا زالت دولة محتلة وأن الشعب الفلسطيني لا زال تحت
الاحتلال حسب القانون الدولي. وأضاف ((على الحكومة أن تذكر العالم بالتزام
الاحتلال تجاه الشعب الفلسطيني الواقع تحت سيطرته، كما أنه يجب أن تذكر المجتمع
الدولي بالتزاماته التي تعهد بها للمنظمة عند التوقيع على أوسلو)).
ويشير شعبان هنا إلى اتفاق المانحين في مؤتمرهم الأول في واشنطن في 1993 والذي
أكد التزام المجتمع بدعم السلطة بغض النظر عن التنظيم الذي يحكمها.
ولكن أمام إصرار المجتمع الدولي وقبله الاحتلال على إنكار كل شيء ما دامت حماس
هي التي تحكم، فلا توجد اتفاقات، ولا غيره، فالقرار الصهيو أميركي هو الحكم،
وهنا يؤكد شعبان على أهمية اتباع عدد من الإجراءات والخطوات الاقتصادية التي
تساهم في التخفيف من حدة هذه الأزمة مشيراً في هذا الإطار إلى أهمية تفعيل
العلاقات مع الدول العربية والإسلامية وأضاف ((هناك اتفاقات وقعتها السلطة
السابقة والحكومة الحالية تتعلق ببيع المنتجات الفلسطينية في هذه الدول وليس
هناك ما يمنع ذلك، وهذا كفيل بان يساهم في الاقتصاد الفلسطيني بشكل كبير إضافة
لتفعيل القطاع الخاص في الضفة في هذا المجال أيضاً)).
دور عربي
ونبّه شعبان إلى أمر آخر ينبغي على الدول والحكومات العربية والإسلامية أن
تساهم فيه بشكل فعال إلا وهو تشغيل واستيعاب العمالة الفلسطينية وفي هذا الإطار
يقول الخبير الاقتصادي ((إن استيعاب هذه الدول لعشر أو عشرين ألف عامل فلسطينيي
لن يشكل أي ازدحام لأسواق العمالة لديهم، فدول الخليج يعمل فيها أكثر من خمسة
ملايين عامل آسيوي، فتشغيل 20 ألف عامل يعني إعالة عشرين ألف أسرة فلسطينية،
والأموال التي سيحولها هؤلاء العمال كفيلة بأن تعيد الحراك للاقتصاد
الفلسطيني)).
كما أشار شعبان إلى أهمية استغلال بعض الموارد الحالية للسلطة مثل أملاك السلطة
التي كانت توزع بشكل هبات ومنح في السلطة السابقة إضافة لاستغلال موارد صندوق
الاستثمار الفلسطيني، وأضاف ((عقد اجتماع لهذا الصندوق ومنع وزراء فلسطينيون من
حضور هذا الاجتماع رغم إن هذا الصندوق تابع للحكومة وليس لمنظمة التحرير.
وأعتقد في هذا الإطار أن هناك مؤامرة وأخشى أن يكون مقصود حتى يتاح للمستثمرين
الذين يديرون هذا الصندوق من التصرف كيفما يريدون)).
وفي هذا الإطار شدد شعبان على أهمية أن تحسم الحكومة الفلسطينية أمرها فيما
يتعلق بصندوق الاستثمار وإلا تتردد في إجباره على المساهمة في حل هذه الأزمة
التي يمر بها كافة قطاعات الشعب الفلسطيني. وأضاف ((سبق لهذا الصندوق أن اقرض
الحكومات الفلسطينية السابقة نصف مليار دولار فلماذا لا يساهم الآن في 100
مليون دولار على الأقل لحل أزمة شعب بأكمله وليس تنظيم معين؟!!)).
رغم هذا الواقع المرير، والحصار الخانق، إلا أن صدى القول ((اشتدي أزمة
تنفرجي)) يتردد هنا بقوة مع نعيق وصيحة كل منافق، والكل يرى على مرمى البصر
لوحة الإصرار والصمود وقد ذيلت بكلام لا بد وأن يستحيل واقعاً قريباً ليذكرنا
بمن ينثرون الحبوب في حقل بعد حرث الأرض، ويتجرأون بكل قوة في مواجهة الجوع
حينمـا يبدأون زرعـاً فيحصدون.. وينثرون حباً بعمق الغرس فيأتي الحصاد وينعش
البلاد، فيفرحون.. حينهـا تكون النتائج رائعة والألسـن طيبة بعد أن كانت لاذعة،
والعيون بنورهـا ساطعة، والقلوب بطيبتهـا صانعة للبقاء الجميل الذي يتكلم دون
نطق فتأتي الرموز تِـباعـاً، وتزداد الإشـارات إشعـاعاً..