|
الشمس.. أو القعر السحيق!
هل رأيت دماً يتدفق في الطرقات بلا حمرة؟!
أم رأيت النار تستعر غضباً ومن جليد في جوفها الجمرة؟!
أرأيت الغيم يمطر كسفاً من السماء وخريف العمر يورق، وبلا زهر تنتصب الشيخوخة
على الأغصان كالثمرة؟
لا تلتفت حولك! أنا أتحدث إليك أنت! نعم أنت! أنت الذي تصدّق كل شيء، وتفعل في
سبيل حلمك المسكين أي شيء.. ألم تصدقهم حين قالوا لك ((صالحْ)) وانسَ ضفائر
أمك، فلم يكن جندياً عبرياً من داس ضفائرها، وهي تدثّر بالدمع وحرارة الروح برد
روحك؟ ألم تصدقهم حين قالوا لك جيران نحن! والدم الذي بيننا يمنحكم ويمنحنا
الدفء وهيبة المحاولة؟!
والدولة التي وعدوك بها؟ ألم تصدق بأنها تصنع (أولاً) من الورق، ثم تصبح مع
الوقت قطعة بهية من الكرتون المقوى، تحيط بكل الرجال الرائعين الذين يعرفون كيف
تنتفخ البطن دون أن تضغط على حجاب الضمير الحاجز؟!
صدقتهم جميعاًً! الفاتحين والكاذبين وضحايا الصمت والجلادين، صدقتهم جميعاً،
وكذّبت نوراً كم أطلّ من بهاء جبينك، فلم تصدّق أنك وحدك من يملك اليقين،
ويسبّح فرحاً بالنهار كالعصافير..
قالوا لك: من أنت لتحتكر الحقيقة؟ ففزعت منها وألقيتها، وصارت أوهامهم حقائق
لديك وحقيقتك التي كم رفعتك فوق رؤوسهم صارت كرة، لا تملك أن تمسك بها وقد
تدحرجت بعيداً وما عادت بين يديك!!
لا أدري إن كنت أبكيك أم أبكي شخصاً آخر! فأنت لم تعد أنت، وبقيت وحدي ألوّح
ليقظتك دون أن ألمس منك حراكاً.. ذابت بيارقي، وتبعثرت مع خيام التشرّد أوراقي،
وما عادت تضيء كعادتها النجوم!
وصغاري جائعون! يلملمون ما بقي من قوتي وصبري.. ملّ الأمل انتظارهم غير أنهم
بالوجع كانوا ينتظرون، فأتاهم الوعد فجراً أنار أكفهم الصغيرة، وانتشر الشعاع
في المضارب الهزيلة، علّها تتفتح العيون!
الشمس التي وعدتك بها أضاءت الأرض، وفي سباتك أحرقتني! أي طين أنت أيها النائم
على شظايا روحك؟ وأي ماء كدر يجري في عروقك؟
يؤلمك أني أتحدّث إليك كما يفعل جلادوك؟ فأي ألم يخلّف في أفئدة الصغار صمتك،
وأي قهر يورث الصابرين قهرك..
افتح عينيك أيها المسكين.. لا تخف! لن ترى غير نفسك، ممدداً وشوك ينبت بين
عينيك وفي فمك، انظر إلى قيدك اهترأ وتحررت أطرافك غير أنك لا تتحرك! فروحك
مقيّدة أغلالها الخوف، فهيهات أن تتحرر أيها الساكن من قيدك!
أيها الممدد على جمر الرضوخ! هناك من يقبض على جمر روحه ولا يحترق، هناك من عرف
للحرية طريقاً، فكان دمه علامات للطريق.. وأنت في برد روحك تكتوي وترفض رغم
وجعك أن تفيق.. سيفك الخشبي أكله العفن! بينما تهوي وحيداً وأنت من انتظر المطر
طويلاً! تهوي بظمأ روحك ولا شيء ينتظرك سوى القعر السحيق..
هناك.. ستواجهك اليقظة، وستفتح عينيك لن تبالي، غير أن الشمس لا تكسو غير
الواقفين على أرجلهم! تهبهم الضوء، وتعدهم بالمطر، وتترك العتمة للقابعين في
الحفر!
جهاد الرجبي
|