فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Oct2006
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
تقرير
تحقيق
قضايـا
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون العدو
تحقيـق
شؤون إقليمية
حــوار
الغلاف1
الغلاف2
الغلاف3
الغلاف4
الغلاف5
الغلاف6
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
مع الغروب
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
ما قل ودل
لحظة
لوحات فنية

 

شؤون العدو

 

بعد الفشل في غزة ولبنان
الجيش الصهيوني يترنح!

فلسطين/عدنان أبو عامر
صيف حار مرّ به الجيش الإسرائيلي هذا العام، بدأ بعاصفة ((الوهم المتبدد)) في غزة، وتوقف بإعصار ((الوعد الصادق))، مما ينبئ بأن يليه خريف ليس أقل قسوة من الصيف، بحيث تتساقط -كما ورق الأشجار- رؤوس كبيرة في المؤسسة العسكرية، ربما تكون أولها قادة الجيش ورئيس هيئة أركانه.
تُرى ما الذي حدث للجيش الذي دارت حوله الأساطير والخرافات، وعلى رأسها أسطورة الجيش الذي لا يقهر، حتى تتكاثر حوله الشكوك، وتتزايد المطالبات بإجراء المزيد من التحقيقات حول الإدارة الفاشلة للحرب، سواء تلك التي دارت في شوارع غزة، أو على تخوم فلسطين المحتلة في حدودها الشمالية، أكثر من ذلك، لماذا باتت الصناعات العسكرية الإسرائيلية وعلى رأسها دبابة الميركافاه مثاراً للتندر بين جيوش العالم؟!

أمطار الصيف وآثارها العكسية
شكلت عملية ((الوهم المتبدد)) التي نفذتها قوى المقاومة بقيادة كتائب القسام في غزة، بداية لإثارة الشكوك حول القدرات ((الخارقة الحارقة)) للجيش الإسرائيلي، وفشل الجيش والشاباك معاً في الوصول إلى ما يطلق عليه ضباط الأمن مصطلح ((شركاء السر)) الذين خططوا للعملية، الأمر الذي جعل الشاباك والجيش، يتبادلان الاتهامات حول مسؤوليتهما عن وقوع هذه العملية، وألقى كل منهما سلالاً مليئة من الغسيل القذر على بعضهما! لاسيما وأن هدف العملية لم يكن جماعة عاجزة من المسنين، وليس روضة أطفال في كيبوتس، إنه موقع عسكري محصن من الطراز الأول.
كان من الطبيعي أن ((يثأر)) الجيش لنفسه، عبر شن حملته العسكرية ((أمطار الصيف)) التي ما زالت مستمرة حتى كتابة هذه السطور، وهي عملية تتجاوز أهدافها المعلنة المتعلقة باستعادة الجندي في غزة، أهداف تتلخص أساساً في ((جباية ثمن)) العملية من الفلسطينيين الذين شكلوا الحاضن الأساسي لقوى المقاومة، وبكلمات أقل لباقة، عقوبة على المذلة العسكرية التي تجلت في ((الوهم المتبدد)).
لم تحقق ((أمطار الصيف)) النتائج المرجوة التي وضعها قادة الجيش وجنرالاته، وعلى رأسها محاولة استعادة القدرة الردعية المفقودة، لكن الجيش انطلق في غزة من خلال عملية متلعثمة ليست موجهة مباشرة إلى تحقيق الهدف المعلن وهو إعادة الجندي الأسير! وطالما أن ((منطق الردع يكمن في وجوده الخفي)) كما تقول العلوم العسكرية، فإنه ما أن يحاول الطرف الرادع التدخل بصورة عنيفة حتى يتبين أنه قد بدأ يتلاشى، الأمر الذي دفع جنرالاً متقاعداً للإعلان بجرأة غير مسبوقة أن المسافة بين شن عملية ذكية لإطلاق سراح الجندي، وبين عملية انتقامية تهدف لتفريغ غضب وخيبة أمل الجيش، مسافة كبيرة جداً.
وفي الوقت الذي توقع فيه المراقبون أن ينطلق الجيش لضرب أهداف عسكرية قد تبدو ((مشروعة)) في نظر الرأي العام الإسرائيلي والدولي، فقد حلقت طائرات الهليوكبتر و(إف 16) لتقصف منازل الفلسطينيين وتجمعاتهم الاصطيافية كما حصل مع عائلة غالية، وهكذا بدلا من أن ينقذ الجيش سمعته المتدهورة، ها هو يكسر ظهر (إسرائيل) بعمليته التي أضعفت مصداقية موقفها، وأثارت حولها ردود فعل لم تكن تتوقعها وتقدرها.
هذه الوقائع المحرجة دفعت بآراء جريئة إلى العلن داخل أوساط الجيش، لتعلن بأن العمليات التي تنفذها قوى المقاومة تتغذى من كراهية (إسرائيل)، وهي ((كبرميل بارود من غير قعر))، ولذلك فإن معالجتها لا تتم بالوسائل العسكرية فقط كما هو الحال مع أمطار الصيف، وفي اعتراف صارخ على فشل العملية الإسرائيلية في غزة بعد مرور ثلاثة أشهر على انطلاقها أكد الزعيم اليساري يوسي سريد أنه إلى أن تفعل ((أمطار الصيف)) فعلها، سننسى تماماً السبب الذي أدى إلى انهمارها، وكلما طال زمن العملية فقد ابتعدت عن تحقيق هدفها الأساسي، إنقاذ الجندي جلعاد.

التخبط العسكري في لبنان
بينما كان الجيش الإسرائيلي غارقاً في المستنقع ((الغزي))، جاءت المقاومة اللبنانية لتزيد من ورطته المحكمة، فقد شكلت عملية ((الوعد الصادق)) منعطفاً دراماتيكياً وتحولاً عسكرياً في مسيرة المقاومة، لاسيما على صعيد آثارها إسرائيلياً، وخاصة تبدد هيبة الجيش وتآكل قوة الردع لديه، ولعل العملية العسكرية الإسرائيلية التي أسماها ((تغيير الوجهة)) جاءت للتعبير عن عمق الأزمة التي تمر بها (إسرائيل) من خلال حجم العنف وآثار الدمار الذي خلفته في الأراضي اللبنانية، وبالتالي وقوع الجيش والحكومة وأجهزة الأمن في أخطاء متلاحقة وإخفاقات متكررة.
منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب في لبنان، وفيما الحرب دائرة في غزة، راجت مقولة مفادها أن الحسم العسكري مع حزب الله في لبنان، ومع حماس في فلسطين، هو أمنية أكثر منه مسألة واقعية، لأن جيشاً نظامياً لا يستطيع قهر جيش عصابات، ودولة لن تتغلب على منظمة مقاتلة متنقلة.
الفشل العسكري للجيش يتطلب من المراقب العسكري مساحات عديدة من الورق والمداد، لكن الفشل الأبرز تمثل في حدوث إجماع إسرائيلي داخلي، وإلى حد ما داخل بعض أوساط الجيش، يتركز في أن الحرب التي دارت ضد لبنان ليست سوى ((عربدة غريزية)) من رئيس هيئة أركان ((متغطرس)) يسعى للتغطية على إخفاقاته، وحكومة ((انبطاحية منجرة)) وراءه، راغبة في الحصول على رصيد جماهيري رخيص لذاتها، لاسيما وأن الحرب بعد انتهائها لم تحقق سوى حقيقة مريرة وكئيبة متمثلة في فشل مهين، وعلى رأسها إخفاقات التوغلات البرية التي منحت مقاتلي المقاومة أهدافاً ثابتة سهلة للضرب، في ظل أن الحركة الكثيرة للقوات البرية ودباباتها في وضح النهار حولتها لأجسام مكشوفة ومعرضة لضربات مضادات الدروع التي يملكها المقاومون.
الأكثر إيلاماً للجيش وقادته أن معارك بنت جبيل ومارون الراس كشفت الثمن الحقيقي للقتال، وبعيداً عن أعداد القتلى والمصابين والدموع المنهمرة من الجنود، فقد تواصلت الضربات التي تلقتها (إسرائيل) في رموزها العسكرية: البارجة البحرية، وحدات النخبة الخاصة، إصابة عدة مروحيات، إعطاب دبابات مركافاه.
الإخفاق العسكري الأكثر بروزاً جاء على لسان مجموعة من الجنود والضباط، حين زارهم وزير الحرب عمير بيرتس في أواخر أيام الحرب حين خاطبوه: ((جميعنا امتثل للأوامر العسكرية، ولكن رجاء، استخدمونا بطريقة ذكية، لا تدخلونا إلى مغامرات لا يمكننا التصدي لها))، هذا الرجاء يعني ببساطة أن تحقيقاً ((جدياً)) في مجريات الحرب سيحدث هزة أرضية في الجيش الإسرائيلي! أكثر من ذلك فقد طالب المؤرخ الإسرائيلي الشهير توم سيغف بتشكيل لجنة مؤرخين لفحص ((كيفية انزلاق إسرائيل بأكملها)) إلى هذا المنحدر الخطير والحاد.

الجيش يحصد آثار الفشل
خلفت الإخفاقات المتواصلة للجيش الصهيوني في الحربين الفاشلتين اللتين شنهما على قوى المقاومة في فلسطين ولبنان، آثاراً متعددة الاتجاهات، من أهمها:
على الصعيد الإداري، ثارت الشكوك حول مدى نجاح القيادة العسكرية للجيش في إدارة الحرب، وخاصة من قبل قائد هيئة الأركان دان حالوتس، حين قام بتصدير أزمته ((القيادية)) لضباط أقل منه شأناً كان على رأسهم الجنرال أودي آدم قائد المنطقة الشمالية الذي حمّله مسؤولية الفشل الميداني للجيش، مما اعتبر سلوكاً غير حكيم من قائد جيش تجاه أحد ضباطه في ساعة مصيرية يمر بها الجيش. وقد اعترفت أوساط سياسية رفيعة المستوى بالخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته في تعيين قائد الجيش من سلاح الجو في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخه.
على المستوى النفسي والميداني الخاص بالجنود، كشفت الحرب الفاشلة عن تراجع في مستوى الأداء الميداني للجيش، وتدهور في لياقة جنوده البدنية، بل وتدنٍ واضح في مستوى التدريبات التي يتلقونها، علماً بأن المحاور الأساسية التي تركز النقاش حولها تمثل في جاهزية الاحتياط والجيش النظامي للحرب، العمليات البرية وفاعليتها، مفهوم الأمن، تراجع قوة الردع، أجهزة الاستخبارات، سلاح الجو وحدود قدرته على حسم المعارك، التفكير العملياتي لقيادة المعارك، الصورة الإستخبارية التي تبلورت قبل وأثناء الحرب، الإصلاحات التي ينبغي أن يخضع لها الجيش في ظل مستجدات محلية وإقليمية وعالمية.
أما عن الآثار التسليحية، فقد دفعت هزيمة الجيش على أكثر من ساحة إلى ان تطالب قيادته فور انتهاء الحرب بزيادة ميزانيته خلال السنوات الثلاث القادمة بما يتراوح بين 6 إلى 7.6 مليار دولار، علاوة على ميزانية وزارة الحرب السنوية البالغة 10.2 مليار دولار، يضاف إليها 2.2 مليار دولار مساعدات عسكرية سنوية أمريكية، ويستهدف جزء من هذه الميزانية لتجديد مخزون الأسلحة وشراء عتاد وآليات، بدلا من الذي تضرر أو تم تدميره في الحرب، ومن بينها عشرات المدرعات ودبابات ((الميركافا))، حيث يكلف إنتاج الدبابة الواحدة 2 مليون دولار، بالمناسبة فقد استخدم الجيش خلال الحرب الأخيرة 400 دبابة ((ميركافاه)) دمّر المقاومون حوالي 70 منها، مع العلم بأن النفقات العسكرية خلال الحرب على لبنان بلغت 454 مليون دولار.
الأثر الأشد قسوة لهذه الإخفاقات العسكرية تمثل في طرح أسئلة مصيرية تتعلق بقدرة الجيش على حماية الدولة، وهي التي تضع كل ثقتها في هذه المؤسسة، فبعد أن وجهت له ضربات ((مهينة)) في غزة ولبنان، وخاصة أسر جنوده من داخل دباباتهم طرحت أسئلة من قبيل: من يحمي من؟ المدنيون أم العسكريون؟ في إشارة واضحة إلى اهتزاز الثقة بالجيش وقدرته على أداء مهامه المناطة به، والأهم من ذلك استطاعته توفير الحماية للكيان بأسره!
من الواضح أن الهزات الأرضية التي تعرض لها الجيش الإسرائيلي في فلسطين ولبنان، وارتداداتها التي ما زالت أصداؤها تتردد بين قادته وجنرالاته، لن تسفر عن توجه استراتيجي جديد مغاير لما كان عليه الجيش سابقا، خاصة في ضوء تبادل الاتهامات بين المؤسستين السياسية والعسكرية، وتحميل كل منهما للمسؤولية على الآخر في ((الفضيحة)) التي حدثت.. وإلى حين انتهاء مفاعيل هذه الهزات سواء بالإطاحة ببعض الرؤوس الكبيرة، سياسياً أو عسكرياً، سيكون واضحاً ما إذا كان الجيش يمتلك رؤية عسكرية جديدة للتعامل مع ملفات إقليمية تبدو أكثر سخونة من ملفات حماس وحزب الله.

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003