الزلزال القادم: اهتزاز الساحة
الداخلية الصهيونية بعد الهزيمة في لبنان
فلسطين/إبراهيم السعيد
لم يكن الجنرال أودي آدم قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال يدري ما سيحل
به عندما أصر على استقبال إحدى كتائب الاحتياط التي كانت تتجاوز الحدود عائدة
إلى داخل (إسرائيل)، بعد يوم على وقف إطلاق النار. فبمجرد أن مد آدم يده
لمصافحة أول ضابط في الكتيبة حتى قام هذا الضباط بتوبيخه بشكل قاس، بينما كانت
وسائل الإعلام الإسرائيلية توثق المشهد. فقد استهجن هذا الضابط صارخاً أن يخرج
آدم في نهاية الحرب ليعلن أن (إسرائيل) هي التي انتصرت في المواجهة، قائلاً
((أيها الجنرال لقد ضربنا حزب الله ضربة موجعة، فعن أي انتصار تتحدث؟!)). هذا
المشهد الذي دخل أرشيف التاريخ كشاهد على هذه الحرب، ينضم إلى الكثير من
الشهادات التي أدلى بها الكثير من الجنود الذين شاركوا في هذه الحرب، وما قدموه
من انطباعاتهم عن المواجهة مع حزب الله.
الإذاعة الإسرائيلية العامة باللغة العبرية تحدثت إلى المقدم أساف حيفر، قائد
إحدى الكتائب التي قاتلت في منطقة بنت جبيل، بعد أن وصل مدينة ((كريات شمونا))
متجاوزاً الحدود. فقد سأل الصحافي دان شيلون الذي أجرى الحوار حيفر قائلاً ((أي
نوع من المقاتلين وجدتم لدى حزب الله؟)) لم يتردد حيفر، وقال ((وجدنا رجالاً
جرأتهم لا تقف عند حدود، مقاتلون يبدون تصميماً مذهلاً على تحقيق أهدافهم،
واستعداداً كبيراً لتحمّل ظروف المعركة القاسية وغير المتوازنة من ناحية موازين
القوى)). ويضيف حيفر أنه يشعر أن ثمة معجزة قد حدثت له ولجنوده حيث لم يفقد إلا
خمسة من جنود الكتيبة في المعارك، وهذا عدد قليل نسبياً مقارنة مع عدد القتلى
في الكتائب الأخرى.
رافي موعلام النقيب في لواء ((المظليين))؛ أحد ألوية الصفوة في سلاح المشاة،
يرسم صورة سوداوية عن مستقبل الصراع بين (إسرائيل) وحزب الله، ويقول في حديث مع
إذاعة الجيش الإسرائيلي أن عناصر حزب الله ((تميزوا بدافعية فائقة للقتال وقدرة
كبيرة على تنظيم أنفسهم للتغطية على تفوّقنا عليهم في العدد والعتاد، لقد جعلوا
حياتنا مريرة)). ويكشف معولام أنه شارك في قوة يصل تعدادها إلى 500 جندي
لمهاجمة إحدى القرى الصغيرة في القطاع الغربي من جنوب لبنان، بعد أن وصلت
معلومات تفيد أنه من هذه القرية يتم إطلاق صواريخ قصيرة المدى على المستوطنات
في شمال (إسرائيل). يضيف أنه بعد ثلاثة أيام من المعارك الطاحنة مع عناصر حزب
الله في هذه القرية أسفرت عن مقتل سبعة جنود وجرح عشرات آخرين، تبين أن عدد
عناصر حزب الله الذين كانوا في القرية لم يكن يتجاوز السبعة فقط، وأنه خلال
المعارك وبعد انتهائها واصل هؤلاء العناصر قصف المستوطنات بالصواريخ قصيرة
المدى.
أما أكثر انطباعات جنود الاحتلال ذات الدلالة كانت بلا شك ما تحدث عنه أحد جنود
الاحتياط الذين خدموا في القطاع الأوسط من الجنوب اللبناني، حيث قال هذا الجندي
لقناة التلفزة الإسرائيلية الثانية إنه مكث شهراً في محيط إحدى القرى التي تمثل
مركزاً هاماً لحزب الله في الجنوب، وقُتل حوالي عشرين من زملائه في لواء
((جولاني )) الذي يخدم فيه، دون أن يستطيع رؤية ولو واحد من عناصر حزب الله.
ويضيف ((كنا نشعر أنهم يضربوننا كالشياطين، نرى فعلهم، دون أن نراهم. إنه لأمر
يثير الجنون أن نتعرض لكل ما تعرضنا له على أيدي هؤلاء دون أن نرى أياً منهم،
على الرغم من أننا مشطنا القرية عشرات المرات)).
انطباعات أولياء الأمور
((أشعر أن صغيري هذا قد مات وأحياه الرب هدية لي))، بهذه الكلمات علقت إحدى
الإسرائيليات وهي تحتضن ولدها الذي عاد للتوّ من لبنان بعد أن خدم في إحدى
كتائب المدرعات. وتضيف هذه الإسرائيلية وهي تعانق ولدها ((إنه لأمر يثير
الإحباط أن نخسر كل هذه الخسائر دون أن نحقق نتائج عملية في نهاية هذه المعارك.
للأسف إنه كان بالإمكان الحفاظ على أرواح القتلى الذين قتلوا دون مبرر. إن ثمة
شخصاً في الدولة يتوجب أن يترجل ويتحمل المسؤولية عما حدث)). وتكاد هذه
اليهودية تعبر عن رأي جميع أولياء أمور الجنود الذين شاركوا في الحرب وزوجاتهم.
وإذا كان هذا حال أولياء أمور الجنود الذين عادوا أحياء من الحرب، فإن أولياء
أمور الجنود الذين قتلوا وأصيبوا في هذه الحرب لا يريدون أن يمروا مرور الكرام
على ما حدث لأولادهم. فهناك مساع تبذل لتشكيل إطار جماهيري يمثل هؤلاء، وسيطلق
عليه ((ممثلو الأسر الثكلى)) لكي يقوموا بأنشطة احتجاجية ضد الحكومة وقادة
الجيش الذين يتهمون على نطاق واسع بالعبث بمصير أولادهم. أحد الأنشطة التي
اقترحها والد أحد الجنود الذين قتلوا في معركة بنت جبيل الأولى أن يتم نصب خيمة
اعتصام أمام منزل رئيس هيئة الأركان للمطالبة بإقالته من منصبه بسبب أوجه
القصور الكبيرة التي دلّلت عليها طريقة إدارته للمعركة.
الخارطة الحزبية
واضح أن زلزالاً سيضرب (إسرائيل) بعد أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان.
فقد أصبح من شبه المؤكد أن يتم تشكيل لجنة تحقيق لتقصي الأسباب التي قادت إلى
فشل (إسرائيل) في هذه الحرب وعجز حكومة أولمرت عن تحقيق الأهداف التي وضعتها.
مع العلم أن عمل أي لجنة تحقيق سيكون سهلاً نسبياً بعدما أقر أولمرت في خطابه
أمام الكنيست بعد انتهاء الحرب أن هناك أوجه قصور في إدارة المعركة.
وكما هو الحال مع لجان التحقيق، فإن هذه اللجنة ستحمّل المستويات السياسية
والعسكرية المسؤولية عن نتائج الحرب. ومع أنه من المتوقع أن يتم تحميل المستوى
العسكري المسؤولية بشكل أكبر عن نتائج الحرب، فإن المستوى السياسي لن يخرج
نقياً من التحقيق، حيث سيحمل جزءاً من المسؤولية على اعتبار أن الحكومة بكامل
هيئتها تعتبر حسب القانون الأساسي الإسرائيلي هي القائد الأعلى للجيش. وهناك
عدة سيناريوهات متوقعة قد تنتج بفعل تحميل الحكومة بعض المسؤولية عن الفشل، حيث
أنه من الممكن أن يسعى أولمرت الى توسيع قاعدة الحكومة البرلمانية بضم كل من
حزب ((يسرائيل بيتنا)) المتطرف بقيادة أفيغدور ليبرمان، كما يطالب العديد من
قادة حزبه، وحزب ((يهدوت هتوراة)) الأرثوذكسي المتزمت. وواضح عندها أن حكومة
أولمرت ستكون أكثر يمينية وأشد تطرفاً، حيث أنه لا مجال هنا للتذكير بالمواقف
الجنونية التي يتبناها ليبرمان من التعامل مع العرب. وقد تؤدي نتائج التحقيق
إلى ولادة تمرّد ضد قيادة كل من أولمرت في حزب ((كاديما))، وبيريتس في حزب
((العمل))، وقد ينتهي ذلك بحجب الثقة عن الزعيمين من قبل اللجنة التنفيذية في
كل من الحزبين.
وهناك سيناريو ثالث ينطلق من إمكانية حل البرلمان والدعوة لانتخابات برلمانية
جديدة. وكما تدل استطلاعات الرأي العام، فإن هذه الانتخابات ستؤدي إلى تعزيز
قوة اليمين المتطرف، لكن ليس بالشكل الذي يؤمن له الحكم بدون الحاجة إلى قوى
الوسط، سيما حزب ((كاديما)). أما بالنسبة للقيادة العسكرية، فعلى المستوى
الشخصي يتوقع أن يؤدي التحقيق الى الإطاحة بكل من رئيس هيئة الأركان دان حلوتس،
وقائد المنطقة الشمالية أودي آدم، إلى جانب بعض المستويات في القيادة العسكرية.
لكن من ناحية استراتيجية، يتوقع أن توصي لجنة التحقيق بعدم تعيين أي رئيس لهيئة
أركان الجيش لم يخدم في سلاح المشاة، حيث يعتقد على نطاق واسع أن أحد أوجه قصور
الجيش ينبع من قيادته من قبل جنرال قضى خدمته العسكرية في سلاح الجو.
(إسرائيل) والعرب
أحد الاستنتاجات الرئيسية التي أشار إليها معظم المعلقين والجنرالات المتقاعدين
الذين تحدثوا عن الحرب، هو حث حكومة أولمرت على استئناف الاتصالات مع السلطة
الفلسطينية والحكومة السورية. فحسب هؤلاء، أن حل القضية الفلسطينية يسحب
الذرائع من أيدي الأطراف العربية ((المتطرفة)) لمواصلة التحريض ضد الدولة
العبرية واستهدافها. أما التسوية على الصعيد السوري، فإنه ينظر إليها من قبل
العديد من الخبراء الاستراتيجيين في الدولة العبرية كـ((مهمة جداً))، لأنها
الوصفة الأكيدة لدفع دمشق لفك ارتباطها مع كل من طهران وحزب الله. لكن الواقع
السياسي الداخلي في (إسرائيل) يحول دون محاولة تطبيق هذه الاستنتاجات. فمن
ناحية هناك أغلبية داخل البرلمان الإسرائيلي والحكومة ترفض بشدة القبول بأي
موقف يمكن أن يشكل بداية للتفاوض مع السلطة الفلسطينية وسوريا. ولو أجريت
انتخابات تشريعية، فإن نتائج الانتخابات ستدفع الخارطة الحزبية الإسرائيلية نحو
مزيد من التطرف، الأمر الذي يجعل إمكانية التوصل لتسوية على الصعيدين السوري
والفلسطيني مستحيلة. وإن كانت التسويات الثنائية مع العرب غير متيسرة مع العرب
بعد الحرب، فإن الحلول أحادية الجانب، ستكون أكثر صعوبة. فمعروف أن أولمرت وعد
قبيل انتخابه بمواصلة تنفيذ الخطوات أحادية الجانب في الضفة الغربية، بحيث يتم
إخلاء بعض المستوطنات هناك من أجل تعزيز سيطرة الدولة العبرية على ما تبقى
منها، وذلك ضمن مشروعه السياسي الذي أطلق عليه خطة ((الانطواء))؛ إلا أن فشل
(إسرائيل) تحت قيادته في الحرب الأخيرة جعل إمكانية تطبيق هذه الحرب أمراً
مستحيلاً. ففي (إسرائيل) يعتبرون أن الحرب الأخيرة هي أحد أمثلة النتاج المر
للخطوات أحادية الجانب؛ حيث أنهم في (إسرائيل) يؤكدون أنه هذه الحرب كانت نتاج
الخطأ الكبير الذي ارتكبه رئيس وزراء (إسرائيل) الأسبق إيهود براك الذي سحب
الجيش بشكل أحادي الجانب من جنوب لبنان في العام 2000، وبالتالي فإنه لا داعي
لمواصلة ((موضة)) الخطوات أحادية الجانب، مع العلم أن عملية فك الارتباط،
أحادية الجانب في قطاع غزة لم تثبت نفسها بالنسبة للشارع الإسرائيلي حيث واصلت
حركات المقاومة الفلسطينية استهداف العمق الإسرائيلي بالصواريخ بعد تنفيذ
الخطة.