المواقف الصهيونية من خطة
((الانطواء)):
تأييد كبير لكن النتائج غير مضمونة
فلسطين/إبراهيم السعيد
في مسعاه لإضفاء ((شرعية)) على تصفية القضية الفلسطينية، أعلن رئيس الوزراء
الإسرائيلي أيهود أولمرت عشية الانتخابات البرلمانية الأخيرة عزمه تطبيق خطة
((الانطواء))، أحادية الجانب، والهادفة إلى تمكين الدولة العبرية من ترسيم
حدودها وفق بوصلة المصالح الاستراتيجية لديها.
مضامين الخطة
تنصّ الخطة على ضم معظم المستوطنات اليهودية التي أقيمت بعد العام 1967، والتي
تنتظم فيما يعرف بالتجمعات الاستيطانية الكبرى رسمياً للدولة العبرية، مع العلم
أن هذه المستوطنات تضم أكثر من 90% من المستوطنين، وإسدال الستار على أي فرصة
للتباحث حولها في أي تسوية سياسية مستقبلية، إلى جانب ضم منطقة ((غور الأردن))
التي تمثل حوالي 25% من مساحة الضفة الغربية، وضم المناطق التي تحتوي على مصادر
المياه العذبة، سيما في جنوب الضفة الغربية، ناهيك عن استكمال تهويد القدس
المحتلة ومضاعفة مساحتها عبر ربطها بالمستوطنات اليهودية المجاورة، سيما
مستوطنة (معاليه أدوميم) التي تعتبر أكبر مستوطنة في الضفة الغربية. وقد وعد
أولمرت بأن تكون أول مرحلة من مراحل هذه الخطة بناء 3500 وحدة سكنية في المنطقة
التي تفصل القدس المحتلة عن (معاليه أدوميم).
الأمر الأكثر خطورة في هذه الخطة هو أن أولمرت لا يكتفي بالأراضي الفلسطينية
الشاسعة التي التهمها جدار الفصل العنصري، بل يؤكد أن هناك حاجة لزحزحة مساره
نحو الشرق ليضم المزيد من الأراضي الفلسطينية، وجنوباً ليضم ما تبقى من مناطق
تحتوي على مصادر المياه العذبة. أولمرت أعد ما يعتبره مسوغات منطقية لتنفيذ هذه
الخطة. فهو يدعي أنه يقدم على تنفيذ هذه الخطة لأنه بعد فوز حركة حماس لم يعد
هناك ثمة شريك فلسطيني يمكن التوصل معه الى تسوية سياسية. وهذا الزعم يثير
سخرية حتى جميع المعلقين في الدولة العبرية، الذين يؤكدون أن خطة ((الانطواء))
كانت جزءاً من الخطوات أحادية الجانب التي اتفق عليها كل من أولمرت وسلفه أرييل
شارون في منتصف العام 2003، حتى قبل أن يخطر على بال أحد في الساحة الفلسطينية
تنظيم انتخابات تشريعية. وأعلن أولمرت بشكل لا يقبل التأويل أن انضمام الأحزاب
الأخرى للحكومة سيعتمد على موقفها من خطة ((الانطواء)).
أسباب الخطة
تقف عدة أسباب وراء إصرار أولمرت على تنفيذ خطة ((الانطواء)):
يرى أولمرت وقادة حزبه أن خطة الانطواء هي النموذج الأفضل لتنفيذ استراتيجية
((الفصل الديمغرافي)) الهادفة إلى حصول (إسرائيل) على أكبر مساحة من أراضي
الضفة الغربية مع أقل عدد من المواطنين الفلسطينيين. من هنا نجد أن الخطة تشمل
ضم المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية المنخفضة، مثل منطقة ((غور
الأردن))، والمناطق المحيطة بالخط الأخضر الذي يفصل بين الضفة و(إسرائيل).
ويعتبر أولمرت أن تنفيذ خطة ((الانطواء)) يعني رمي الكرة في الملعب الفلسطيني،
حيث أنه سيتم عرض هذه الخطة على اعتبار أنه ((تنازل)) إسرائيلي عن أراض
فلسطينية، يتوجب أن يقابله العالم بالضغط على الشعب الفلسطيني لوقف مقاومته. في
نفس الوقت، فإن أولمرت يرى أن تنفيذ الخطة سيضفي شرعية على ((حق)) (إسرائيل) في
رفع سقف قمعها للشعب الفلسطيني في حال تواصلت عمليات المقاومة بعد تنفيذ الخطة.
ويؤمن رئيس الحكومة أن الخطوات أحادية الجانب أفضل بالنسبة لـ(إسرائيل) من
التسويات الثنائية، لإدراكه أنه لا يمكن أن يتوفر شريك فلسطيني يمكن أن يوافق
على تسوية تضمن تحقيق خارطة المصالح الاستراتيجية لـ(إسرائيل) في الضفة
الغربية. من هنا فإن أولمرت ومعه قادة حزبه ((كاديما)) يرون أن الخطوات أحادية
الجانب هي الخيار الوحيد لضمان مصالح كيانهم لأن ما يطرحونه في أي تسوية لا
يمكن أن يقبل به حتى أكثر الأطراف الفلسطينية مرونة وتهاوناً. ويرى أولمرت أن
حكومته القادمة تلقى دعماً دولياً كبيراً لتنفيذ خطة ((الانطواء)).
ويرى أولمرت أن هناك أساساً للاعتقاد بقبول العالم تنفيذ الخطة والتعاطي مع
استحقاقاتها، وهو يستند إلى رسالة الضمانات التي أودعها الرئيس الامريكي جورج
بوش في يد سلفه شارون، والتي تضمنت تأييد واشنطن لـ(إسرائيل) في ضمها للتجمعات
الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، وإقرار الإدارة الأمريكية بحق (إسرائيل)
في عدم الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران/يونيو للعام 67. دعم موقف (إسرائيل)
الرافض لتنفيذ حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
في الوقت نفس إن ما أشاع راحة كبيرة في أروقة مكتب أولمرت كان بلا شك التصريحات
الواضحة التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس التي أعلنت أن
الإدارة الأمريكية ستؤيد قيام (إسرائيل) بخطة ((الانطواء)). وبالنسبة للاتحاد
الأوروبي، فإنه بالرجوع إلى موقف الاتحاد من خطة ((فك الارتباط)) في قطاع غزة،
فإنه بإمكان أولمرت ألا يشعر بالقلق من الموقف الأوروبي، سيما أن الأوروبيين لا
يبدون أي انتقاد للسياسات الإسرائيلية، وتحديداً بعد فوز حركة حماس في
الانتخابات التشريعية.
إن تنفيذ هذه الخطة يحظى بدعم أغلبية الشارع الإسرائيلي، كما أن هناك أغلبية
آلية لتنفيذ هذه الخطة في البرلمان، أي أن أولمرت لن يكون مضطراً لمكابدة ما
كابده سلفه شارون من مصاعب داخل حزبه أو البرلمان لتمرير هذه الخطة ودفع أثمان
سياسية مقابل ذلك. ولا شك أن ما يريح أولمرت على وجه الخصوص أن الفكرة التي
يجمع عليها جميع منتسبي حزبه الحاكم ((كاديما)) هي تأييد خطة ((فك الارتباط))،
التي تشكل خطة ((الانطواء)) إحدى صورها.
ومن الأسباب أيضاً تحسين مكانة (إسرائيل) الدولية، فأولمرت مثل سلفه شارون يولي
اهتماماً للمواقف الدولية، وعلى وجه الخصوص الموقف الأمريكي. وهو يرى أن تنفيذ
هذه الخطة قد يؤدي إلى مبادرة معظم دول العالم، سيما في العالمين العربي
والإسلامي إلى تطبيع العلاقات مع الدولة العبرية، في نفس الوقت عزل الشعب
الفلسطيني ومقاومته، وتسويغ ضربها. ويراهن أولمرت على أن تنفيذ خطة الانطواء
سيكون مدخلاً هاماً أمام تحسين الوقع الاقتصادي للدولة العبرية، وسيشجع على
توجه الاستثمارات الدولية إليها.
موقف المؤسسة الأمنية
تتكون المؤسسة الأمنية في الدولة العبرية من ثلاث مركبات هامة: الجيش
والمخابرات الداخلية ((الشاباك))، و((الموساد))، والشرطة. وبشكل عام فإن هناك
تبايناً ما في المواقف من خطة ((الانطواء)) بين المؤسسات الثلاث. وباستثناء بعض
الجنرالات، فإن قيادة الجيش، وقيادة ((الموساد)) تؤيد تنفيذ خطة ((الانطواء))،
لاعتقاد قيادة الجيش والموساد أن تنفيذ الخطة يعني تحسين قدرة الدولة العبرية
على إدارة الصراع في مواجهة الشعب الفلسطيني، وذلك لأن الخطة تؤدي إلى تقليص
الاحتكاك بين قوات الجيش والمدنيين الفلسطينيين، وبالتالي تخليص الجيش من
المهام التي تقوم بها الشرطة في كل أرجاء العالم. في نفس الوقت فإنه بتطبيق
الخطة يتخلص الجيش من مهمة حراسة المستوطنين والمستوطنات التي ستُضم للدولة
العبرية، وستكون المسؤولية عن حراسة المستوطنين مثل بقية سكان الدولة من مهام
الشرطة. وهذا يعني إعطاء وقت أكبر للوحدات المقاتلة للتدرب والاستعداد لمواجهات
مستقبلية. في ذات الوقت فأن هناك اعتبارات اقتصادية تدفع الجيش للتحمس لتنفيذ
خطة ((الانطواء)). إذ إن تنفيذ هذه الخطة يعني توجيه الكثير من الموازنات
الخاصة بالجيش لتمويل منظومات هجومية ودفاعية، والإسراع في تنفيذ خطة موفاز
بتحويل الجيش الإسرائيلي إلى جيش ((صغير وذكي))، أي جيش يعتمد على عدد قليل من
الجنود، وفي نفس الوقت يتسلح بأكثر التقنيات المتقدمة تطوراً. وهنا من المناسب
التذكير أن الجيش يخصص موازنات ضخمة لتغطية أنشطته الميدانية في الضفة الغربية،
إلى جانب ذلك فإن قيادة الجيش تؤمن بأن تطبيق الخطة يعني أنه ستصبح للدولة
العبرية حدوداً يمكن الدفاع عنها بشكل أوثق.
وفي مقابل الجيش والموساد، فإن جهاز ((الشاباك)) لا يبدي تحمساً لتنفيذ الخطة،
حيث أن هذا الجهاز يرى أنه سيكون الجهاز الأكثر تضرراً من تطبيق الخطة على
اعتبار أنه سيجد صعوبة في تجنيد المزيد من المصادر الاستخبارية من بين
الفلسطينيين بعد الخروج من المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، إلى جانب
تدني قدرة ((الشاباك)) على إحباط عمليات للمقاومة قد تنطلق من المناطق التي
سيخليها جيش الاحتلال ضمن هذه الخطة. بشكل عام يرى ((الشاباك)) أن تنفيذ
الخطوات أحادية الجانب يعمل على تعزيز الشعور بالنصر في الوعي الجمعي
للفلسطينيين، كما حدث بعد تنفيذ خطة ((فك الارتباط))، الأمر الذي يعني بالنسبة
لقيادة ((الشاباك))، أنه سيغري الفلسطينيين لمواصلة عمليات المقاومة وتكثيفها
بعد تنفيذ الخطة. وتتحفظ الشرطة الإسرائيلية على الخطة بسبب تخوفها من ردة فعل
المستوطنين. وتنطلق قيادة الشرطة من افتراض مفاده أن المستوطنين ينظرون
للاستيطان في الضفة الغربية كأمر مقدس يتوجب التشبث به ومحاولة إحباط الإخلاء
بكل السبل. من هنا فإن قيادة الشرطة وإلى حد ما قيادة ((الشاباك)) تتخوفان من
ردات فعل قاسية للمستوطنين في حال تم تنفيذ الخطة سواء ضد الفلسطينيين أو ضد
عناصر الأجهزة الأمنية الصهيونية.