كيف تعيش عوائل الشهداء في فلسطين؟!
مؤسسات حماس الخيرية ومشاريعها ترعى كل أفراد العائلة مادياً ومعنوياً
غزة/ابتسام مصطفى
شهد شعبنا في الضفة الغربية وقطاع غزة الكثير من الأحداث على مدى السنوات
العشرين الماضية، منها الانتفاضة الأولى عام 87 وانتفاضة الأقصى عام 2000 والتي
ما زالت مستمرة حتى الآن. وقد خلفت هذه الأحداث آلاف الشهداء والجرحى
والمعتقلين، ومعهم الآلاف من الأُسر التي فقدت المعيل (شهيداً أو أسيراً أو
معاقاًً)، سواء كان المعيل أباً أو أخاً كبيراً أو زوجاً، مما ألقى عبئاً
كبيراً على عاتق الذين فقدوهم ووجدوا أنفسهم فجأة في موقع المسؤولية عن عائلات
كبيرة العدد في مواجهة ظروف لا ترحم، أصبح بعض النساء الأبَ والأمَّ والمعيل
لعائلاتهن، يقفن لوحدهنّ يصارعْن الحياة وأعباءها.
زوجة شهيد
وقفت أم محمد (منى البطران 37عاماً) تودع ابنها محمد أمام الباص الذي يقله
يومياً من منزله الواقع في مخيم البريج في قطاع غزة إلى مدرسته ((مدرسة الصلاح
الإسلامية في منطقة دير البلح))، وذلك قبل توجُّهها لعملها في ((جمعية الشابات
المسلمات)) فرع مخيم البريج التي تقع بالقرب من منزلها الصغير. وهي تعمل في
الجمعية مدرّسة منذ استشهاد زوجها القائد القسامي محمود مطلق عيسى عام 2002 بعد
خمس سنوات من الزواج، تاركاً لها بنتاً واحدة وثلاثة أولاد، وُلد أصغرهم
(محمود) بعد استشهاد والده.
منى التي وجدت نفسها فجأة ((زوجة شهيد)) وحيدة ومسؤولة عن عائلة كبيرة كان
أكبرهم في الصف الأول الابتدائي حين توفي والده، توجهت ككل عائلة فلسطينية فقدت
معيلها إلى إحدى المؤسسات الخيرية التي أنشأتها حركة حماس في قطاع غزة، والتي
تقدم خدمات مادية ومعنوية لأسر الشهداء والجرحى والمعتقلين، وتأخذ بأيديهم
لمواصلة حياتهم الاعتيادية والحصول على احتياجاتهم الضرورية في ظل الظروف
الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني.
تقول منى ((حصلت على دبلوم دار معلمين وعملتُ مدرسةً في روضة أطفال، ولكن بعد
زواجي تخليت عن مهنتي بسبب رغبة زوجي بأن أعتني ببيتي وأطفالي، وذلك لظروفه
الخاصة، فقد قضى معظم سنوات زواجنا مطارداً فتخليت عن مهنتي وباشرت مسؤولياتي
كزوجة وأم، وكان هو رحمه الله يحاول دائماً رغم ظروفه الأمنية الصعبة أن يوفر
لنا الحياة الكريمة فلم نشعر يوماً بأي نقص؛ مادياً كان أم معنوياً، فقد كان
رحمه الله مثالاً للزوج الحنون والأب المعطاء)).
تتابع أم محمد: بعد مرور فترة العزاء قررت أن أكتم حزني وأتأقلم مع ظروفي
المستجدة وأباشر مسؤولياتي كأم وأب لهؤلاء الصغار، سمعت عن ((جمعية النور))؛
وهي إحدى الجمعيات القريبة من حركة حماس لمساعدة الأسر المحتاجة مادياً عن طريق
توفير راتب شهري دائم لهذه العائلات بغض النظر عن التنظيم الذي تتبع له، وتتلقى
هذه الجمعية الدعم المادي من تبرعات أهل الخير في الخارج. وتمنح هذه الجمعية كل
أسرة مبلغاً معيناً من المال حسب عدد أفراد الأسرة واحتياجاتهم، فأنا أتقاضى
منهم 200 دولار شهرياً لعائلة مكونة من خمسة أفراد؛ يتعلم ثلاثة منهم في
المدارس، فمحمد في الصف الثالث الابتدائي وآمنة في الصف الثاني الابتدائي
وإبراهيم في الصف الأول وهذا المبلغ يعتبر قليلا ولا يكفي لسد حاجات عائلة بهذا
الحجم.
جمعية الشابات المسلمات
تضيف منى: توجهت لجمعية الشابات المسلمات في المخيم، وهي إحدى فروع الجمعية
الأم في مدينة غزة، ولها الكثير من النشاطات التي تخدم المجتمع الغزي؛ وبالذات
المرأة، سواء كانت هذه الخدمات علمية أم عملية، فهي تشمل: دروساً في تحفيظ
القرآن – دورات تلاوة وتفسير وحديث – مشاغل خياطة وتطريز - دروس تقوية لطلاب
المدارس – دورات تجميل - وصنع الوجبات الغذائية)، هذه الجمعيات تقوم بتوفير فرص
عمل للكثير من النساء اللاتي يحتجن للعمل، عملت في الجمعية كمدرسة دروس تقوية
للطلاب المحتاجين، كذلك أشارك بدورات تفسير وأحكام تلاوة القرآن.
أطفال متفوقون
وعن كيفية قضاء يومها تتابع أم محمد: أستيقظ يومياً مع الفجر أؤدي صلاتي، ثم
أقوم بتجهيز طعام الفطور لأبنائي الذاهبين إلى المدرسة، بعد ذهابهم أنطلق إلى
عملي في جمعية الشابات المسلمات لأعود منها قبل عودة أطفالي من مدارسهم،
فنتناول طعام الغداء سوياً ثم نراجع معاً دروسهم المدرسية حتى يحين موعد صلاة
العصر.. وقد وفقني الله تعالى بتفوق أطفالي، فمحمد حصل في العام الماضي على
94%، وآمنة الأولى على مدرستها وهي ذكية جداً وحصلت على 99%، وكذلك إبراهيم؛
فجميعهم متفوقون والحمد لله. ابني الأكبر محمد يدرس في مدرسة الصلاح الإسلامية
لأبناء الشهداء والأيتام التي أنشأتها ((حماس)) لترعى أطفال الشهداء والأيتام،
وهي تابعة لمؤسسة الصلاح الخيرية والتي تقدم الكثير من الخدمات لأسر الشهداء.
هذه المدرسة تمتاز بمستواها الدراسي العالي بين مدارس القطاع، ويدرس بها أبناء
الشهداء مجاناً، وتقوم كذلك بتوفير كافة احتياجاتهم من زي مدرسي وحقيبة تحتوي
على قرطاسية والكثير من الخدمات الأخرى كالهدايا في المناسبات والأعياد. وهي
تحاول أن توفر لهؤلاء الأطفال جواً تعليمياً جيداً وتقوم برعايتهم نفسياً
وتأهيلهم في المجتمع بعد صدمتهم بفقد والدهم، وكذلك تقوم بتعليمهم القرآن
الكريم وأحكام التلاوة إلى جانب الكثير من النشاطات الأخرى فتؤهلهم بذلك
ليكونوا رجالاً يتحملون المسؤولية، ويقوموا بواجبهم تجاه عائلاتهم في المستقبل.
ويعتبر القائمون على هذه الجمعيات أن أقل ما يمكن تقديمه للذين ضحوا بأرواحهم
في سبيل رفعة دينهم ووطنهم هو رعاية أسرهم.
خدمات أخرى
وتؤكد أم محمد أن خدمات هذه الجمعية ((لا تتوقف على التعليم فقط فهي تقدم
الكثير من المساعدات العينية لأسر الشهداء، وتقوم بدور الوسيط بين العائلة
المحتاجة والكافل لها من الخارج حسب ما يصلها من دعم، فأحياناً يكون المبلغ
جيداً يتراوح بين 600-700 شيكل شهرياً (150-175 دولاراً)، وأحياناً يصل إلى 300
شيكل (حوالي 75 دولاراً) وذلك بسبب المضايقات التي تعاني منها الجمعيات الخيرية
في الخارج. وقد عملت جمعية الصلاح على عدم انقطاع هذا الدعم لأسر الشهداء فقامت
في رمضان الماضي بحملة تبرعات واسعة داخل القطاع في محاولة منها لعدم قطع هذه
المساعدات، كذلك توزع في الأعياد (لحوم الأضاحي وملابس الأطفال) وذلك حسب ما
يصلها من دعم خارجي)).
تضيف أم محمد: وبهذه المساعدات التي أحصل عليها إلى جانب عملي أقوم بتغطية
مستلزمات عائلتي وتوفير ما يحتاجونه، فنحن نمر بأزمة مادية خانقة في ظل الظروف
الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها مجتمعنا الفلسطيني، وكذلك نقص في المستلزمات
الضرورية مما يرفع الأسعار ويزيد من معاناة الأسر المحتاجة، ولكن توكلنا على
الله هو الذي يجعلنا نستشعر دائماً أنه لن يضيعنا أنا وأطفالي أبداً رغم كل
المضايقات التي تتعرض لها الجمعيات العاملة على دعم أسر الشهداء، سواء كانت هذه
المضايقات من الداخل أو الخارج. فقد عاشت هذه الجمعيات أقسى الظروف حين تأخر
وصول الدعم لها عدة مرات لكنها لم تقفل بابها في وجوهنا أبداً، وقامت بتقديم
مبالغ رمزية في سبيل عدم القول لنا ((لا يوجد لدينا شيء لنقدمه!)).
جمعية أمهات الشهداء
تجيب أم محمد على سؤالنا لها حول نشاطها في ((جمعية أمهات الشهداء))، ومتى
أنشئت وظروف النشأة: رعاية أسر الشهداء وعائلاتهم وأبنائهم كان همّ الشيخ ياسين
رحمه الله قبل استشهاده، فقد كان يقلقه بقاؤهم دون معيل ودون توجيه أيضاً، وقد
تغلب على العقبة الأولى بإنشاء جمعيات لكفالتهم مادياً، ولكن بقي الجانب
المعنوي، فالمعروف أن الزوجة التي تفقد زوجها فجأة وكذلك الأطفال الذين يفقدون
أباهم يتعرضون للكثير من الأزمات النفسية والشعور بالألم الذي يعزلهم عن
المجتمع، فطلب من الأخوات إنشاء جمعية تسعى لسدّ النقص المعنوي لدى هذه
العوائل.
وقبل استشهاده بشهور رحمه الله قامت الأخوات بتشكيل هذه الجمعية من زوجات
وأمهات الشهداء في كل مدينة ومخيم في القطاع، وترأستها فخرياً المجاهدة وأم
الشهداء أم نضال فرحات. وكانت تشارك في البداية في كل اجتماعات الهيئة الإدارية
للجمعية، ولكنها بعد انشغالاتها المتعددة قامت بهذا الدور الأخت أم حسن (زوجة
الشهيد القائد إسماعيل أبو شنب)، وكذلك أم محمد الرنتيسي (زوجة الشهيد القائد
عبد العزيز الرنتيسي). وقد قمت بالانضمام للهيئة الإدارية لهذه الجمعية منذ
نشأتها إيماناً مني بضرورة متابعة أحوال عائلات الشهداء والعمل على مساندتهم
معنوياً ليخرجوا من حزنهم ويواصلوا مسيرة حياتهم الاعتيادية، وقد نجحنا بحمد
الله في ذلك. ففي كل منطقة يوجد فرع للجمعية يقوم بنشاطات مختلفة أهمها التزاور
في المناسبات والأعياد، وتقديم الهدايا لأطفال الشهداء ومشاركتهم في أفراحهم
وأحزانهم، ومحاولة الترفيه عنهم عن طريق إقامة المهرجانات الترفيهية والرحلات
للأمهات ولأطفالهن حتى تقوى العلاقات بينهم والتعارف أكثر بين أفراد هذه
العائلات.
ورغم أن جميع القائمات على الجمعية قد فقدن الزوج أو الابن، إلا أنهن يتمتعن
بروح عالية ورغبة في مساعدة الآخرين الذين يمرون بظروف مشابهة لظروفهن، وقد
نجحن في ذلك واستطعن مساعدة الكثير من النساء على استعادة الثقة بأنفسهن
والمجتمع، وذلك من خلال متابعتهن لدورات خاصة يُقمنها معاً كالدروس الدينية
وتعليم القرآن وغيرها من النشاطات.
لقد وفق الله القائمين على هذه الجمعيات لتقديم هذه الخدمات الكثيرة من توفير
فرص عمل وتعليم ومساعدات مادية ومعنوية لدعم أسر الشهداء والمحتاجين.. فلولا
ذلك لتشردت الكثير من الأسر أو اضطرت لإخراج أطفالها من مدارسهم لتوفير
احتياجات الأسرة، فقد كفلت هذه الجمعيات لهم حقوقهم ومكّنتهم من تلقّي كل ما
يحتاجونه كأطفال عاديين، بل وأكثر بسبب ما توفره من تعليم راقٍ وملابس جيدة
وهدايا في الأعياد، من غير أن يغيب عنها الاهتمام بتثقيف ربات البيوت والعمل
على تربيتهن إيمانياً ووقايتهن من خطر الانحراف بسبب فقد المربّي.. وهذا كان
هدف الشيخ ياسين رحمه الله من إنشاء هذه الجمعيات وقد زرع صدقاته الجارية في كل
أنحاء فلسطين.
غادرنا منزل أم محمد لعلمنا بموعد ارتبطت به، للتحضير لأحد النشاطات الكثيرة
التي تشارك بها، وأكدت قبل مغادرتنا أن الأيدي الأمينة التي قدمت كل هذه
المساعدات، ستكون أمينة على أموال الشعب ضد الفساد والهدر اللذين نخرا جسد
السلطة طوال عشر سنين..