اغتيال الدحدوح والقوقا في غزة:
العدو يستخدم سيارات مفخخة مجهزة بوسائل تصوير
غزة/ياسر أبو هين
لم تكن عمليات اغتيال القائدين خالد الدحدوح القائد العام لسرايا القدس الجناح
العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، والقائد عبد الكريم القوقا الأمين العام لألوية
الناصر صلاح الدين، أولى عمليات الاغتيال التي يتعرض لها قادة المقاومة
الفلسطينية، ولكنها كانت أولى العمليات المتشابهة من حيث الأسلوب والتكتيك،
والاتهامات بضلوع أطراف فلسطينية متعاونة مع الاحتلال في تنفيذ عملية الاغتيال.
فقد سبق اغتيال القوقا اغتيال الشهيد القائد خالد الدحدوح (أبو الوليد) والذي
استشهد بنفس الطريقة تماماً، حيث انفجرت سيارة مفخخة وضعت إلى جانب الطريق
أثناء مروره بالقرب منها، ما يشير بكل وضوح الى أن الجهة المنفذة واحدة أيضاً.
أما القائد عبد الكريم القوقا والمعروف بـ(أبو يوسف)، فقد استشهد، الجمعة
31-3-2006، أثناء ذهابه إلى أحد المساجد المجاورة لمنزله في منطقة النصر بمدينة
غزة، لأداء صلاة الجمعة، وعند اقترابه من سيارة من نوع ((سوبارو)) بيضاء اللون،
انفجرت السيارة المفخخة، مما أدى لاستشهاده على الفور.
لجان المقاومة الشعبية، من جهتها سارعت عبر الناطق باسمها، لاتهام مسؤولين
فلسطينيين كبار بالتورط ومساعدة (إسرائيل) في عملية اغتيال القوقا، التي قالت
((إنها جاءت عبر تفجير سيارة مفخخة بواسطة طائرة استطلاع إسرائيلية أثناء سير
أبو يوسف على قدميه متوجهاً إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة)).
واتهم أبو عبير الناطق باسم الألوية في مؤتمر صحفي عقده في مدينة غزة حينها،
النائب محمد دحلان والقيادي في فتح سمير المشهراوي ومدير المخابرات العامة
اللواء طارق أبو رجب ورئيس جهاز الأمن الوقائي العميد رشيد أبو شباك بالتورط في
العملية، مؤكداً امتلاكه لوثائق تثبت ذلك، مهدداً بالقصاص منهم.
عقب المؤتمر الصحفي اندلع اشتباك بالأسلحة النارية بين عناصر لجان المقاومة
الشعبية ومرافقي المشهراوي الذي عقد المؤتمر غير بعيد عن منزله وسط مدينة غزة،
بجوار برج ((شوا وحصري)).
لم تقف الأمور عند هذا الحد، فقد شهدت عملية تشييع الشهيد القوقا تبادلاً
لإطلاق النار بين عناصر من ألوية الناصر صلاح الدين، وعناصر من الأجهزة
الأمنية، أثناء مرور الجنازة من أمام منزل العقيد نبيل طموس أحد المسؤولين في
جهاز الأمن الوقائي، أدى لسقوط ثلاثة ضحايا بينهم طفل، وإصابة حوالي 25 مواطناً
آخر بجراح.
وزير الداخلية سعيد صيام شارك في جنازة القوقا، ووعد بفتح تحقيق في عملية
الاغتيال وتشكيل لجنة تُعطى لها جميع الصلاحيات لممارسة مهامها واستدعاء كل من
يُتهم بالوقوف وراء عملية الاغتيال.
التفاصيل الدقيقة
أحد خبراء المتفجرات كشف لـ((فلسطين المسلمة)) عن التفاصيل الدقيقة لعملية
اغتيال القوقا وما سبقها من اغتيال لخالد الدحدوح بنفس الطريقة.
وقال الخبير الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه إنه مما لا شك فيه أن (إسرائيل) تقف
وراء عمليتي الاغتيال رغم نفيها مسؤوليتها عن كلا الحادثتين، ويشير إلى أنه
وحسب المعلومات المتوفرة والمؤكدة فإن آلية التفجير ونوعية المتفجرات المستخدمة
هي أمريكية الصنع، والدولة الوحيدة التي تستوردها في المنطقة وتستخدمها هي دولة
الاحتلال.
ويضيف الخبير المختص في مجال هندسة المتفجرات أنه بعد معاينته لمكان اغتيال
القوقا وتجميع عدد من الشظايا المنتشرة في منطقة الحادث، تبين أنها متطابقة مع
شظايا صواريخ طائرات الاستطلاع الصهيونية التي تطلقها على أهداف وكوادر
المقاومة في الأراضي الفلسطينية.
ويضيف الخبير ((هناك تشابه واضح بين عمليتي اغتيال الدحدوح والقوقا، من حيث نوع
السيارة المستخدمة وهي سوبارو بيضاء اللون موديل 1990، وليس لها اسم أو ترخيص
في قطاع غزة)).
وأكد أن السيارات التي استخدمت في عمليتي الاغتيال تم تجهيزهما داخل (إسرائيل)
وذلك لاحتوائهما على تجهيزات معقدة لا تمتلكها أي جهة داخل القطاع، وتوقع أن
يكون قد تم تهريبهما من خلال إحدى ((الكونتينرات)) التي تدخل عبر معبر المنطار
التجاري شرق غزة، مستبعداً أي دور للعملاء في عملية تجهيز السيارة أو نقلها.
وقال: (إسرائيل) لا تجازف بإرسال سيارة مجهزة بأحدث التقينات والمتفجرات من
خلال أحد العملاء الذي قد يتراجع عن تنفيذ العملية ((ويصحو ضميره)) بين لحظة
وأخرى فيقوم بتسليم السيارة لفصائل المقاومة، لذا أتوقع أن تكون ((وحدات
المستعربين)) هي من أشرفت بشكل مباشر على توصيل السيارة وتأمين العملية.
وأكد المتخصص في هندسة المتفجرات أن العبوة التي وضعت في السيارة من النوع
القوي جداً بحيث تضمن مقتل الرجل المستهدف، مشيراً إلى أنه تم تجهيز السيارة
والمتفجرات والأجهزة المستخدمة داخل الكيان الصهيوني، حيث تحتوي على أجهزة لا
يستطيع إلا المحترفون والمختصون وضعها بالطريقة التي وجدت فيها بعد التفجير.
وقدّم الخبير بعض الشرح عن طبيعة السيارة والأجهزة التي احتوتها، وقال: وجدنا
داخل السيارة أربع قواعد ثابتة لكاميرات تنقل الحدث بشكل مباشر، إضافة إلى ما
يجري حول السيارة من كل الجهات وذلك بهدف التأكد من شخصية المستهدف، يتفرع عنها
أكثر من عشر عيون شعارية للتصوير تتوزع من كل الفتحات الصغيرة مثل الغماز أو شق
الجناح الخلفي والأمامي.
واعتبر أن أخطر الأجهزة التي احتوتها السيارة هو عبارة عن جهاز إرسال مثبت في
صندوق السيارة موصولاً مع طائرات الاستطلاع التي لا تغادر سماء قطاع غزة،
موضحاً أن وظيفة هذا الصندوق هو إعطاء الإشارة بالتفجير فور التأكد من الشخصية
المستهدفة، والذي يكون قد حفظت صورته وملامحه في الأجهزة الموجودة بالسيارة،
حيث أنها تعمل على ما يمكن تسميته ((ببصمة الصورة)).
وأكد خبير المتفجرات أن نقطة الضعف الكبيرة في معظم عمليات الاغتيال هو
((الروتين)) وتكرار استخدام نفس الطرق والشوارع في التنقل والحركة، ودعا كافة
كوادر وعناصر المقاومة وتحديداً المطاردين منهم إلى اتباع تعليمات أمنية مشددة
في التنقل والحركة، وعدم السير في شوارع محددة، بل التمويه قدر الإمكان، وحذّر
من ضرورة الانتباه إلى السيارة المشبوهة التي تقف على قارعة الطريق وتبقى لأيام
في مكانها أحياناً دون أن ينتبه إليها أحد.
اختبار أول
عملية اغتيال (أبو يوسف) والتي وقعت بعد يوم واحد من استلام الحكومة الفلسطينية
برئاسة إسماعيل هنية مهامها أربكت الساحة الفلسطينية، خاصة بعد الأحداث المؤسفة
التي وقعت بعدها من إطلاق النار على مسيرة تشييع القوقا وسقوط عدد من الضحايا،
والتداعيات العاصفة لها.
الحكومة الفلسطينية أعلنت بعد اجتماع طارئ قرارها بسحب المسلحين من الشوارع
ووقف الاتهامات المتبادلة وتشكيل لجنة تحقيق في الحادثة، كما أكد وزير الداخلية
سعيد صيام أنه تم تشكيل لجنة تحقيق رباعية من جهاز الأمن الوطني والشرطة
والداخلية والنيابة، وأعلن أنه تم تكليف النائب العام العسكري حمودة جروان
برئاسة اللجنة.
غير أن جمال أبو سمهدانة (أبو عطايا) الأمين العام للجان المقاومة الشعبية حمل
السلطة مسؤولية حماية المطلوبين، مشيراً إلى عدم جدية الأجهزة الأمنية في
ملاحقة العملاء.
وحول استعدادهم للتعاون مع لجنة التحقيق المشكّلة، يوضح أبو سمهدانة أن وزير
الداخلية سعيد صيام أرسل لهم رسالة تبلغهم بتشكيل لجنة تحقيق وطلب التهدئة.
ويقول (أبو سمهدانة): ((نحن من جانبنا التزمنا بمطلب وزير الداخلية، ولكن لدينا
تحرياتنا الخاصة وسنقدمها للجهات المسؤولة)).
علامات استفهام
عملية الاغتيال بطريقتها الجديدة أثارت علامات استفهام كبيرة لدى الشارع
الفلسطيني وفصائل المقاومة والكتاب والسياسيين على حد سواء، خاصة في توقيت
العملية وتنفيذها وأسبابها ودوافعها.
ويتساءل الكاتب يحيى رباح عن الهدف من اختيار (الدولة العبرية) ارتكاب هذه
الجريمة على هذا النحو وخلال قيام الحكومة الجديدة بتسلم مهامها؟
ويقول: ((الإجابة واضحة تماماً وهي أن (إسرائيل) تريد أن تقوم هي بوضع جدول
الأعمال، وأن تفرضه وأن تغرقنا به، عكس الاتجاه الوطني الذي يسعى إلى ترتيب
الأولويات، ووضع جدول الأعمال بما يحقق أكبر قدر من المصلحة الوطنية، حيث أن
(إسرائيل) تريد أن يكون موضوع السلاح الفلسطيني، السلاح الذي في يد الفصائل
والمجموعات والأفراد والعائلات هو البند الأول على جدول الأعمال، وهو الاختيار
الأقسى الذي تبدأ به الحكومة الجديدة باكورة أعمالها)).
وأشار رباح إلى أن الأحداث الأخيرة تصب بالمطلق في خانة الهدف الصهيوني، وتساعد
بشكل واضح على فرض جدول الأعمال الصهيوني.
أما المحلل السياسي هاني حبيب فتطرق إلى تصريحات وزير الداخلية سعيد صيام عقب
الحادث، والتي حملت (إسرائيل)، في كل الأحوال، مسؤولية اغتيال الشهيد القوقا،
واعتبارها المستفيدة من هذا الاغتيال وتداعياته.
ويقول حبيب: إن تصريحات صيام تشير إلى تجرده من الانطباعات المسبقة والاتهامات
المتسرعة، وتحلّيه بمسؤولية عالية في إدارة هذا الملف الشائك، مضيفاً: كنا نأمل
موقفاً عملياً، ولنقل تجريبياً، في إنزال قوى الأمن التي تحت إمرته، للشارع، من
أجل بسط الأمن والتقليل من مخاطر الاشتباكات بين فرقاء، بعضهم من المحسوبين على
السلطة، والبعض الآخر من الفصائل المسلحة، ولا نقلل من أهمية تشكيل لجنة تحقيق
ومحاكمة المتورطين، كما جاء في تصريحات وزير الداخلية، لكن بعض المتورطين كانوا
في الشارع يفرضون على الجمهور الفلسطيني بالقوة المسلحة، منع التجول!
الكاتب الصحفي طلال عوكل قال :إنه من السابق لأوانه الحديث عن الدوافع المباشرة
التي أدت إلى عملية الاغتيال، مشيراً إلى أن توقيت العملية في اليوم التالي
لأداء حكومة إسماعيل هنية القسم أمام الرئيس، إنما يؤشر على عهد صعب من
الصراعات الداخلية التي تستهدف إفشال حركة حماس التي أغاظ فوزها بأغلبية مقاعد
التشريعي، أطرافاً كثيرة، لم تُخفِ عزمها على تضييق الخناق حول رقبة الحكومة.
ويرى عوكل أن المسؤولية الصهيونية واضحة، ولا تخفيها التصريحات التي صدرت عن
بعض المسؤولين الصهاينة، ذلك أن (إسرائيل) أعلنت مراراً ومؤخراً، أنها ستواصل
سياسة الاغتيالات بحق نشطاء المقاومة، لافتاً إلى أن (إسرائيل) هي صاحبة
المصلحة الحقيقية في إشعال الجبهة الفلسطينية الداخلية، وقد سعت منذ فترة طويلة
من أجل تدمير القلعة الفلسطينية من داخلها بعد أن أعيتها وسائلها العسكرية
والسياسية عن تحقيق هذا الهدف.
ويقول عوكل: إن الحكومة التي لم تكد بعد تتسلم مسؤولياتها الرسمية، جاء ردها
فورياً وسريعاً بالإعلان عن تشكيل لجنة تحقيق، والطلب من المسلحين الذين ملأوا
الشوارع، بإخلائها، ومطالبة الجميع بالتوقف عن مواصلة كيل الاتهامات، رغم أننا
لم نسمع اتهامات سوى من طرف واحد، غير أن ما كان يجري على الأرض من تحركات
وحالة تحفز، كان ينذر بالمزيد من العواقب الوخيمة.
لمتابعة موضوع الغلاف اضغط هنا