باتوا الهدف المفضل لجنود الغدر
الصهيوني
أطفال فلسطين.. لهم كل شيء إلا.. الطفولة!!
غزة/اعتدال قنيطة
كان موعد فرحتي قريباً، أيام قلائل وسيكون اللقاء
بيني وبين حبيبي الذي انتظرته منذ تسعة أشهر، كنت أعد فيها الأيام والساعات، بل
الدقائق التي تقربني إلى هذا اللقاء، كنت أحلم أن أضمه إلي صدري بل أحلم في
اليوم الذي سيكبر وينطق بكلمة ((ماما)).
فكثيراً ما اختلفت أنا وزوجي حول اسمه، كنت أود أن أسمّه ((صلاح))، لعل الله
يصلح الحال، وأغرق وأغرق في بحر الأحلام، ولكن سرعان ما أعود إلى الواقع المرير
وإلى الخوف والرعب فهل يا ترى ستمر الأيام القلائل ويكون اللقاء؟
ولكن فجأة وبدون مقدمات استيقظت من أحلامي على كابوس؛ بل واقع مرير طلقات
الرصاص تحاصر المنزل، بل قذيفة من دبابة صهيونية، تسقط وسط منزلنا لتقتل كل شيء
جميل وتغتال طفلي حتى وهو في داخل أحشائي، وقبل أن ترى عينه النور، أو يتم
اللقاء بيننا! يا إلهي فأين أخبئ طفلي لينجو من الطغيان الصهيوني؟ وهل هناك
مكان أأمن عليه من أحشائي؟
ربما كان هذا حال السيدة إخلاص التي اغتالت قوات الاحتلال جنينها وهو في الشهر
التاسع في مدينة خانيونس لينضم إلى ضحايا الاحتلال الصهيوني من أطفال فلسطين.
ولالتقاط مزيد من صور الجرائم الصهيونية بحق أطفال فلسطين والآثار النفسية لهذه
الجرائم عليهم. وكيف ينظر إليها من قبل الأطفال، كان لـ((فلسطين المسلمة)) هذا
التحقيق.
وعن الأطفال الفلسطينيين الأسرى الذين يتعرضون لشتى أنواع التعذيب، تحدثنا مع
والدة الطفل الأسير سامح جمعة تنيس (15عاماً) الذي اعتقل أكثر من مرة على يد
قوات الاحتلال فقالت: ((بعد أن حل ظلام ليلة 5/6/2006 وفي الساعة الواحدة
تقريباً، داهمت قوة كبيرة من جيش الاحتلال منزلنا بعد أن حاصرته تماماً، وكأنهم
يريدون اعتقال مطلوب كبير، ثم أخذوا يعبثون بمحتويات المنزل ويخربون كل ما يقع
في أيديهم، حاولت منهم أن أفهم ماذا يريدون ولماذا هذا الخراب، فرد علي أحدهم
باحتقار أين المخرب سامح؟ من تريد! سامح؟ ولماذا؟ ثم سحبوا سامح بعد أن قيدوا
يديه ورجليه ليلقوا به في إحدى سيارات الجيب)).
ويذكر أن سامح تم الإفرج عنه بعد شهر ونصف من اعتقاله ثم اعاد جيش الاحتلال
الكرة مرة أخرى باعتقاله، وقبل أن يمر شهر واحد على الإفراج عنه، وحول التهمة
الموجهة إليه من قبل المخابرات الصهيونية قالت وبلهجة ساخرة: اتهمته المخابرات
الإسرائيلية بحيازة سلاح وقنابل وغير هذا، وأنه خبأ السلاح في داخل المنزل، ثم
تساءلت مستنكرة هذه الاتهامات الباطلة التي لا يستوعبها عاقل، من أين لطفل أن
يحصل على هذا السلاح الذي يدعونه؟ لقد خربوا البيت وعبثوا في جميع محتوياته ولم
يجدوا شيئاً. فأي ادعاء هذا؟ أو ربما السلاح الذي يدعونه تلك اللعبة التي على
شكل بندقية التي اشتراها سامح يوم العيد؟
تعذيب بكل الألوان
أما عن حال سامح داخل الأسر فهو بلا شك لا يختلف عن حال الأسرى الفلسطينيين وإن
كان عليه أشد لأنه مازال طفلاً، إذ يتعرض لكافة أشكال العذاب.
حيث يبدأ تعذيب الأطفال منذ اللحظة الأولى لاعتقالهم ويستمر حتى لحظة الإفراج
عنهم من المعتقل، في تناقض واضح لما هو مشار إليه في اتفاقية الأمم المتحدة
المناهضة للتعذيب في المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل، والتي وقعت عليها
(إسرائيل) عام 1989.
فالكثير من الأطفال الفلسطينيين يتم اعتقالهم، ويقضون أوقاتاً طويلة في السجون
أو خيم الاعتقال، في ظل ظروف صحية سيئة ونقص في التغذية، إضافة إلى تعرضهم
للضرب والشبْح والشتم والتهديد والحرمان من النوم والطعام وقضاء حاجاتهم
الحيوية، عدا عن التهديد بالاغتصاب، أو محاولة تجنيدهم كعملاء لأجهزة المخابرات
الصهيونية. ولم تكف سلطات الاحتلال بهذه الانتهاكات بل تجاوزت ذلك لتصل إلى
حرمان الأطفال من حقهم في التعليم واقتناء الكتب وأجهزة المذياع والتلفاز
وممارسة الألعاب الرياضية.
أطفال في سجون الجنائيين
ويشار إلى أن عدد الأطفال المعتقلين في السجون الإسرائيلية بلغ 474 طفلاً تقل
أعمارهم عن 18 عاماً، موزعين على عشرة مراكز توقيف، أربعة منها تدار مباشرة من
قبل جهاز المخابرات العامة ((الشاباك))، وهي: الجلمة والمسكوبية وعسقلان وبتاح
تكفا، والباقي يدار من قبل جهاز الشرطة والجيش.
بينما يتواجد الأطفال الأسرى في خمسة معتقلات رئيسة وهي: عوفر، ومجدو، والنقب،
والرملة، وتلموند المخصص للمسجونين الجنائيين الإسرائيليين، وهم عادة من كبار
المجرمين، حيث أقدمت إدارة سجن تلموند على وضع الأطفال الفلسطينيين الأسرى مع
السجناء الجنائيين من الإسرائيليين، خاصة أولئك المدمنين على المخدرات. وربما
هذا أشد وأكبر الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأطفال الفلسطينيين حيث يتعلمون من
هؤلاء المساجين كيفية ارتكاب الجرائم. وحول هذا يقول الأسير المحرر ياسر الذي
اعتقل لمدة عام تقريباً في سجن تلموند: ((أحاول أن أنسى أيام السجن وأكره أن
أتذكرها لأني أصبحت خبيراً في كافة أنواع الجرائم ناهيك عن أنواع المخدرات
وطريقة إدخالها وتسويقها والجيد منها والرديء)).
والأخطر من ذلك أنها تعرضت حياتي لخطر الموت أكثر من مرة من هؤلاء السجناء حيث
جميعهم يحتفظ بموس وحاولوا عدة مرات الاعتداء عليّ، لولا أن معي كان في الأسر
أربعة من أبناء عمي فكان جميعنا نقف ضدهم ونحمي من يتعرض للخطر منا.
ويذكر أن سجن تلموند يتكون من قسم الأشبال فيه من 27 غرفة مخصصة للجنائيين، وكل
غرفة تتسع ما بين 2- 3 معتقلين. كما أنه يتم في الكيان الصهيوني تقديم الأطفال
الفلسطينيين أمام محاكم عسكرية طبقاً للأمر العسكري رقم (225) والذي يجيز
اعتقال ومحاكمة الطفل الذي يبلغ 12 عاماً والأمر العسكري رقم (132).
ويعتبر احتجاز الأطفال بين المعتقلين الكبار والجنائيين مخالفة لنص المادة
((76)) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. يوجد في (إسرائيل) قضاء خاص يختص
بالأحداث والأطفال الفلسطينيين مما يعد مخالفة للمادة (40) من اتفاقية حقوق
الطفل بند رقم (3) والتي تنص على ((تسعى الدول الأطراف لتعزيز إقامة قوانين
وإجراءات وسلطات ومؤسسات منطبقة خصيصاً على الأطفال الذين يدعى أنهم انتهكوا
قانون العقوبات أو يتهمون بذلك أو يثبت عليهم ذلك..)).
آثار نفسية لن يمحوها الزمن
أكدت العديد من الدراسات والخبراء أن الأثر الخطير لهذه الحرب الصهيونية ضد
الشعب الفلسطيني وخاصة الأطفال منه لا يقتصر على الخسارة البشرية والمادية أو
الجسدية، وإنما يتعداه إلى الآثار النفسية والاجتماعية والتربوية الخطيرة التي
تترك تأثيراً ربما لا يمحوه مرور الأيام، هذا ما أكده رئيس قسم العلوم التربوية
بكلية مجتمع العلوم المهنية والتطبيقية الدكتور هشام غراب موضحا أن الحرب
الظالمة التي تشنها قوات الاحتلال تركت أثارها بشكل عام على المجتمع الفلسطيني
وبشكل أكبر على شريحة الأطفال وأضاف غراب ((أن الأطفال الذين لا زالوا في طور
النمو الجسمي والعقلي والانفعالي عاشوا لحظات القتل والدمار والاعتقال أمام
أعينهم، كل ذلك وغيره ولّد لديهم حالة من الفزع الليلي والخوف والقلق والتوتر
النفسي)).
وأشار الخبير النفسي إلى العديد من الظواهر والآثار النفسية التي بدت على
الأطفال بسبب ممارسات الاحتلال الهمجية ضدهم تمثلت في انتشار التبول اللاإرادي،
والعدوانية، والعزلة في بعض الأحيان إلى غير ذلك من المشكلات النفسية
والسلوكية.
وحول أكثر الأسلحة الصهيونية المستخدمة تأثيراً على نفسيات وسلوكيات أطفالنا
أوضح الدكتور غراب أن الاحتلال لم يترك سلاحاً إلا واستخدمه، كالطائرات
والدبابات بأنواعها والقذائف والصواريخ والغازات المختلفة، وأضاف ((هذا التأثير
لم يقِلّ حتى بعد اندحار الاحتلال عن غزة، فهو يستخدم أسلوب تفريغ الهواء من
طائرات (إف 16) والتي تهز أركان الإنسان قبل أن تهز أركان المكان. والأطفال هم
أكثر فئات المجتمع تأثراً في هذه الحالة، حيث أن هذه الأصوات الضاغطة والمخيفة
سببت لهم حالة من الخوف والرعب وعدم الاستقرار)).
دوافع نفسية
ولمعرفة هدف الاحتلال من تركيز عدوانه على الأطفال والآثار النفسية التي تتركها
هذه الاعتداءات على الأطفال مستقبلا التقينا بالدكتور فضل أبوهين أستاذ علم
النفس في جامعة الأقصى - بغزة ومدير مؤسسة إدارة الأزمات المجتمعية قال د. أبو
هين: ((هناك سببان لهذه الجرائم أولهما أن غريزة التلذذ بمعاناة وقتل الشعوب
الأخرى المغروسة في نفسية الشعب الإسرائيلي، ومما يدلل على هذه النفسية المشوهة
ما قاله إسحاق شامير رئيس وزراء (إسرائيل) سابقاً عندما أصدر أوامر إلى جيش
الاحتلال باستخدام كل أساليب القوة لقتل أي فلسطيني)).
بالإضافة إلى تعويض حالة الفشل الذي انتاب جيش الاحتلال خلال الانتفاضة،
والتخلص من حالة الخوف المزروع بنفوس كافة المجتمع الإسرائيلي الذي أكده الله
تعالى بقوله ((لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر)) وليتخلص
الجندي من حالة الخوف فإنه لا يرحم أي ضحية وقعت في يده بغض النظر إن كان طفلاً
أو غيره.
وأضاف: وربما يركز هذا الجندي على الطفل أكثر لشدة خوفه من المستقبل وعبرت عن
هذه الرغبة إحدى الأمهات الإسرائيليات بقولها خلال العدوان الإسرائيلي على
لبنان: ((حتى الأطفال يجب إبادتهم لأنهم جنود المستقبل وسوف يقومون بقتل
أولادنا عندما يكبرون)).
أما الهدف الذي بات واضحاً فهو قتل أكبر عدد من الأطفال لزرع الخوف والرعب في
من تبقى منهم لينشئ جيل فلسطيني خائف ذو شخصية ضعيفة، يسهل انقيادها.
وأكد د. أبو هين أن الاحتلال الإسرائيلي ورغم مرور السنوات الطوال على احتلاله
للشعب الفلسطيني إلا أنه ما زال يجهل التركيبة الفلسطينية حيث الإفراط في
استخدام القوة يزيد شعبنا صموداً وإصراراً.
وأضاف: أن الجيل الذي قاد انتفاضة الأقصى ونفذ العمليات الاستشهادية هو نفسه
أطفال الانتفاضة الأولى. ربما ينجح الاحتلال مؤقتاً في قتل جزء من حياة الطفولة
عند الأطفال، ولكن مشاهد القتل والتدمير وفقدان الأحبة لا شك سيخلق جيلاً رضع
كراهية الاحتلال.
وإن كل الدلائل تؤكد أن الجيل الجديد سيكون جيل جيش مؤطر، ولن يقبل بأي تفاوض
مع الاحتلال لأنه رأى مرارة العدوان الإسرائيلي لذلك سيكون جيلاً مقاوماً ولن
تمر عليه كل ألاعيب التفاوض أو السلام مع الاحتلال.
أرقام ناطقة
قد يظن البعض أن الاحتلال يفكر، أو فكر ذات مرة أن يراجع سياسته الهمجية بحق
أطفال فلسطين، لكن هيهات، فيبدو أنه أدمن هذه العادة، وتربى على هذا الفكر.
فالإحصائيات التي بين أيدينا تشير إلى هذا المسلسل الإجرامي بحق أطفالنا في
فلسطين، حيث تؤكد ((الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال - فرع فلسطين)) في أحدث
إحصائياتها أن قوات الغدر الصهيونية قتلت منذ بدء انتفاضة الأقصى وحتى الرابع
عشر من أيلول/سبتمبر الماضي ثمانمائة واثني عشر طفلاً (812 طفلاً)، بينما تشير
أحدث إحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية الى أن عدد الجرحى من الأطفال بلغ أكثر
من 18.811 طفلاً، بينهم 11.937 في الضفة الغربية، و6.874 في قطاع غزة.