أساليب العصابات: الاحتلال يعتقل
عزيز الدويك
نابلس/النجاح للصحافة
حكومة فلسطينية نصفها في السجن والنصف الآخر مطلوب لقوات الاحتلال، نموذج من
عدوان الاحتلال وغطرسته بحق الشعب الفلسطيني، وكان آخر تلك الاعتداءات اختطاف
رئيس المجلس التشريعي د. عزيز الدويك (58 عاماً) ليلة الأحد 6/8/2006 بعد
محاولات اختطاف عدة باءت بالفشل.
وجاءت عملية الاختطاف هذه بعد أكثر من شهر على اختطاف 29 نائباً في المجلس
التشريعي الفلسطيني وثمانية وزراء (أطلق سراح 4 منهم مؤخراً)، في التاسع
والعشرين من حزيران/يونيو الماضي.
زنزانة وتعذيب
وحسب ما أورده شهود عيان فإن قوات معززة من جنود الاحتلال قُدرت باثنتي عشرة
آلية عسكرية وناقلة جند حاصرت منزل الدويك في منطقة المصايف شمالي مدينة البيرة
قرابة الساعة 12 من منتصف الليل، وشرعت بالمناداة عليه عبر مكبر الصوت وتهديده
بضرورة تسليم نفسه قبل أن تختطفه.
وبحسب الأسرى في سجن ((عوفر)) قرب رام الله فقد وصل إلى السجن عند الساعة
السابعة من صباح يوم الأحد. وقالت مصادر الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين هناك إن
إدارة السجن المذكور قامت بنقل الدكتور عزيز دويك رئيس المجلس التشريعي
الفلسطيني من (قسم 6) الذي يقبع فيه بعد اعتقاله وذلك فور إتمامه مكالمة هاتفية
مع قناة العربية الفضائية.
وفي تصريح للمهندس وصفي قبها وزير الأسرى في الحكومة الفلسطينية قال إن محكمة
عوفر قررت تمديد اعتقال الدويك ثمانية أيام لاستكمال التحقيق معه، حيث نقل إلى
عزل كفار يونا لاستكمال التحقيق معه بتهمة انتمائه لقائمة التغيير والإصلاح
المحسوبة على حركة حماس.
وأكد قبها أن المحامي جواد بولس الموكل بالدفاع عن دويك ابلغه بان دويك أغمي
عليه مرتين خلال استجوابه من قبل المحققين الإسرائيليين مما يعني تعرضه لجولات
تحقيق قاسية.
وحمّل المحامي جواد بولس (إسرائيل) مسؤولية صحة رئيس المجلس التشريعي د. الدويك
واصفاً أوضاعه بالمأساوية.
وقال بولس إن الدويك أخذ إلى سجن ((تيلموند)) في غرفة معزولة قذرة لا يوجد فيها
تهوية، وبظروف مزرية ووجهت له الإهانة بالكلام النابي. وأضاف أن صحة الدويك
متعبة وأعطي نوعاً من التنفس الاصطناعي وهو ما زال يشعر بألم في أنحاء من الصدر
والرأس وأماكن أخرى.
وأشار بولس إلى أنه قدم شكوى احتجاجية بالتفصيل لوضع الدويك والظروف التي
يحياها. وقال إن الدويك نقل اليوم من سجن ((تيلموند)) ثم إلى ((أيالون)) بعدها
لـ((عوفر)) حيث تم إنزاله للمحكمة الساعة الخامسة دون علم القضاة، الذين عرفوا
بالأمر مصادفة.
ونوّه بولس إلى أن الدفاع استطاع استصدار قرار من المحكمة يقضي بفحص طبّي
للدويك وتحويل الملف الطبي للمحكمة والدفاع.
وأكد بولس أن المحامين لم يعترفوا بشرعية المحكمة وصلاحيتها ولم يتعاطوا معها
وإنما كان الهدف الاحتجاج على ظروف اعتقال رئيس المجلس التشريعي، محملاً
الحكومة الإسرائيلية مسؤولية ما يجري للدويك.
عملية قرصنة
وفي تصريحات تعقيباً على عملية الاختطاف وصف رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل
هنية اعتقال الدكتور عزيز الدويك بعملية القرصنة البشعة والتي تأتي في إطار
عمليات القرصنة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، كما استنكر د. غازي حمد الناطق
باسم الحكومة الفلسطينية قيام قوات الاحتلال باعتقال رئيس المجلس التشريعي،
واعتبره قرصنة وإرهاب دولة تنفذه حكومة الاحتلال عن عمد، بهدف شل النظام
السياسي الفلسطيني وتقويض الحياة الفلسطينية في شتى مناحيها.
النائب الأول للدويك د. أحمد بحر قال إن اختطاف الدويك هو حلقة من سلسلة
المؤامرة على الشعب الفلسطيني، بالإضافة لعمليات القتل والتدمير في فلسطين
ولبنان.
وأشار إلى أن اختطاف الدويك ليس بالأمر الجديد على الاحتلال، لأن من أفكار
الاحتلال حسب قول بحر ((اجتثاث الشعب الفلسطيني وشلّ المجلس التشريعي وتركيع
الشعب الفلسطيني)).
وأضاف بحر: ((نقول لهم لن نركع ولن يثنينا ذلك عن السير في عملنا في المجلس
التشريعي الذي سيأخذ دوره ويجتمع اجتماعاً طبيعياً ولن تنجح محاولات الاحتلال
بشل حركتنا وسنستمر بالعمل)).
وأوضح النائب الأول لرئيس المجلس التشريعي أنه من الناحية القانونية لا يوجد
خلل أو فراغ دستوري، وجميع الكتل البرلمانية في المجلس التشريعي موحدة متفقة
فيما بينها، وسيقوم بمهام الدويك.
من جانبهم دان نواب كتلة التغيير والإصلاح في محافظة نابلس بشدة اختطاف قوات
الاحتلال لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني واعتبر النواب أن (إسرائيل) اعتقلت
الدويك ضاربة بذلك عرض الحائط بالقانون والشرعية الدولية والتي تؤكد على حرمة
التعرض لأعضاء البرلمان المنتخبين أو المساس بهم.
ووصف النواب عملية الاختطاف بالغبية، وأنها تعبر عن مدى إفلاس حكومة أولمرت
وتخبطها إزاء صمود المقاومة الفلسطينية واللبنانية أمام الهجمات الإسرائيلية.
وأكد النواب أن الحكومة الإسرائيلية بهذه العملية تعتقد واهمة أنها تقايض على
حرية الجندي الإسرائيلي الأسير لدى فصائل المقاومة الفلسطينية، معتبرين ذلك
قصوراً في فهم هذا العدو لطبيعة الشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة، مؤكدين في
الوقت نفسه أن هذا لن يخطر ببال فصائل المقاومة بأي حال، ولا حتى النواب
والوزراء أنفسهم يقبلون بذلك.
واستنكر صائب عريقات رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية، وعضو
المجلس التشريعي اعتقال سلطات الاحتلال لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني. وقال
عريقات ((إننا ندين ونستنكر اعتقال رئيس المجلس التشريعي، ونعتبره اعتداء
صارخاً على السلطة الوطنية الذي يتم ضمن مخطط شامل ومنهجي لتدمير السلطة
الوطنية ومؤسساتها)).
وحمل عريقات الحكومة الإسرائيلية مسؤولية الحفاظ على حياته، وطالب بالإفراج عن
رئيس المجلس وأعضاءه المعتقلين فوراً ((لأن اعتقالهم يعتبر مخالفاًًً
للاتفاقيات والأعراف الدولية)).
محاولة لإسقاط الحكومة
المحلل السياسي إبراهيم أبو الهيجا أشار إلى أن عملية الاعتقال تدلّ على مدى
التآمر على الحكومة الفلسطينية للقضاء عليها من ناحية وتسليم الجندي الأسير لدى
المقاومة الفلسطينية.
وقال أبو الهيجا إن (إسرائيل) لم تعترف بالحكومة الفلسطينية وتتصرف على هذا
الأساس وتسوق الحجج القانونية بعد اعتقالهم لأسباب سياسية تبحث الآن عن مبررات
جديدة.
وأوضح أبو الهيجا أن الاحتلال سعى لمحاصرة الحكومة من الخارج لإسقاطها بشكل غير
مباشر حتى لا يكون تدخله المباشر في صالحها، إلا أنها اضطرت للتدخل بعد إفلاسها
وعجزها بالحصار المالي وسحب الصلاحيات، وتمسك الحكومة ببرنامجها وعدم الخضوع
أمام الضغوطات، أمام كل هذه المعطيات رأت (إسرائيل) -حسب أبو الهيجا- التعجيل
بإنهاء الحكومة لأنها بدأت تأخذ الشرعية والالتفاف الشعبي. وأضاف أن عملية خطف
الجندي جاءت كذريعة لإنجاز الضربة القاضية التي كان مخططاً لها سابقاً.
حملة تضامن
العديد من الطلبة الذين درسهم الدويك انضموا للحملة المطالبة بالإفراج عنه،
وعبر الكثيرون منهم خلال التقائهم عن تضامنهم معه ومع كافة الأسرى في سجون
الاحتلال الصهيوني.
تقول السيدة صباح عمر من محافظة جنين والتي كانت إحدى طالبات الدويك: كان يؤمن
أن النضال في سبيل الوطن وحريته لا يكون كاملاً دون التحرر الفردي والجماعي من
فكر الاحتلال والاستسلام والضعف والتراجع. أضافت: النهج الذي كان يستخدمه في
التدريس يرسخ العلم والمعرفة والثقافة كجزء أصيل من المقاومة بمختلف أشكالها،
ويجعل منه مشروعاً واحداً قائماً على تحرير الأرض والمقدسات من الاحتلال
الصهيوني.
وطالبت صباح المجتمع الدولي العمل على إطلاق سراح رئيس التشريعي الفلسطيني لأن
اعتقاله منافٍ لكل القوانين الدولية، داعية كافة البرلمانات في العالم لبذل
الجهود في هذا الإطار.
أما الطالب إبراهيم الشيخ فقال إن الدكتور عزيز كان يؤمن بفكرة البناء
والتحديث، فقد كان يدرس الجغرافيا القديمة بروح العصر الجديد فيربط القديم
بالجديد.
وأضاف يستشهد الجغرافيا بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية تمضي الساعة والنصف
في فصل الصيف كأنها الدقائق لروحه الجذابة وحبه للعلم والتعليم.
وكرر قول الدكتور دويك إن الاحتلال لا يعرف خلقاً ولا يعرف ضميراً هذا يتعامل
بشريعة الغاب مثله كمثل أسياده في واشنطن، الذين تسودهم حضارة رعاة البقر ولا
تسودهم أخلاق الشعوب المتحضرة بأي حال من الأحوال.
شخصية مثابرة متواضعة
رغم اعتقال ذلك العدد الكبير من النواب والوزراء واصل د. عزيز الدويك عمله
بمثابرة وجد، وتصف زوجته ذلك بقولها: أنه من الأشخاص الذين لا يتذمرون ويواصل
الليل بالنهار، وكان معدل عمله اليومي 14 ساعة، وقبل اعتقاله بلحظات كان مشغولا
بملفات تخص المجلس التشريعي ويحضرها إلى المنزل كي يتابعها.
وتضيف قائلة: ((الدكتور عزيز كان متفائلاً جداً ودائماً يقول: الأمور في اتجاه
الفرج والحل، وثقته بالله كبيره وأن قضية شعبه عادلة، فهو الذي دعا إلى فكرة
الحوار الوطني وساعد على إنجاحها)).
يشار إلى الدويك انتخب رئيساً للمجلس التشريعي الفلسطيني في الثامن عشر من
شباط/فبراير الماضي، وهو من سكان مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، متزوج وأب
لأربعة أولاد وثلاث بنات. وقد ولد في مدينة القاهرة عام 1948. وحصل على شهادة
البكالوريوس في الشريعة الإسلامية من جامعة الأزهر. كما حصل على درجة الدكتوراه
في التخطيط الإقليمي والعمراني من جامعة بنسلفانيا (فيلادلفيا) في الولايات
المتحدة الأمريكية، ويحمل ثلاث شهادات ماجستير في التربية والتخطيط الإقليمي
والحضري والعمراني.
وتعرّض الدويك للاعتقال في سجون الاحتلال الإسرائيلي خمس مرات متتالية وأمضى
فيها نحو أربع سنوات، وكان أحد الذين تم إبعادهم إلى مرج الزهور مدة عام في
نهاية عام 1992. وخلال تجربة الإبعاد كان ناطقاً إعلامياً باللغة الإنجليزية
باسم المبعدين.
ويعتبر من مؤسسي قسم الجغرافيا في جامعة النجاح الوطنية وعمل أستاذاً فيها،
وكان عضواً في لجنة البحث العلمي في ذات الجامعة. و له مؤلفات عدة منها كتاب
((المجتمع الفلسطيني)).