فئة اللاجئين
الفلسطينيين غير المسجلين في لبنان:
حرمان من الطبابة ومشاكل في التعليم وتشدّد في الإجراءات الرسمية
بيروت/أحمد الحاج
إذا كانت المخيمات الفلسطينية عاصمة البؤس والفقر في لبنان نتيجة الأوضاع
المزرية والقوانين الجائرة، فإن فئة غير المسجلين ((N.R.)) من الفلسطينيين في
وكالة الأنروا هم أكثر ما يتجسّد البؤس فيهم. تاريخياً، بدأت حملات التهجير من
فلسطين إلى لبنان بعد صدور قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، حيث
اندلعت اشتباكات عنيفة بين المقاومة الفلسطينية والعصابات الصهيونية التي نجحت
في العام التالي بإنشاء كيان وتشريد ما يزيد عن 750 ألف نسمة إلى الدول العربية
المجاورة. ووصل ما لا يقل عن المئة ألف فلسطيني إلى لبنان. وهذه الفئة شملها
إحصاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر العام 1948، وإحصاء الأنروا (1952) وهي
مسجلة في سجلات المديرية العامة للأمن العام اللبناني، ومديرية شؤون اللاجئين
الفلسطينيين في لبنان، ووكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) وهؤلاء هم
الفئـة ((R)) أي المسجلين.
عرّفت الأنروا اللاجئ الفلسطيني بالشخص ((الذي كان يقيم في فلسطين خلال الفترة
من 1 حزيران/يونيو 1946 حتى 15 أيار/مايو 1948 والذي فقد بيته ومورد رزقه نتيجة
حرب 1948. وعليه فإن اللاجئين الفلسطينيين الذين يحق لهم تلقي المساعدات من
الأنروا هم الذين ينطبق عليهم التعريف أعلاه إضافة إلى أبنائهم)). ولكن هناك
فئة رفضت التسجيل في الأنروا على اعتبار أن عودتها قريبة وبالتالي فليس هناك من
حاجة إلى هذا التسجيل. ومن هذه الفئة من اضطر إلى الهرب من فلسطين بعد العام
1952 تحت ضغط القوانين الصهيونية التمييزية والاضطهاد من قبل الكيان الصهيوني،
أو بحثاً عن أفراد مشتّتين في العائلة. كما هُجّر الكثير من الفلسطينيين بعد
عدوان العام 1956، ومنهم من منعه نضاله المتواصل ودخوله إلى وطنه لأداء واجبه
من التسجيل في وكالة الأنروا. كل هؤلاء الذين يُعَدّون اليوم بحوالي أربعين
ألفاً، صُنفوا ضمن فئة غير المسجلين أو ما بات يُعرف بـ((N.R.)). وسوّيت
أوضاعهم بالمرسوم رقم 309 العام 1962 والمرسوم رقم 136 العام 1969، بحيث أصبح
لديهم إحصاءات وسجلات محفوظة لدى الأمن العام اللبناني ومديرية شؤون اللاجئين
الفلسطينيين، ولكنهم غير مسجلين بالأنروا ولا يستفيدون من خدماتها، ومع ذلك
يحصلون على وثائق مرور مدتها سنة واحدة قابلة للتجديد.
مشاكل متعددة
يعيش اللاجئون الفلسطينيون المصنفون ضمن فئة غير المسجلين أوضاعاً مأساوية
مضاعفة عن بقية اللاجئين الفلسطينيين، وإحدى أسباب هذا البؤس حرمانهم من الحصول
على بطاقة إعاشة من قبل وكالة الأنروا، الأمر الذي لا يؤهّلهم، حسب قوانين
الوكالة، الحصول على الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية. فعلى الصعيد الصحي
فإن اللاجئ الفلسطيني من هذه الفئة في حالة مرضه لا يحصل على أي مساعدة من
الأنروا على خلاف بقية اللاجئين. وفي ظل الظروف الاجتماعية التي يحياها فإنه
يبقى عاجزاً عن تأمين أي مبلغ، مهما كان زهيداً، لإجراء أبسط العمليات التي
يحتاجها، وغالباً ما تجد أبناء هذه الفئة ينتظرون أقدارهم بألم جسدي لا يملكون
أن يفعلوا أي شيء تجاهه. وكذلك فإن أبناء فئة غير المسجلين وعلى الرغم من
إمكانية معاينتهم في عيادات الأنروا فإنهم لا يستطيعون الحصول على أية ميزات
طبية قد تمنحها الأنروا للاجئين من تجهيزات وغيرها مثل أطراف اصطناعية أو
نظارات، والتي تُعطى لأصحاب الحالات المعسرة. وفي سنوات عديدة صدرت قرارات تمنع
هذه الفئة من المعاينة في عيادات الأنروا وهو ما حصل في العام 1996 وكذلك في
العام 2002، ونتيجة الضغط الشعبي وتحركات اللجان الشعبية والقوى السياسية توقّف
مفعول هذه القرارات، لكن سيف إعادة إصدارها يسلّط مجدّداً كلما لاحت في الأفق
أزمة مالية في وكالة الأنروا.
على الصعيد التعليمي فإن غير المسجلين حُرموا لسنوات طويلة من الالتحاق
بالمدارس الثانوية التابعة لوكالة الأنروا والتي تستقطب الآلاف من الطلبة
الفلسطينيين في لبنان، كما مُنعوا طيلة سنوات من الالتحاق بمعهد سبلين التابع
للوكالة والذي يخرّج سنوياً الآلاف من الطلبة. وعلى رغم إلغاء هذا القانون
الجائر والسماح لأبناء فئة غير المسجلين بالالتحاق بالثانويات والمعاهد التابعة
للأنروا، فإن الفترة الماضية خلقت جيلاً غير متعلّم في وسط هذه الفئة ممّا
سيلحق الأذى في المستقبل التعليمي لأبنائهم. كما أن الطلاّب ضمن هذه الفئة لا
ينالون أي منح جامعية تقدّمها الأنروا، سواء داخل لبنان أو خارجه، مهما كانوا
متفوّقين على أقرانهم.
أما الحالات المعسرة ضمن هذه الفئة (وهم بالمناسبة معظم أفراد هذه الفئة) فإنها
لا تنال أي حصة تموينية كما مثيلاتها في فئة المسجلين. ولا تستفيد من أي
مساعدات أو قروض قد تمنحها الأنروا لتيسير أوضاع أصحاب الحالة المعسرة. كما
أنهم محرومون من أي عمليات ترميم قد تقوم بها الأنروا للبيوت الآيلة للسقوط،
والتي يعجز أصحابها عن إصلاحها. وحتى أنه خلال الحروب التي شهدتها المخيمات
وأدّت إلى تدمير جزء كبير منها رفضت الأنروا المساعدة في ترميم أو إعادة بناء
البيوت المهدّمة لغير المسجلين، ممّا أجبر أصحابها على إثقال كاهلهم بقروض
كبيرة. أما بالنسبة لوثيقة المرور التي كانت من قبل بحوزة غير المسجلين فهي
كانت بحاجة إلى تجديد كل عام في مديرية الأمن العام في لبنان، ولا يستطيعون
تجديدها من خلال السفارات اللبنانية في الخارج. ويعني ذلك أن أبناء هذه الفئة
إذا سافروا إلى أي بلد فإنه كان يجب عليهم العودة كل عشرة أشهر تقريباً من أجل
تجديد وثيقة المرور وهو ما يلكّفهم مبالغ طائلة.
ويتعرّض أصحاب هذه الفئة أيضاً لابتزاز مالي من جهات عديدة، على وعدٍ بأن يُعاد
تسجيلهم في فئة المسجلين. والكثير منهم يخبرونك (مع طلب عدم الإفصاح عن
أسمائهم) حكايات عن بيع بعض أثاث بيوتهم علّهم يستطيعون رفع بعض الحرمان عن
كاهلهم بتحويلهم إلى فئة المسجلين، ولكن الحرمان زاده حرمان بفقدانهم مدّخرات
عمرهم أو بعض حاجيات بيوتهم.
وهناك العديد من فاقدي الأوراق الثبوتية اضطروا تحت ضغط هذه الظروف المأساوية
إلى نسبة أبنائهم لأقارب الوالدة، أي باسم الخال أو والد الزوجة، وبهذا فإن
الأم بالحالة الأولى وبالشكل القانوني تكون عمّة ابنها بينما فعلياً هي
والدته، أو أخته في الحالة الثانية، وبهذا يكون اسمه مدرجاً على سجلات
((الأنروا)) بشكل رسمي ويستفيد من خدماتها، ولكن مع خوفٍ دائم من معرفة السلطات
الرسمية بالمخالفة القانونية التي سوف تؤدي إلى عواقب وخيمة وسجن كل من شارك
بهذه المخالفة والتي تشمل عدة أفراد من العائلة.
مجاهدون انتكبوا
محمد محمود عبد الحي من بلدة (نحف) في فلسطين المحتلة، شارك في العمل الجهادي
منذ العام 1948، ومع التهجير انتقل إلى لبنان وترك خمسة أولاد وزوجته في
فلسطين. وواصل العمل الفدائي، فكان يدخل فلسطين وينفذ العمليات ويمرّ ليطمئن
على عائلته. شغله العمل الفدائي عن التسجيل في الأنروا، وكان يرفض الاستقرار في
لبنان أو في أي مكان آخر خارج فلسطين، وكان أمله بالعودة يكبر. قبضت عليه
السلطات اللبنانية في العام 1949 وسجنته لعام واحد. وما إن أُطلق سراحه حتى
انتمى مجدّداً إلى مجموعة فدائية وعاد يدخل وطنه من جديد، إلى أن قبضت عليه
السلطات اللبنانية من جديد في العام 57 وسجنته عاماً آخر. وخرج بعدها وقد شدّد
الكيان الصهيوني مراقبته على الحدود فلم يعد بإمكان أبو لطفي الدخول إلى بلدته
ووطنه وملاقاة أولاده الخمسة وزوجته. ووجد أبو لطفي أن اسمه غير موجود في
سجلاّت الأنروا، وبدأت رحلة البحث عن وثائق تؤهله لهذا التسجيل حتى هذا التاريخ
الذي هو فيه طريح الفراش، في بيته المتواضع في مخيم برج البراجنة، وقد بلغ من
الكبر ما بلغ، وأولاده التسعة يتحلّقون حوله يخبرونا بعضاً من مآسيهم.
بسام، ابن محمد عبد الحي، يخبرنا أنه يجدّد الوثيقة كل عام بتكلفة 100 ألف ليرة
(حوالي 70 دولاراً) وهو ليس بالأمر الهيّن على اللاجئين وخصوصاً غير المسجلين.
ونحن محرومون من السفر إلى العديد من الدول نتيجة هذه الوثيقة. يضيف بسام
((بالنسبة للتعليم فإننا نعاني كل من الإصدار المتكرّر لأوراق تثبت أننا
فلسطينيون، حتى نستطيع تسجيل أبنائنا بمدارس الأنروا، وهذا أمر مرهق في الوقت
والمال. كما أن ابني محروم من أي منح قد تُعطى للمتفوقين من زملائه)). ويؤكد
بسام أنه حدث أن احتاج بعض أفراد عائلته لبعض العمليات (الزايدة، اللوز) ولكن
الأنروا رفضت المساعدة، ورغم أن التكاليف قد تبدو زهيدة إلا أنها ليست كذلك
بالنسبة لغير المسجلين، كما أن أخي الأصغر عصام كان قد أصيب إصابات بالغة في
الماضي ولكن وكالة الأنروا رفضت علاجه.
يتابع بسام عبد الحي ((أصيب بيتنا أثناء حرب المخيمات بتدمير جزئي، ورفضت
الأنروا المساعدة في الترميم، ممّا كلفنا الكثير من الجهد والمال)). وفي قضايا
العمل، والكلام لبسام، الكثير من الشركات ترفض توظيف من ليس لديه بطاقة إعاشة،
ظناً منها أن وجوده في لبنان لا يأخذ طابعاً شرعياً. ويشير بسام إلى أنه في
العام 1985 ((وبعد تخرجي بعام واحد، من قسم الهندسة، تقدّمت بطلب توظيف لإحدى
الشركات في لبنان، وبعد أن أبدت موافقة مبدئية على التوظيف عادت ورفضتني بحجة
عدم امتلاكي لبطاقة إعاشة)). ويعتبر بسام عبد الحي أن الأنكى من كل ذلك أن
مسؤولين في الأنروا عندما اشتكينا لهم من معاناتنا قالوا إنه يجب أن نفرح لأن
أي حل سياسي سيطال الفلسطينيين في لبنان ستنالون حظكم منه أولاً، فهم يبشروننا
بتصفية قضيتنا!
إبراهيم حسن الميعاري (أبو خالد)، شارك هو الآخر في كتائب الجهاد في العام
1948، ومع دخول العصابات الصهيونية للقرى والمدن الفلسطينية، آثر البقاء في
بلدته (شعب) رغم الاضطهاد والمجازر التي رافقت الاحتلال. لكن في العام 1955، أي
بعد إحصاء الأنروا بثلاث سنوات، أبعدته قوات الاحتلال إلى لبنان بعد أن علمت
بمشاركته في أعمال المقاومة عام 1948، ومواصلة انتقاده للاحتلال. حاول أبو خالد
كثيراً من أجل التسجيل ولكنه لم يفلح بتاتاً، إلا أنه استطاع الحصول على بطاقات
قيد الدرس في أواخر الخمسينات على أن يدفع 30 ليرة لبنانية كل ثلاث سنوات عن كل
بطاقة، وهو مبلغ لا يستهان به بمقاييس ذلك الوقت. وفي الستينيات استطاع أن
ينتقل من فئة قيد الدرس إلى فئة غير المسجلين.
قبل عامين أخبر طبيبُ القلب أبا خالد بحاجته إلى عملية قلب مفتوح مستعجلة،
وحاول أبو خالد لدى وكالة الأنروا مراراً علّهم يساعدونه، ولكن لم ينل منهم سوى
الرفض. يضيف أبو خالد أنه ((لولا مساعدة أهل الإحسان بعد الله لكان مصيري
مجهولاً)). ويقول أبو خالد إن تفرّق غير المسجلين في مخيمات عدة لا يساعد على
تجمعهم وتظاهرهم والضغط على الأنروا، ((ومع ذلك، فإننا قمنا ببعض الضغوط،
وطالبنا الأنروا ببطاقة إعاشة لا تؤهلنا الحصول على الخدمات، ولكن تؤهلنا للعمل
في الشركات التي تطلب تلك البطاقة العجائبية))، على حدّ وصفه. ومعاناة أبو خالد
تتكرّر مع أبنائه الستة. نغادر أبا خالد والعبرات تحجب عينيه حين تذكّر ابناً
له استشهد في العام 1976، وبنتاً استشهدت في العام 1988.
حسّونة أبو اللبن لم يحتمل العدوان على حي الزيتون في غزة، فهاجر من هذا الحي
على إثر احتلاله في العام 1967. تزوّج من فتاة في لبنان وله من الأولاد تسعة.
حاول مراراً وتكراراً التسجيل بالأنروا فلم يستطع رغم تسجيله في مديرية شؤون
اللاجئين الفلسطينيين، فتحوّل بذلك هو وعائلته إلى فئة غير المسجلين. زوجة أبو
اللبن تشتكي ممّا آلت إليه الأوضاع، فتذكر أن أولادها حاولوا في التسعينيات
الانتساب إلى معهد سبلين لكنهم لم يستطيعوا بسبب المنع الذي كان سارياً في ذلك
الوقت على فئة غير المسجلين، وكذلك لم يستطيعوا الانتساب إلى الجامعة بسبب
الكلفة المادية العالية، مما اضطرهم للالتحاق بمعاهد ذات مستوى عادي.
حسام، الابن الأكبر، يقول أن أكثر ما يخشاه هو المشاريع التصفوية التي تهدّد
أبناء هذه الفئة، ويعلّل ذلك بأننا فئة قليلة نسبياً قياساً بعدد اللاجئين
الكلي، وأي حلول تصفوية كالتوطين أو التهجير أو التعويض ستنالنا نحن أولاً
كمقياس لردّات الفعل. ويرفض حسام ما يُسمى بـ((الحلول العادلة))، بل المطلوب هو
إعطاء الحقوق كاملة لأصحاب هذه الفئة على اعتبار أنها ((جزء لا يتجزّأ من أبناء
الشعب الفلسطيني)). يضيف أبو اللبن ((نريد فقط الخدمات البسيطة لتساعدنا
بالوقوف في وجه المشاريع التي تُحاك ضدّ شعبنا)). ويضرب مثلاً على الحرمان بأن
راتبه أقل من راتب مرؤوسيه في العمل نتيجة عدم امتلاكه بطاقة إعاشة.
هذا بعض ما تعانيه هذه الفئة من الحرمان والتهميش، ممّا يستدعي تحرّكاً عاجلاً
من المؤسسات الإنسانية، والأحزاب والمنظمات الفلسطينية لتكون فئة غير المسجلين
على رأس أي حوار مستقبلي بين الفلسطينيين والحكومة اللبنانية.
|