فلسطينيو 48 أثناء العدوان على لبنان:
تمييز عنصري وضحايا وخسائر.. لكنهم مع المقاومة
القدس/مها عبد الهادي
شكّل الواقع للفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 48 الذي أبرزته الحرب
الأخيرة بين الدولة العبرية ومقاومي حزب الله والمتمثل بإعلان التضامن مع
الجنوب اللبناني والمندد بالجرائم الصهيونية، تأكيداً جديداً على تواصل هذا
الجزء الفلسطيني المنسي مع قضايا أمتهم العربية والإسلامية، وهو المنحى الذي
أخذ يتشكل تدريجياً بشكل واضح وملموس منذ نحو عقد من الزمان رغم كل المحاولات
الجارية من قبل المؤسسة الصهيونية لطمس هذه الهوية.
ورغم الترويج المحلي الذي حاولت الحكومة الصهيونية أن تقوم به خلال الحرب
بالادعاء أن العرب في الجليل والناصرة وحيفا في قارب واحد معهم، قارب هم
يقودونه ويريدون ربط العرب على واجهته، والادعاء فجأة بأنهم مهتمون ومحزونون
لسقوط طفلين عربيين، إلا أن الواقع المعاش للفلسطينيين يقول عكس ذلك، فالحكومات
اضطهدتهم لسنوات واعتقلت وقتلت الكثير منهم، كما قتلت عشرات الأطفال والأمهات
والآباء في الأيام الاخيرة في لبنان وغزة. وعناصر الجيش هم أصحاب مجزرة كفر
قاسم، ويوم الأرض وانتفاضة الأقصى العام 2000 وما تلاها، والتي قتل فيها
العشرات.
وسكان مدينة الناصرة التي وصلتها بعض صواريخ المقاومة خطأ يدركون هذه الحقائق،
ومثلهم غالبية المثقفين والكتاب في الداخل الفلسطيني وهم يعلمون أنهم ثمن
مستوطنة (نتيسرت عيليت) –الناصرة العليا- التي أقامها الصهاينة في قلب التجمع
العربي بعد أن صادروا أراضيه وهوّدوها، وكذا الحال بالنسبة إلى منطقة الشاغور
وكرمئيل. وهم يعلمون أيضاً أنه ورغم هذا القرب القسري فإن العرب ليسوا جزءاً من
ذات المركب الصهيوني وليسوا ركاباً فيه، وأنهم ليسوا جزءاً من المجتمع الصهيوني
الذي يدعم العدوان وتصعيده ويدعم تدمير المدن والقرى اللبنانية ومسحها عن وجه
الأرض، وقتل النازحين عنها قسراً، وأنهم ليسوا جزءاً من الإعلام الصهيوني ولا
المؤسسة المدنية الصهيونية التي تعمل كمركبات متكاملة مع آلة الحرب الصهيونية.
فما ترسخ خلال الحرب يؤكد بأن فلسطينيي الـ48 جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني
والشعوب العربية، والدولة العبرية تدرك ذلك، ولهذا فهي لا تتورع عن فعل شيء، بل
وتحاول أن تستخدم هؤلاء الفلسطينيين الداخل كدروع بشرية في جهازها الحربي
والدعائي.
والحقيقة الأهم وهي التي ربما أثارت إعجاب فلسطينيي الداخل كما غيرهم من العرب
في حزب الله هو عكس ما تفترض الولايات المتحدة وما يفترض في الغرب وفي الدولة
العبرية أنه يثير إعجابهم، فإلى جانب أنه يواجه الجيش الصهيوني ببسالة فإنه
يتعامل مع الدولة العبرية بندية ولا يعتبر دماء مدنييه أقل قيمة من المواطنين
الصهاينة، ولأن مقاتليه أعادوا للعرب وللمسلمين الثقة بهويتهم بدون ترديد
الشعارات، فهؤلاء المقاتلون العرب المسلمون استطاعوا قتال الدولة العبرية وهو
ما بإمكان بقية العرب أن يفعلوه.
التمييز في الحرب
منذ بدء المجابهات اللبنانية- الإسرائيلية في 12 تموز/يوليو الماضي وحتى 10
آب/أغسطس سقط 17 عربياً من سكان المناطق العربية في شمال (إسرائيل)، جرّاء
صواريخ حزب الله.
ورغم سقوط هذا العدد إلا أن فلسطينيي الداخل وكتلهم الحزبية أجمعت على إلقاء
اللوم وتوجيه التهمة للحكومة الصهيونية التي تتحمل وحدها مسؤولية وقوع هذا
العدد من العرب بسبب تماديها في التمييز بين مواطنيها من الصهاينة وبين نظرائهم
العرب حتى في وقت الحروب.
فمن ضمن العوامل العديدة التي أسهمت في مقتل هذا العدد من فلسطينيي الداخل كان
عدم وجود الملاجئ والغرف الآمنة في المناطق العربية بخلاف الحال في المناطق
اليهودية.
وربما أن الإشكال اليهودي الذي وقع هو في سقوط مثل هذا العدد ((الضئيل)) من
الضحايا العرب وليس أكثر. فطوال السنوات الماضية كانت الأشكالية الصهيونية في
أن حزب الله لم يستهدف المدنيين في حربه الطويلة مع الدولة العبرية إلا كنوع من
المعاملة بالمثل مؤخراً، بل لا تقترب حتى من أن تكون بالمثل. فطيلة مقاومته
للاحتلال في لبنان حتى عام 2000 وفي سبعة عشر عاماً من النضال لم يقتل عشرين
مدنياً صهيونياً بينما قتلت (إسرائيل) الالآف من اللبنانيين.
وعبّر الكثير من الكتاب العرب من فلسطينيي الداخل عن مشاعر الجماهير العربية
ونقلوا تصريحات عن ذوي الضحايا العرب أنفسهم تنقل صورة الحقيقة المعاكسة لما
يبثه الإعلام الصهيوني.
وعزا عضو الكنيست العربي عزمي بشارة تفاقم نسبة الإصابات ما بين العرب، في الكم
وفداحة الإصابة، إلى حقيقة أن القرى والبلدات العربية لا تملك ملاجئ يلوذ بها
المواطنون، فيما هنالك ملجأ لدى اليهود لكل منزل إضافة إلى الملاجئ العامة
المنتشرة في كل ركن، وأضاف ((هذا هو الفرق ما بين دير الأسد وكريات شمونه،
مثلاً)).
يضاف إلى ذلك، يقول بشارة ((إننا أمام وضع يشكل العرب فيه حالياً نحو 70% من
سكان الشمال، بعد أن غادر معظم اليهود بلداتهم، من هنا لا يوقع 60 صاروخاً على
كريات شمونه قتلى، في حين أن صاروخاً واحداً على منطقة عربية تأتي نتائجه
فتاكة)).
وألقى بشارة بعض اللوم على بعض العائلات الفلسطينية التي تسمع صفارات الإنذار
فلا تلتفت إلى خطورة الموقف وكأن الأمر لا يعنيهم هم أيضاً.. مبرراً ذلك بأن
العرب الفلسطينيين في الداخل ليسوا معتادين لا على الصفارات ولا على ضرورة أخذ
الحيطة واتخاذ الملاجئ ملاذاً من الخطر الداهم، وهذا ما يفسّر برأيه وقوع هذا
العدد الكبير من الضحايا بين صفوف العرب في ترشيحا ودير الأسد ومجد الكروم
والمغار والبقيعة وحرفيش وعكا وحيفا وغـــيرها.
ولفت بشارة كغيره من الكُتّاب العرب النظر إلى دعوة الأمين العام لحزب الله
السيد حسن نصرالله عرب حيفا إلى المغادرة بالقول أن السيد نصر الله توجه إلى
عرب حيفا من منطلق حرصه على سلامتهم وعدم أذيتهم بدون أن يقصد أن يرحل العرب من
هذه المدينة.
كما يدرك فلسطينيو الأراضي المحتلة عام 48 بأن حزب الله لم يضرب العمق الصهيوني
إلا كردّ على القصف العشوائي للمدنيين في لبنان. وكان الجيش الصهيوني قد أعلن
في بداية عدوانه الأخير ربما سهواً وقبل تشغيل براثن الرقابة العسكرية، إن 75%
من استهدافات حزب الله للدولة العبرية هي مناطق عسكرية وسائرها هي مناطق مدنية.
ويكشف الكتاب الصهاينة بأنفسهم مدى التمييز الذي يتعرض له فلسطينيو الداخل ومدى
الحقد الذي يدور داخلهم حتى وصل الأمر بالإعلامي الصهيوني البارز ((يارون
لندن)) في (20/7/2006) أنه يتمنى سقوط صاروخ الكاتيوشا الذي وقع في الناصرة على
كنيسة البشارة أو عين العذراء، وذلك رغبة في عدم تفويت الفرصة الدعائية
الصهيونية التي كانت تتمنى ان يصاب مكان مقدس كي يقوموا على الفور بالتلويح
للعالم المسيحي (الغربي) بأن حزب الله (المسلم) استهدف كنيسة مسيحية.
أما القوى السياسية العربية الإسلامية واليسارية داخل فلسطين المحتلة لعام 48
والتي تقف في خط الوسط بينها أجمعت على موقف واحد مؤكدة أن عرب الداخل كما
يصطلح على تسميتهم لا يدعمون العدوان الصهيوني كما دعوا إلى وقفه فوراً مع
إطلاق سراح الأسرى العرب.
وأكدوا أن العدوان على لبنان كان قراراً إسرائيلياً صهيونياً ولم يتم الموافقة
عليه كأحزاب عربية في (إسرائيل)، بمعنى أن العرب كانوا ولا زالوا خارج
((الإجماع الوطني)) –الصهيوني- كعادتهم في حروب (إسرائيل) العدوانية.
واعتبرت هذه القوى في كل بياناتها خلال الحرب إنها مقتنعة تماماً بأن هذه الحرب
كانت خطة مبيّتة ضد لبنان وضد الشعب اللبناني، وأن أي عربي لم يصدق أبداً أنها
جاءت لدى أسر الجنديين على الحدود.
وأضافت هذه البيانات أن (إسرائيل) تمارس العدوان على لبنان بأشكال مختلفة منذ
انسحابها من معظم ((وليس كل)) الأراضي اللبنانية في العام 2000، وأنها تخترق
أجواءه ومياهه الإقليمية وتحتجز أسراه وتحتفظ بأرض مزارع شبعا ولم تطبق قرار
مجلس الأمن رقم 425.
وتجمل هذه البيانات أن فلسطينيي الداخل لا يمكن أن يشعروا بالتضامن مع عدوانية
الدولة العبرية الذي لا يمكن أن يكون إلا نفاقاً أو خيانة مضيفين بأن الدولة
العبرية تريدهم مواطنين كاملي المواطنة فقط في التواطؤ ضد امتدادهم الفلسطيني
والعربي والإسلامي، ولكن عندما يتعلق الأمر بحقوقهم فلا يكونون سوى ((غرباء))
تنعم عليهم الدولة بالبقاء على أرضها، وأي احتجاج على أوضاعهم المزرية تتحول
العيارات المطاطية إلى رصاص حي يسقط فيه أبناء العرب كالعصافير ولا يحاسب في
قتلهم أحد ولا يلام في هذه الجرائم أي مسؤول.
وليس السلوك الأخير خلال الحرب إلا خير مثال وإلا فلماذا تم إجلاء أهالي
((كريات شمونه)) والكثير من البلدات أفرغت من أصحابها لتسكن في وسط البلاد على
نفقة الدولة ولا يحق ذلك لسكان حيفا العرب؟؟
يمجدون المقاومة
وربما أن الظاهرة البارزة الأخرى التي رافقت الحرب لدى فلسطينيي الداخل هي
استبدال الفلسطينيين الأغاني والأهازيج التي يرددونها في أفراحهم ومناسباتهم
السعيدة بأغاني تمجد المقاومة في لبنان والسيد حسن نصر الله وحزب الله حيث
يتفننون في تأليف الأغاني الشعبية التي تعبر عن إعجابهم وتقديرهم لصمود
المقاومة في لبنان.
ورغم حجم الرقابة الواسع على فلسطينيي الداخل إلا أن هؤلاء الفلسطينيين لم
يُبدوا أي خوف أو قلق من بطش الاحتلال أو إجراءاته العقابية جرّاء دعمهم
للمقاومة اللبنانية.
ويقول أحد الشبان العرب من قرى الشمال ((لماذا نخاف؟ وما هو الشيء الذي نخاف
عليه أو نخاف منه)).
التمييز دائماً..
التمييز الذي واجهه فلسطينيو الداخل شمل أيضاً التمييز الإعلامي. فالمشهد
الإعلامي العام إذن هو إسرائيلي ولغته العبرية، فكل النشرات وكل الأخبار وكل
المعلومات وكل خطوط الطوارئ هي بالعبرية وكل الحملات والمساعدات والخدمات توجه
لليهود ولروش بينا ولكرميئيل وليس الى مجد الكروم أو البقيعة أو الناصرة أو عكا
العربية- عكا القديمة. وعندما يتحدثون عن حيفا يتناسون وادي النسناس ووادي
الجمال والمشهد العربي برمته.
المشهد العام والنحن الجماعية التي تتحدث عنها وزيرة التربية والتعليم هي
((نحن)) يهودية إسرائيلية.
وسارعت ذات الوزيرة إلى كتابة رسالة نشرتها بموقع الوزارة ووجهتها للطلاب
والأهل والمعلمين والمدراء والإعلاميين في الوزارة، تشرح فيها الساعات العصيبة
وتقول ((بأيدينا، كمواطنين، قدرة على التحمل، أعطَيْنا الجيش توكيلاً بأن يعمل،
وهو على علم أننا كلنا نقف وراءه، فإننا سنخرج من هذه المعركة أقوى من ذي قبل.
تقع علينا مسؤولية أن نقف في هذا الامتحان وأن نبدي وحدة)). هي وحدة بين
اليهود، والأنا الجماعية التي تتحدث عنها وزيرة التربية لا تختلف عن الأنا
الجماعية التي يتحدث عنها وزير الأمن ولا قائد أركان الجيش ولا رئيس الحكومة
الإسرائيلية. هي ((أنا)) إسرائيلية - صهيوينة.
وتظهر التقارير التي تنشرها أجهزة الأمن الصهيونية أنها اعتقلت منذ مطلع العام
2001 ما يزيد على 110 فلسطينيين داخل الكيان للاشتباه بضلوعهم في عمليات
مقاومة، وإقامة علاقات مع عناصر تنتمي لتنظيمات فلسطينية، تدرجها الدولة
العبرية في قائمة التنظيمات الإرهابية. ووصفت مصادر من أجهزة الأمن الصهيونية
هذه الأرقام بأنها قياسية مقارنة بالأرقام التي عهدتها في السابق. ويشار إلى أن
بعض المعتقلين ضلعوا بشكل مباشر في العمليات الاستشهادية التي نفذتها عناصر
فلسطينية، بينما استخدم آخرون لتقديم المساعدة للاستشهاديين بشتى الوسائل،
الأمر الذي يثير قلق وخوف الأجهزة الأمنية من اتساع نطاق هذه الظاهرة بحيث تشكل
حالة انقلاب شاملة لا تقتصر على أفراد أو جماعات صغيرة. وقد اعتقل في أربعة
شبان من مدينة الطيبة (داخل فلسطين المحتلة عام 48) الواقعة بالقرب من مدينة
طولكرم، بعد محاولتهم تنفيذ عملية تفجيرية، للتعبير عن تضامنهم مع معاناة الشعب
الفلسطيني. كما اعتقل قبلها بشهر ثلاثة مواطنين من مدينة أم الفحم، ثلاثتهم
أبناء عائلة واحدة، بتهمة حيازة الأسلحة وبطاقات هوية مزيفة.
ولأول مرة منذ قيام الكيان الصهيوني طرحت للنقاش قضية تهجير ((ترانسفير))
فلسطينيي الـ48 حيث تقدمت بهذا الاقتراح أحزاب اليمين المتطرف وهذه الخطوة تأتي
بعد اكتشاف الكيان الصهيوني فشل ((أسرلة)) هؤلاء الفلسطينيون خصوصاً بعد
انتفاضة الأقصى.
وكانت المشاركة الواضحة في المراحل الأولى من انتفاضة الأقصى فرصة هي الأولى من
نوعها للإفصاح عن حقيقة أن الأقلية العربية في (إسرائيل) ليست مجرد تجمع أو
تجمعات سكانية، وإنما هي قوة فاعلة ذات وجود وانتماء وموقع في الصراع العربي
الصهيوني.
فقد أحسّ فلسطينيو الداخل 1948 بانتمائهم وهو لم يمت يوماً، وأحسوا بالانتفاضة
تغلي في عروقهم. واليوم يكتشف الكيان الصهيوني أن أولئك الفلسطينيين لم
يستجيبوا لعمليات غسيل الدماغ والأسرلة، ويدور الحديث عن دور فاعل في المقاومة
الفلسطينية بكافة أشكالها.
ومما لا شك فيه أن نماذج المقاومة لفلسطينيي الـ48 ليست جديدة، ولكنها شكلت
نقلة نوعية في إطار الاندماج مع إخوانهم في الضفة والقطاع، وكلها تؤكد أن
الحاجز الوهمي الذي كان يفصل فلسطينيي الداخل –مناطق الـ48- ليس إلا حاجزاً
وهمياً، وأن لا شيء يمكن أن يسلخ هؤلاء الفلسطينيين عن واقعهم العربي
والإسلامي.