نحو إعادة الثقافة الفلسطينية إلى
حقيقتها:
((مؤسسة فلسطين للثقافة)) تفتتح المسيرة
بيروت/ياسر علي
يخطئ بعض المثقفين الفلسطينيين في نظرتهم وآرائهم الاستباقية تجاه التيار
الإسلامي وموقفه من الثقافة عموماً، والثقافة الفلسطينية خصوصاً.
أولئك الذين ينعون الثقافة الفلسطينية بعد الانتخابات تجاهلوا نعيَهم السابق
لها قبل الانتخابات. وأولئك الذين عدّدوا مواطن الإبداع الفلسطيني ورجاله من
التيار اليساري والفكر الحداثي، غاب عنهم أن يعددوا معهم رجال الإبداع من
التيار الإسلامي وفكره الأصيل.
والأغرب من ذلك أن هذا التعداد أُريدَ له أن يبدو متناقضاً مع الإرادة الشعبية
والتيارات القائدة له، وأُريد له –كما جرت العادة قديماً- أن يبدو تقدمياً في
مقابل الرجعية القادمة. فأبدوا خشيتهم من اندثار التراث الثقافي الفلسطيني
وضياعه حتى من الأرشيف، ناسين أو متناسين أن أرشيف الثقافة الفلسطيني يبكي حاله
وأحواله منذ عقود. بل إن الثقافة الفلسطينية نفسها في ظل السلطة تبكي حالها
طوال عشر سنوات؛ خاصة أن الحراك الثقافي الفلسطيني كان أكثر فاعلية في ظل
الاحتلال منه في ظل السلطة الوطنية. ولا ننسى صرخة إدوارد سعيد الذي نعى
الثقافة في ظل السلطة حين استضافت في حفل افتتاح التلفزيون الفلسطيني راقصة
مصرية ((توّجت)) بتمايلها قرناً من الجهاد العسكري والسياسي والإعلامي والثقافي
الفلسطيني.
يحلّل الكثير من هؤلاء المثقفين واقع الثقافة الفلسطينية من منظور إسلامي،
فيتحسّسون الطريق في ((ليل البعد عن الفكر الإسلامي)) أغطشته النظرة الاستباقية
للثقافة الإسلامية.
استبعد أن يكون هؤلاء قد قرأوا في الثقافة الإسلامية أساساً قبل أن يتوقعوا
موقفها من الثقافة الفلسطينية.
وأعجبني قولٌ ((معقّد)) لأحد المثقفين الفلسطينيين ((إنهم قرأوا النظرة
اليسارية إلى النظرة الإسلامية حول الثقافة الفلسطينية ثم استخلصوا نظرتهم
الخاصة الاستباقية)).
أما نظرتهم المُلخّصة للقول السابق، فهي أن الثقافة بالنسبة للتيارات الإسلامية
تنحصر في أمرين: الفقه الإسلامي، والإعلام الجماهيري.. ويتساءلون عن الشعر
والرواية والتاريخ والفلسفة والفنون وغيرها.
المثير في الموضوع هو الفخر ((بالإنجاز الوهمي)) في إطلاق المشروع الثقافي
الفلسطيني إلى العالمية، الذي هو في الحقيقة تأثّر وانسياق إلى المفاهيم
والأشكال الأدبية الغربية، ترفدهما العلاقات الفكرية والتنظيمية بين نشطاء
التيارات المتشابهة هنا وهناك.
هذا ((الانطلاق)) نحو العالمية، أضاع بنسبة كبيرة الركائز والقيم الثقافية
المرتبطة بتاريخ وحاضر الأمّة وإيمانها العام.
أمام هذا الواقع؛ واقع الانبهار بالثقافة الغربية والوقوع تحت سطوتها، وواقع
غياب منظومة القيم التي تراعي البعد الوطني والبعد الإيماني الثقافي العام،
وواقع تغييب المثقفين المبدعين الذين يراعون ويرغبون بتكريس منظومة القيم هذه،
سُجلت بعض الجهود والمحاولات الإبداعية الفردية الخجولة لم تصل إلى حدود
التخطيط الاستراتيجي، أو إلى حدود بروز تيار ملتزم بالقضايا الثقافية
الفلسطينية ضمن الإطار الذي ذكرناه.
إذن، أمام هذا الواقع، كان لا بدّ من إطار يجمع المُغيَّبين (القيم والمبدعين)،
لينطلق على أسس علمية وتخطيط استراتيجي لإعادة الثقافة إلى دورها الحقيقي
والأصيل، دون استعداء الأطر الأخرى؛ بل بالحرص على الاتصال بها للوصول إلى صيغة
للتعاون الفعال والمفيد.
مؤسسة فلسطين للثقافة
بناء على هذه القيم والمفاهيم، تشكلت مؤخراً ((مؤسسة فلسطين للثقافة))، كإطار
دافع لمن يحملون هذه الأفكار والقيم، طارحةً مجالات التعاون والمشاركة مع هؤلاء
الكتّاب، متناولةً المجالات الأدبية والتاريخية والاجتماعية والفنية والفلسفية
والإنسانية.. من غير ان تتعارض مع الركائز الثقافية القيمية لهذه الأمّة أو
تلهث وراء الحداثة الغربية بأشكالها وتقع تحت سطوتها.
وقد بدأت ((مؤسسة فلسطين للثقافة)) بإصدارات دار النشر التي أسستها بالاسم
نفسه، وذلك بوتيرة كتاب كل شهر، على أن تكثف إصداراتها بعد الافتتاح الرسمي.
كما أنها أطلقت موقعها الإلكتروني لفترة تجريبية تنتظر الإطلاق الرسمي المتوقع
في شهر أيار/مايو أو حزيران/يونيو ريثما تتم الإجراءات الإدارية والرسمية
والإعلامية.
في ((دردشة)) ثقافية مع مدير عام المؤسسة الدكتور أسامة الأشقر تحدث فيها عن
مشروع المؤسسة وتفاصيله.
بخصوص مفهوم الثقافة الفلسطينية لدى المؤسسة اعتبر الأشقر أن الثقافة
الفلسطينية ثقافة خاصة نظراً لظروفها الخاصة، وهي في مدلولها تعني ((الثقافة
الوطنية المرتبطة بأصول التفكير لدينا؛ أي الثقافة المؤصلة بالانتساب إلى
العقيدة والوطن، وهي الأنماط الذهنية والوجدانية والسلوكية والذوقية التي تم
تثبيتها عبر الزمن في النظر إلى الأرض وتفاعلات الإنسان معها)).
وحول خصائص هذه الثقافة وتميّزها، يرى الأشقر أنها ثقافة أقرب إلى المقدسة
لكونها جزءاً من التكوين الروحي والنفسي، وأنها ثقافة جماعية عصية على التغيير
أو الانصياع للتأثيرات الغريبة عنها. وهي قادرة على الصمود والمقاومة والصعود
والتفاعل.
ويؤكد الأشقر أنها وُجدت لتعكس هوية الفرد وهوية الجماعة، وأنها تمتاز بالاتساع
والمرونة والقدرة على الحوار وامتلاك الإجابات والردود الكافية والمقنعة
والمؤثرة، وهي تتّسم بالعمق والامتداد في أعماق النفس والتاريخ.
ويستشهد الأشقر على قوة مكوّنات الثقافة الداخلية والخارجية في الإنسان
الفلسطيني بأنها أهم مؤثّر في أن يضحي بنفسه التي هي أغلى ما يملك الإنسان.
ما هي القيم؟!
تحولت ((الدردشة الثقافية)) مع الدكتور أسامة الأشقر إلى جولة أفق حول مبادئ
ونُظم وضوابط عمل المؤسسة، وتشعّب الحوار حتى وصل إلى السؤال حول القيم التي
ذكرها أكثر من مرة، كونها ترسم ملامح العمل الثقافي الفلسطيني، وتشكل الرؤية
الواسعة لمجالات العمل الثقافي الفلسطيني.
قبل أن يعدد هذه القيم يؤكد أنها حين تجمع المثقفين على صورة المشهد الكبير
الذي يجمع مفردات خصوصياتنا الثقافية، فهي لا تمنع الجانب الذاتي في العمل
الإبداعي، غير أن المبدع إن لم يكن متفاعلاً مع هذه القيم (في الجوانب الشعورية
والنفسية على الأقل)، فإن إبداعه يكون عاماً لا يحمل مواصفات الثقافة
الفلسطينية وخصوصياتها.
أما مبادئ وقيم هذه الثقافة فهي:
الوطن: مستودع المكان والزمان والتاريخ والاعتقاد، وموطن التفاعل بين الإنسان
والطبيعة.
العودة: الحلم المسافر عبر الأجيال وحراسة هذا الحلم وتسييجه.
القدس: عنوان الصراع بين الحق والباطل.
المقاومة: إرادة صلبة للانتصار.
التضحية: البذل والعطاء المفتوح والاستشهاد.
الحرية: الانعتاق من الاحتلال والانفتاح على مكونات هذا الكون.
الأمّة: فلسطين قضية من قضايا الأمّة العربية والإسلامية تنتسب إليها
بالانتماء.
الأصالة: الانتماء إلى التاريخ والاعتقاد ووحدة الثقافة العربية والإسلامية
التي ترفض بمجموعها التطبيع.
الفضيلة: طهارة الكلمة من طهارة المكان.
المواجهة: مواجهة الثقافة الصهيونية الاستئصالية.
الوحدة: ثقافة التوحد في المواجهة وتشمل قيم التكافل والتضامن والتكامل.
خطوط النشاط الثقافي
بطبيعة الحال، سيتم التركيز على خطوط عمل معينة، تلك الخطوط تجاهلتها الكثير من
المؤسسات الثقافية، وصادرتها هيئات ودوائر معينة لا تحمل القيم التي وردت قبل
أسطر قليلة، فهل حددت المؤسسة بعض هذه الخطوط لدى انطلاقها؟
عممت المؤسسة في ورقة عمل حول مجالات التعاون وجهتها إلى شخصيات وهيئات ثقافية
فلسطينية وعربية، تلك الخطوط التي تأمل منهم التعاون في توثيقها.
-التراث الشعبي الفلسطيني وتراث الذاكرة الفلسطينية في المناطق المحتلة كافة.
-توثيق تجربة الأسر والاعتقال بكافة جوانبها لتقديمها كظاهرة أدبية اجتماعية
ذات خصوصية فلسطينية.
-توثيق التراث العلمي والتاريخي لأرض فلسطين وإبراز علمائها ومفكريها منذ فجر
التاريخ العربي والإسلامي.
-تنشيط حركة الكتابة الثقافية للطفل الفلسطيني.
-تنشيط حركة المسرح الفلسطيني ودعم إنشاء فرق مسرحية ملتزمة.
-توثيق أدب المقاومة وفنون المقاومة التشكيلية.
دوائر ومحاضن
إذا كانت المؤسسة ستتعاون مع المبدعين كما اتضح لنا من خلال رسالتها، فإن
الكلام يبقى نظرياً وفردياً ما لم يقترن بخطوات عملية الدفع هؤلاء المبدعين
(بجهدهم ثم بدعمها) إلى الترتيب الذي يستحقونه، خاصة بعد الظلم الذي لحق بهم
بسبب إمساك أطراف أخرى بمفاصل العمل الثقافي الفلسطيني.
من أجل ذلك تسعى المؤسسة إلى التالي: دعم وتأسيس روابط أدبية ترعى الإبداع،
ونشر أعمالهم وإنتاجهم الثقافي، تقديمهم للهيئات الثقافية والمنابر الأكاديمية
والإعلامية، برمجة الاستفادة من إنتاجهم الأدبي، تنشيط حركة النقد لأعمالهم
الخاصة، واكتشاف المواهب وتشجيعها وتقديمها للجمهور، ودعم تنسيب الأدباء
والمثقفين إلى الروابط الثقافية والأدبية المختلفة، السعي لإبراز المبدعات
الفلسطينيات.
هذه الخطوط العملية تأتي ضمن استراتيجية عامة للمؤسسة للدفع بالمثقفين والأدباء
الذين يحملون القيم والمبادئ التى تتبناها.
وسيتخصص لذلك محاضن ودوائر للنشاط تتلخص في التالي: إنشاء مواقع على الإنترنت
ترعى هذه الثقاقفة، دعم إنشاء المنابر الثقافية في الداخل والخارج، تأسيس دور
ثقافية تختص بإنتاج الثقافة ونشرها، وتأمين الاتصال بين الموجموعات الثقافية
عبر هذه المنابر، وتأسيس مجلات ثقافية دورية.
مما أسلفنا نأمل أن تحقق ((مؤسسة فلسطين للثقافة)) ما تنادي به رفعاً للغبن
وإنصافاً للمغبونين، وسوف يكون لنا عودة أخرى لاحقاً، خاصة عند إطلاق المؤسسة
وموقعها الإلكتروني رسمياً.