الباحث في التراث الفلسطيني حسين
لوباني:
العدو الصهيوني سرق الوطن.. وسرق أزياءنا وأغانينا ودبكاتنا.. وسرق مناقيش
الزعتر والفلافل
أجرى الحوار / محمد أبو طربوش
حسين علي لوباني، أستاذ مرب. مارس مهنة التدريس مدة
أربعين عاماً، منذ عام 1960 حتى عام 2000، في مدارس الأنروا التابعة للأمم
المتحدة.
كاتب، يقرض الشعر بنوعيه؛ الفصيح والعامي، خطيب منبري، وباحث في التراث
الفلسطيني، وفي اللغة العربية، ولد في قرية الدامون في قضاء عكا بفلسطين
المحتلة..
أنهى دراسة المرحلة الثانوية في كلية التربية والتعليم الإسلامية في مدينة
طرابلس.. ليدخل في سلك التدريس معلماً، إثر نيله شهادة البكالوريا. تخرج من
جامعة بيروت العربية عام 1965، حيث نال شهادة (الليسانس في اللغة العربية
وآدابها) مع مرتبة الشرف.. كما حصل على شهادة (دبلوم التربية العام) قسم
الدراسات العليا عام 1968.
شارك في بطولة فيلم (عائد إلى حيفا) للمخرج العراقي (قاسم حول).. بطل لبنان
للشباب الثانوي، في المصارعة الرومانية اليونانية لعام 1958. كتب في العديد من
الصحف والدوريات..
- أستاذ حسين، قمت بهذا التعريف مما جمعت من معلومات في بعض الصحف، ولكن بماذا
تعرف نفسك؟
• الجواب على مثل هذا السؤال يتلخص بكلمات دالة هي التالية: أنا كاتب لغوي،
وباحث في التراث الفلسطيني، هذا هو أدق وصف ينطبق على مجمل أعمالي ومؤلفاتي
التي ظهرت حتى الآن وكلها تحكي عن مفصلين أساسيين وهما: التراث الفلسطيني
واللغة المعجمية، بحيث صار الاثنان (اللغة والتراث) ملتبسين متواصلين في عنوان
أعمالي.
- ماذا أصدرت من مؤلفات حتى اليوم؟
• من أعمالي التراثية التي ظهرت حتى الآن المؤلفات التالية:
1- (معجم الأمثال الفلسطينية)، وهو مجلد يقع في ألف صفحة يحتوي عشرة الآف مثل
فلسطيني، أصدرته مكتبة لبنان (ناشرون).
2- كتاب (الدامون - قرية فلسطينية في البال)، وهو كتاب يحكي العادات والتقاليد
وأيام العز في قرية فلسطينية اسمها الدامون تقع في قضاء عكا. إصدار دار العربي.
3- (معجم أسماء المدن والقرى الفلسطينية وتفسير معانيها)، إصدار مركز باحث
للدراسات والتوثيق.
4- ( معجم الألفاظ التراثية الفلسطينية)، إصدار مكتبة لبنان ناشرون.
5- (رحلة العذاب - فيلم فلسطيني طويل)، إصدار دار العلوم العربية.
6- (معجم أسماء المدن والقرى الفلسطينية)، وهو معجم فيلولوجي (لغوي)-
تاريخي-جغرافي، إصدار مكتبة لبنان ناشرون.
7- (معجم العامي والدخيل)، إصدار مكتبة لبنان ناشرون.
8- ( معجم الأطعمة الفلسطينية)، إصدار: مكتبة لبنان ناشرون.
9- (معجم الألعاب الشعبية الفلسطينية)، إصدار: مكتبة لبنان ناشرون.
كما لي من الكتب:
1- (معجم الكنى والمكنيّات في دنيا البشر والحيوانات)، إصدار مكتبة لبنان
ناشرون.
2- (الملف السري للنكتة العربية)، إصدار مؤسسة الانتشار العربي.
3- (ملف الهبل العربي)، إصدار مؤسسة الانتشار العربي.
وستصدر لي قريباً، إن شاء الله، المؤلفات المخطوطة التالية:
1- من دفاتر الذاكرة الفلسطينية.
2- معجم الكاتب والصحافي والطالب.
3- ديوان أناشيد وأهازيج الأطفال الفلسطينيين، ويقع في ثمانية أجزاء، موجه
للأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين السنة الرابعة والثانية عشرة.
4- معجم غرائب اللغة.
5- ثلاثة دواوين شعر (باللهجة العامية).
- لماذا اهتممت أنت بالذات بالتراث الفلسطيني؟
• كما تعلم ويعلم الآخرون إنني إنسان فلسطيني مقهور، أبعد عن وطنه وقريته وبيته
الذي كانت له فيه ذكريات لا تنسى، شردت من وطني كالآخرين من أبناء وطني فذرفت
مرارة الفراق وعشت أياماً تعيسة حزينة سوداء بعيداً عن جنة الوطن وفردوس قريتي.
ووجدت أنني يجب أن أعمل كالآخرين لاسترداد وطني أو النضال من أجل هوية هذا
الوطن، فكانت آفاق الاختيار في العمل مفتوحة لأخدم قضية بلدي بما أستطيع:
بالرصاصة، بالريشة، بالكلمة، أو باللجوء إلى الحفاظ على تراث بلدي الذي يعني في
النهاية الهوية الفلسطينية هوية الشعب الفلسطيني في أرض هي له سابقاً ولاحقاً
من نهرها إلى بحرها.
شاركت كسائر الفلسطينيين في التظاهرات والمناسبات والخطابات وبعض الأعمال
النضالية الحركية، وعندما طال زمن الغربة وضعفت بُنْيَتي وجدت أن المجال في
خدمة تراث بلدي مناسبة لحالتي الصحية، بالإضافة إلى استعدادي الحميم وميلي
الغريب إلى درجة الغرام بتراث بلدي بكل تلوينه وفسيفسائه، مثل الأغاني الشعبية
والأزجال الشعرية والدبكات والأكلات والألعاب والعادات والتقاليد في المآتم
والأفراح والمناسبات الدينية والوطنية والتراثية، التي هي موضع شغف بالنسبة لي
فضلاً عن أنها جزء خطير من هوية الوطن. فأنا أرى في مجال خدمة تراث بلدي لوناً
من ألوان النضال، وكل فلسطيني يتوجب عليه أن يخدم بلده في المجال الذي يستطيع
العمل والحركة فيه..
- استطاع العدو الصهيوني أن يسرق الوطن فهل استطاع أن يسرق التراث؟
• سرقة اليهود الصهيونيين الإسرائيليين للتراث الفلسطيني تتم جهاراً نهاراً،
وبوقاحة يلحظها الآخرون؛ كل الآخرين.. وهكذا أصبحت أكثر أغانينا الشعبية،
وأزيائنا الشعبية ذات النمنمات الرائعة، ورقصاتنا ودبكاتنا، من الشعراويّة
والشمّاليّة إلى الدّحّيّة والكرّادية، إلى حكاياتنا الحميمة المغرقة في قدمها
وأصالتها، من (الشاطر حسن) إلى (العنزة العنوزيّة) و(نص نصيص في الخمّ)، إلى
الألحان الشعبية، والموسيقى التراثيّة التاريخية، إلى الأكلات الشعبية العربية،
بدءاً بمناقيش الزعتر والفلافل، والباذنجان المغمور، وصولاً إلى خلطة البهارات،
أصبحت هذه كلها بزعم اليهود صورة من صور التراث الإسرائيلي الوافد، الطارئ،
الذي لا يزيد عن خمسين عاماً!
الاحتلال، إذن، يريد سلب التراث وادّعاء ملكيته كما سلب فلسطين وادّعى
ملكيتها!!
- هل يستطيع الصهاينة أن يكون لهم تراث بمسافة زمنية قصيرة؟
• هل يعقل، لشعب متعدد الجنسيات، وفد إلى فلسطين، بعد عام 1920 حتى عام 1948،
أن يكون له تراث متعدد الأوجه والصور والحالات، من عادات وتقاليد وحكايات وحكم
وأمثال وأزياء وأغانٍ ودبكات وأكلات وألعاب ومثيولوجيا، في مسافة زمنية لا يؤخذ
بها في عمر الزمان؟! علماً أن هذا التراث لا يترسخ ولا يستمر، ولا يقوى على
البقاء إلا في ظل وجود شعب أصيل متأصل متجذر في أرضه، ومتجانس لغةً وتاريخاً
وموقعاً جغرافياً، وهموماً مشتركة من الآمال والآلام المتأججة، في بيئة
متماسكة، يغلب عليها الثبات والاستقرار!! كما هو حال الشعب الفلسطيني الأصيل،
ابن فلسطين منذ مئات السنين..
- ما العمل إزاء أفعال هذا العدو الذي سرق الوطن ثم بدأ بسرقة التراث؟
• إن العدو الغاشم نجح في سرقة الوطن، وإن من يسرق وطناً بكامله، لا يستحي أن
يسرق بالتالي تراثاً يمثل التاريخ الشفوي للشعب الفلسطيني على مدى عصور زمنية
تراثية طالت.
معركتنا مع هذا العدو، معركة مفتوحة في كل الاتجاهات، وما علينا إلا الصمود
والتصدي لكل أفاعيل هذا العدو الاستثنائي اللئيم، المدعوم بقوى الظلم العالمية،
وعلى رأسها أميركا، ودول أخرى تابعة، ومؤيدة لها..
كان (بن غوريون) الزعيم الصهيوني يراهن على أن الشعب الفلسطيني المطرود من أرضه
بعد نكبة 1948، سينسى شيئاً اسمه (فلسطين)، فضلاً عن شيء اسمه (التراث) وذلك
بعد مرور 50 عاماً.
وها قد مر ثمانية وخمسون عاماً، والشعب الفلسطيني في قمة نضاله وثَوَرانه،
مستمراً في توهجه المعطاء، نضالاً وذاكرة، وحباً وتعلقاً بالوطن، وإصراراً على
العودة إليه، محرراً من النهر إلى البحر..
- كما علمت أنك ولدت في قرية الدامون عام 1939، هل تعني لك القرية شيئاً وهل ما
زالت في الذاكرة؟
• هاأنذا أو بمشيئة الله دخلت في الثامنة والستين من العمر وما زالت قريتي
(الدامون) لا تبارح ذاكرتي في كل سكناتي وحركاتي. هناك التباس فظيع بين ماض كان
في قرية جميلة وبين واقع قاتم حالي، وباستمرار تظل قريتي صوراً للفرح ولحظة أنس
وسعادة. بيوتها وحاراتها وأزقتها ومسجدها وكنيستها وبيادرها وسور أشجار الصبير
الذي يحيط بها كما يحيط السوار بالمعصم، وزيتونها ولوزها وتينها وكل الكروم
الفاتنة، والحقول والسهول التي تمتد بساطاً أخضر، صوب الغروب باتجاه عكا
التاريخ وسورها العملاق وزرقة البحر وأزهار الربيع من نرجس عطر إلى البرقوق
الأحمر والعوسج والأقحوان والبابونج والبسباس، كلها صور لا تفارق ذاكرتي محفورة
حفراً مرسومة رسماً بمعدن ذهبي. ولذا صورة الدامون والولاء للدامون أو القرية
الفلسطينية في المطلق لا تبرح الذاكرة بل وتشكل هماً دائماً يدعوني إلى
استعادتها.
صدق، إن (الدامون) تنام على يميني يومياً فأحدثها وتحدثني وأسوح في حواريها
وحقولها وهضابها ومراعيها كطائر الحسون أو الشحرور اللذين لا يفارقان أشجار
(الدامون).
وحبي لقريتي دفعني إلى وضع كتاب عنها يلحظ كل شيء يمكن أن يقال عنها قبل نكبة
عام 1948، وضعت هذا المؤلف خدمة لأبناء الدامون ليعرفوا أن لهم قرية جميلة غنية
يفترض بهم ألا ينسوها، ويعملوا لاستعادتها من الغاصب المحتل.
- لقد اخترت العمل في خدمة تراث بلدك، ومثل هذا العمل يتطلب جماعات أو مؤسسات؟
• كنت أتمنى أن توجد المؤسسات أو الجماعات المتخصصة في جمع التراث الفلسطيني
الغني جداً بكل تلوينه وعناوينه وموضوعاته، لأن العمل في خدمة التراث وتدوينه
يتطلب أفراداً وجماعات لأن الجهد الفردي يظل في هذا المجال متواضعاً إن لم أقل
ضعيفاً. نعم هناك بعض الهيئات والجهات واللجان التي تفخر أنها تعمل في المجال
التراثي، غير أن أعمال هذه الجهات لا تتعدى الحالات الاستعراضية المناسباتية،
ومثل هذا لا يوثق التراث ولا يعمل على تدوينه والحفاظ عليه باعتباره جزءاً
أساسياً من هوية الوطن. أنا لم أختر لنفسي أن أكون منفرداً بل وجدت نفسي مضطراً
للعمل من أجل خدمة تراث بلدي الذي أخاف عليه من السرقة والضياع، فأخذت زمام
المبادرة وتوكلت على الله تحدوني رغبة جامحة للخدمة وهمة قوية على العمل.
لا ننكر وجود أفراد عملوا ويعملون من أجل خدمة التراث، نذكر بالخير منهم
المرحوم الدكتور توفيق كنعان والدكتور نمر سرحان والأخ سليم عرفات المبيض،
والأخ الصديق حسن الباش، والأخ عبد الرحمن المزين، والحاجة تودد عبد الهادي،
وغيرهم كثيرون ممن يتمتعون بالغيرة وحب فلسطين.
- ماذا تقول لأبناء فلسطين الذين ولدوا في الشتات؟
• أقول لهم يا أبنائي يا من ولدتم في ديار الغربة والشتات، لو تعلمون عظمة
بلدكم فلسطين مثلما أعلمها لعزّ عليكم النوم.
فلسطين بلد عظيم، لا لأنه وطني بل لأنه هو فعلاً كذلك. ومثل هذا البلد العظيم
في موقعه وتاريخه وشعبه تسترخص من أجله النفوس وعندما تعودون إلى الوطن إن شاء
الله ستتحققون من صدق دعواي.
فلسطين كانت لنا وسنعيدها كاملة بإذن الله تعالى عندما تتوفر النية والإرادة
وحب الشهادة.
سنرجع يوماً إلى حينا ونغرق في دافئات المنى
سنرجع مهما يمر الزمان وتنأى المسافات ما بيننا.