د. مخيمر أبو سعدة رئيس قسم العلوم
السياسية في جامعة الأزهر بغزة:
أسباب كثيرة دفعت لحكومة وحدة لكن هناك شروطاً أمريكية معرقلة
غـزة/فلاح
الصفدي
هل باتت حكومة الوحدة الوطنية طوق النجاة للتخلص من الحصار الدولي والفلتان
الأمني، وإنقاذ تجربة الشعب الفلسطيني الديمقراطية؟ وهل ستنجح حركة حماس والقوى
الفلسطينية الأخرى في إنهاء حالة المخاض لهذه الحكومة وإخراجها إلى النور؟
ولمتابعة ميلاد حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية والوقوف على مستقبلها السياسي
كان لمجلة فلسطين المسلمة هذا الحوار مع الدكتور مخيمر أبو سعدة المحلل والخبير
السياسي ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الأزهر بغزة.
- هل تتوقع أن تخرج حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية إلى
النور؟ ومتى؟
• أعتقد أنه سيتم تشكيلها قريباً وذلك في غضون شهر ونصف أو شهرين على الأكثر،
لأنها باتت حاجة ملحة لمصلحة الشعب الفلسطيني ومصلحة جميع القوى والفصائل
الفلسطينية، وخاصة بعد الحصار الدولي الظالم الذي فرض على شعبنا الفلسطيني
وحكومته وعدم دفع المستحقات المالية للسلطة الفلسطينية الموجودة لدى دولة
الاحتلال.
فأصبح من الحكمة تشكيل حكومة وحدة وطنية للخروج من هذه الأزمة السياسية
والمالية وحالة الفوضى والتوتر الداخلي في المجتمع الفلسطيني.
وأتوقع بعد أن اتفقت كافة القوى الوطنية والإسلامية على أن تشكيل هذه الحكومة
هو المخرج الوحيد من هذه الأزمة، فبعد عودة الرئيس الفلسطيني محمود عباس من
حضور الاجتماع السنوي للأمم المتحدة، سيقوم بتكليف السيد إسماعيل هنية رئيس
الوزراء الفلسطيني الحالي بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
- لكن هل تعتقد أن حركة فتح ستوافق على أن يكون رئيس الوزراء من حماس، وهل
بإمكان الرئيس تكليف شخص آخر غير السيد هنية لتشكيل هذه الحكومة بناء على طلب
حركة فتح؟
• من الناحية الدستورية ووفقاً للقانون الأساسي الفلسطيني فإن من حق الرئيس
الفلسطيني تكليف من يشاء لتشكيل حكومة وأن يعفي من يشاء، كما أن القانون
الأساسي نص على أن الحكومة الفلسطينية التي يتم تشكيلها يجب أن تحظى بموافقة
المجلس التشريعي.
وبناء على ذلك فإن أي حكومة لن تحظى بموافقة المجلس التشريعي ما لم توافق عليها
حركة حماس باعتبار أنها تحظى بـ59% من أعضاء المجلس التشريعي الحالي.
وأعتقد أن حركة حماس لن تعطي ثقتها لأي حكومة ما لم يكلف شخص من داخل الحركة
بتشكيل هذه الحكومة أو على الأقل شخص يحظى بموافقة حركة حماس، كأن تتفق حركة
حماس مع الرئيس الفلسطيني على شخص من خارج حماس.
- لكن هل يمكن أن تستغل حركة فتح غياب أعضاء المجلس التشريعي المحسوبين على
حركة حماس داخل السجون الإسرائيلية لتمرير حكومة وفق رغباتها؟
• من غير اللائق أن تشترط تشكيل حكومة الوحدة الفلسطينية بالإفراج عن أعضاء
المجلس التشريعي، لأنه لا يجوز أن نضع مصلحة الشعب الفلسطيني ضمن رهان السياسة
الإسرائيلية وسياسة الاعتقالات ومحاولة تدمير مشروع الوحدة الوطنية. وبالتالي
أعتقد أنه يجب الشروع بتشكيل هذه الحكومة على أن تحظى بثقة كافة القوى
والتكتلات البرلمانية.
صحيح أن حماس في ظل وجود 30 عضواً من أعضائها البرلمانيين في المعتقل لا تحظى
بالأغلبية، ولكن الواضح أن حركة فتح أعطت شبكة أمان لحركة حماس، ومن غير الوطني
أن تقوم حركة فتح بحجب الثقة عن الحكومة الحالية أو عدم إعطاء الثقة لحكومة
الوحدة الوطنية إذا مثلت حركة حماس رئاستها.
- كيف ترى مستقبل هذه الحكومة؟
• أعتقد أنه في ظل حالة الاحتقان السياسي الداخلي وحالة الفلتان والفوضى
الأمنية التي تسود المناطق الفلسطينية، وانتشار المسلحين والملثمين في الشوارع،
بالإضافة إلى التهديدات الأمريكية بعدم فتح حوار مع حكومة الوحدة الوطنية
القادمة فالمستقبل غير مبشر.
كذلك هناك معوقات أخرى حيث أنه من المؤكد أن تقع خلافات مستقبلية بين حركة فتح
وحركة حماس، وخاصة فيما يتعلق بموضوع المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، وكذلك
الأدوات والوسائل التي يجب أن تستخدمها الحكومة من أجل فكّ الحصار الدولي
المفروض على السلطة.
كذلك حالة الفوضى والفلتان الأمني أعتقد أنه ستكون خلافات بين الكتل البرلمانية
حول النقاط السابقة. وخاصة أننا تعودنا على المناكفات والمجابهات السياسية بين
حركتي حماس وفتح، وليس من المتوقع أن تنتهي هذه المناكفات السياسية بمجرد تشكيل
حكومة الوحدة الفلسطينية.
مثال فقط، عندما يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية ويكون الناطق باسم الحكومة الدكتور
غازي حمد، فإن حركة فتح سوف تتحفظ مثلاً على بعض التصريحات، وأنه لا يمثل
البرنامج السياسي. كما أتوقع خلافات حتى حول تصريحات رئيس الوزراء.
ومن المؤكد أنه ستحدث خلافات مستقبلية بين وزراء حركتي حماس وفتح فيما يتعلق
بالقضايا الخلافية بينهما، مثلاً حول مدى تلبية الحكومة للشروط الدولية
والفلتان الأمني وغير ذلك.
- ذكرت نقاط خلاف ستكون داخل حكومة الوحدة الوطنية ولكن ما هي نقاط الالتقاء
فيها؟
• هناك نقاط التقاء كثيرة، في البداية نرجع لأساسيات الشعب الفلسطيني، حيث أنه
ما زال تحت الاحتلال وجميع قواه السياسية تتفق على دحر هذا الاحتلال وإقامة
الدولة الفلسطينية على أراضي 67 وتركيز المقاومة في هذه المناطق، والتمسك
بالثوابت والحقوق الفلسطينية، أي البنود التي جاءت بها وثيقة الوفاق الوطني
التي وافقت عليها جميع القوى الفلسطينية ما عدا حركة الجهاد الإسلامي.
وأعتقد أن هذه القضايا الأساسية ستكون نقاط اتفاق وتفاهم وستكون أرضية جيدة
لحوار فلسطيني ايجابي والابتعاد عن المناكفات والمجابهات السياسية.
- إلى أي مدى تتوقع استمرار حكومة الوحدة الفلسطينية؟
• إذا انتهى الحصار الدولي على الشعب الفلسطيني وحكومته وبدأت الدول الأوروبية
والولايات المتحدة الأمريكية و(إسرائيل) فتح علاقات تعامل وإنهاء الحصار، أعتقد
أن الحكومة ستعمر طويلاً إلى أن تنتهي فترة ولاية المجلس التشريعي والتي بقي
منها ثلاث سنوات ونصف تقريباً.
أما إذا تحفظت أميركا على هذه الحكومة واستمرت في سياستها الرامية إلى حصار
الشعب الفلسطيني ومنعت التعامل مع الحكومة، من المؤكد أن ذلك سيخلق خلافاً
فلسطينياً داخلياً وسينتج من يدعو إلى ضرورة التعامل مع شروط الرباعية
والاعتراف بـ(إسرائيل) والاتفاقات السابقة، ومن يقول إنه تم تلبية هذه الشروط
بشكل ضمني ولا حاجة للاعتراف والإقرار بهذه الشروط صراحة.
ومن الممكن أن تؤدي هذه الخلافات والمناكفات السياسية إن استمرت إلى تقصير عمر
هذه الحكومة.
كذلك إذا لم يتم الاتفاق بشكل إيجابي على إنهاء حالة الفوضى والفلتان الأمني
ومحاسبة كل من يتسبب بحالة خطف أو قتل أو إطلاق نار وإرباك الساحة الداخلية
الفلسطينية، فهذا بالتأكيد سوف يؤدي لاستمرار الإشكالات ويعمل على التقصير من
عمر حكومة الوحدة.
- ذكرتم أن هناك عوامل خارجية وأخرى داخلية وهي الفلتان الأمني فمن المسؤول عن
ذلك؟
• الجميع يتحمل مسؤولية الفلتان الأمني، ما دام هناك ميليشيات مسلحة محسوبة على
معظم الفصائل وملثمون يقومون بخطف الأجانب وإطلاق النار العشوائي واغتيال
الشخصيات الفلسطينية، لذلك لا بد من اتفاق على أدوات ووسائل لإنهاء حالة الفوضى
والفلتان الأمني.
- ما هي هذه الأدوات والوسائل من وجهة نظركم؟
• يجب منع المظاهر المسلحة في الشوارع والأزقة، خاصة وأن الاحتلال غادر شوارع
القطاع. ومن يريد أن يحمل السلاح فعليه التوجه إلى الحدود والثغور، وليس إلى
الشوارع والأزقة.
من المهم العمل على نشر أفراد الأجهزة الأمنية بشكل دائم في المدن والمخيمات
والأماكن المكتظة بالسكان، من أجل ردع كل من تسوّل له نفسه التعدي على القانون.
وأعتقد أن التوتر الذي ساد في الفترة الأخيرة سيخف في حال تم تشكل حكومة الوحدة
الوطنية، بالإضافة لضرورة إصدار تعليمات واضحة لجميع أفراد الأجهزة الأمنية،
ومن لم يلتزم بالمصلحة الوطنية وثبت تورطه في إطلاق نار أو قتل وغيره تتم
معاقبته بغض النظر عن انتمائه السياسي.
- يعني هل هناك أمل بانتهاء حالة الفلتان الأمني في ظل حكومة الوحدة الوطنية؟
• لا شك أن هناك أملاً كبيراً في إنهاء حالة الفلتان الأمني، خاصة أن كلتا
الحركتين أثبتت وفي ذروة الاقتتال الداخلي وبجهود المخلصين من كلا الطرفين قدرة
كبيرة على تطويق الأحداث، وأنا على يقين أنه إذا خلصت النوايا فسنرى احتواء
لظاهرة الفلتان الأمني.