حوار مع الشيخ الداعية فتحي يكن
حول تقدّم الحركات الإسلامية في الانتخابات:
-على الإسلاميين إثبات جدارتهم وحلّ المشكلات اليومية للناس
-هناك حركة إسلامية عالمية لكن ليس هناك مشروع إسلامي عالمي
حاوره رأفت مرة
وأحمد الحاج
تنشر بالتزامن والتعاون مع صحيفة ((السبيل)) الأردنية
داعية بامتياز، مربٍ لا يكلّ، مفكر رصين، خلية نحل
متحركة.. هذا هو الشيخ فتحي يكن.
مكانه في طرابلس في شمالي لبنان، لكن موقعه في قلوب وعقول الإسلاميين في كل
العالم، وفي مناهج الحركات الإسلامية وبالأخص منها حاملة المشروع السياسي –
الاجتماعي الشامل.
يتنقل الشيخ يكن بين المحاضرة والدرس والخطبة والنصيحة، يمارس العمل التنظيمي
في مراحل مختلفة، لكنه أينما ذهب، يظل يحمل فكراً ورأياً مدافعاً عن الإسلام
وعن المشروع الإسلامي.
مرجع إسلامي، خبير بقضايا السياسة، علاقاته واسعة، وساطاته كثيرة لتحصين الموقف
العربي - الإسلامي في وجه المشروع الأمريكي – الصهيوني. يحمل اليوم في قلبه
غصّة كبيرة عن أوضاع لبنانية كثيرة.
قصدناه لنبتعد معه إلى حوار حول المشروع الإسلامي الذي حقق تقدماً مهماً رغم
الضغوط والاستهدافات.
-الإسلاميون تقدموا انتخابياً في فلسطين ومصر والعراق،
ما هي دلالات ذلك على الحاضر والمستقبل؟
• قبل الكلام عن الدلالات، لا بد من الكلام عن الخلفيات التي جعلتهم في هذا
الموقع المتقدم. باختصار شديد أقول بأن وصول الحركات الإسلامية إلى مواقع
متقدمة، سببه الرئيس هو سقوط الاتجاهات الأخرى؛ شرقية كانت أم غربية. لم تستطع
الرأسمالية أو الشيوعية أن ((ينتشلا)) العالم العربي والإسلامي من الضياع الذي
هو فيه، أو أن يقدّما حلولاً جذرية للمشكلات التي يتخبط فيها، وبخاصة المشاكل
الاقتصادية والاجتماعية، لهذا لم يبقَ في أعقاب سقوط الحضارتين الكبيرتين إلا
العودة إلى الإسلام والتشبث بذلك، وهي فرصة أُعطيت للإسلاميين لكي يثبتوا
جدارتهم –وليس جدارة الإسلام- عبر تفعيل ونقل الإسلام من الإطار الفكري والنظري
إلى الإطار الميداني والعملي.
هذا الأمر ينعكس على المدلولات ومستقبليات العمل الإسلامي، لأن نجاح الحركات
الإٍسلامية في السلطة يرشح الإسلام والإسلاميين لمهام عالمية، ودولية أكبر
بكثير من الأطر القُطرية والمحلية، ويرشح الإسلام لأن يكون موطن الحضارة
العالمية، ويغري شعوباً كثيرة بأن تُقبِل –ابتداءً- على الإسلام وقراءته
والاطلاع عليه، والعكس هو الصحيح، فالفشل في السلطة سيتسبب بانتكاسة ليس
للإسلاميين فقط، بل للإسلام أيضاً.
ونجاح الإسلام، والإقبال على الإسلام سيؤدي، أيضاً، إلى تبلور نظام عالمي يعتمد
على العدالة الإسلامية بدلاً من البؤس والشقاء الذي يتسبب به النظام القائم.
-ألا تتخوف من وقوع تصادم بين الحركات الإسلامية (التي
يتم انتخابها الآن) وبين الجهات الممسكة بالحكم منذ أكثر من مائة عام؟
• لا أتوقع هذا فحسب، بل إني أراه قائماً. فسدنة المعابد والأنظمة يتشبثون
–عادة- بمواقعهم، وليس من السهل عليهم أن يتركوها باختيارهم، فالصراع واقع
–والوقوع هنا نسبي- من خلال الكثير من الأعمال التي يقومون بها للحيلولة دون
وصول الحركات الإسلامية إلى هذه المواقع ودفعهم إلى خارج مواقع القرار.
ففي مصر، مورست الكثير من الأساليب والتعديات لمنع وصول الإسلاميين إلى مواقع
القرار، لأن وصول الإسلام لمواقع القرار سيكشف سوءات الأنظمة الفاسدة الموجهة
من الخارج.
إذن، الصراع قائم قبل وصول الإسلاميين إلى مواقع القرار، وإن وصلوا ستكون
الهجمة أكبر، ولكن بحكمة الإسلاميين وسرعة تمكنهم من ملامسة المشكلات التي
تعاني منها الشعوب، عنده يمكن أن يربحوا الشعوب كلها إلى جانبهم، وبخاصة إن
استطاع الإسلاميون أن يقدموا حلولاً للمشكلات اليومية التي يعيشها المواطنون
(قضايا البطالة، الأزمة الاقتصادية، الصحة، التعليم، الأمن..) عندها ستصبح
الشعوب هي المتراس لمواجهة من يتعدى على مواقع القرار، لأن فيها مصلحتهم
ومصيرهم، والعكس هو الصحيح.
إذن، الصراع قائم. بلوغ الإسلاميين يمكن –إن أحسنوا إدارة دفة الحكم- أن يثبتوا
ويتمكنوا، وهنا مرحلة التمكين في الحكم وعندها يكونوا قد أقاموا سياجاً شعبياً
قوياً يرد عنهم هذه التعديات.
- نلاحظ تقدماً محلياً للإسلاميين، ولكننا لا نلحظ –على
المستوى العالمي- توافقاً إسلامياً على صياغة مشروع موحّد، يواجه الضغوط
الدولية الموحدة في مشروعها السياسي والثقافي والاجتماعي؟
• هذه ظاهرة قديمة ومتجددة تطرح نفسها باستمرار. المشكلة هي أنه ليس هناك مشروع
إسلامي عالمي، قد تكون هنالك حركة إسلامية عالمية، إنما تنقصها المنهجية
العالمية والأدوات والإشراف القيادي العالمي لتصبح عالمية. ولهذا السبب نرى ضمن
إطار العمل الإسلامي مشاريع إقليمية أو محلية لم تصل حتى هذه اللحظة إلى
العالمية، مع أن ما يواجه الإسلاميين كله عالمي. فالمفروض أن تواجه التحدي
العالمي بمشروع عالمي، ولا يمكن لأي مشروع محلي أو قُطري أن يواجه التحدي
العالمي.
لذلك حتى تصبح الساحة الإسلامية في مستوى المواجهة، لا بد أن ينتظمها مشروع
إسلامي واحد، وهذا بالتالي يؤدي إلى احتضان واجتذاب القوى الإسلامية لتأخذ
موقعها في هذا المشروع، فتختفي من هذه الساحة، ظاهرة الصراع الإسلامي –
الإسلامي (الترخص، التوسط، المغالاة، ما يسمى بالإرهاب أو التطرف) حتى هذه
الظاهرة ليست ظاهرة صحية، فظواهر الانقسام ليست فئوية، ولكنه انقسام في
المناهج، بل قد يكون أحدهما سبباً للآخر (التطرف سبب للترخص)، وكذلك الوسطية
التي لا تعني التنازل والمحاباة، فهي مثل ((الحكمة)) وضع الأمور في مواضعها،
ومقولة الحق التي يجب أن تُقال في هذا الجانب أو ذلك.
إذن، مشكلة عدم توحّد الساحة الإسلامية يعود إلى غياب المشروع، ويعود –للأسف-
إلى ولاءات بعض الحركات الإسلامية لجهات معيّنة (أنظمة أو مخابرات) فلا يكون
قرارُها ذاتياً.
وهذا يؤدي إلى أن تتشكل ((طوابير)) في ساحة العمل الإسلامي تصبح مع توالي
الأيام كأنها فتائل تفجير في الساحة، وهذا ما نعيشه في لبنان ومعظم الأقطار
العربية والإسلامية، بحيث ينقلب الصراع من أن يكون بين الإسلاميين مع المشروع
الأمريكي والصهيوني إلى أن يصبح الصراع إسلامياً – إسلامياً بين الحركات. فلا
بد من مشروع إسلامي عالمي متكامل (اجتماعياً وثقافياً وسياسياً وجهادياً
واقتصادياً)، وقيادة مركزية عالمية لا علاقة لها بالقطر الذي تشغله، فلا تنشغل
بمشاغل قطرها.
-هل نحن أمام مواجهة إسلامية – غربية بعد كل ما حصل، أم
من الممكن لهذه الإنجازات الحاصلة في العالم الإسلامي أن تؤسس لنوع من الحوار
والتفاهم وقواسم مشتركة مع المشروع الغربي؟
• أساساً أنا ضد إطلاق مصطلح ((المواجهة مع الغرب))، نحن قد نكون في مواجهة مع
القيادات والأنظمة، لكن الإٍسلام الذي نحمل لا يمكن أن يكون لديه عنوان عريض هو
((شن الحرب على الغرب في الإطلاق))، فالإسلام رحمة للعالمين ونحن من مصلحتنا
ومصلحة العالم كله أن نقدم الإسلام بشكله الحضاري إلى الغرب كما نقدمه إلى
الشرق على اعتبار أن الإسلام عالمي، ولا يمكن أن يكون عالمياً إذا اعتبرنا نحن
أن الغرب بات عدواً لنا، وإنما أصحاب القرار في هذا الغرب، مع نسبٍ مختلفة،
فالغرب ليس واحداً، وهناك فرق بين أمريكا وغيرها.
لذلك من واجبنا أن نفتح الأبواب على مصاريعها، وأن نتحاور مع الغربيين ونقدم
الإسلام لهم ليعرفوه، لأن أنظمة الحكم هناك، من أجل بقائها، تقدم الإسلام بشكل
مقزز وتنفّر منه وتعمل على تشويهه.
وكثير من السيناريوهات تُرتكب –كما هو الحال في العراق، بفعل استخبارات الـCIA
والموساد وغيرهما وتُلصق بعد ذلك بالإسلاميين.
أي كوّة أو واسطة يمكن الدخول من خلالها إلى الغرب لتقديم الإسلام (الفضائيات،
الإنترنت، وغيرها) يجب أن نستثمرها. الغربي أوصلته حضارته إلى طريق مسدود، ومن
مصلحتنا أن تكون الأبواب مفتوحة بيننا وبين الغرب كي نعرض الإسلام هناك بدون
ضغوط.
حتى في التشريع الحربي والعسكري في الإسلام، لا يُقاتَل الآخرون إلا إذا منعونا
من الدعوة، فدعوة الناس هي أساس عندنا، هذا ابتداء، فإذا قامت الدعوة وفُتحت
الأبواب انتفت أسباب الحرب في الإسلام، إلا إذا حصل اعتداء على بلاد المسلمين،
فليست الحرب ولا السيف هو الأساس، بل الدعوة هي الأساس، وأتمنى أن يكون هذا
التصور واضحاً لدى كل الدعاة والحركات والإسلامية، لأن مهمتنا نحن أن نقدم هذا
الدين كمنقذ للبشرية والفرد من مشكلاته وضياعه.
- هناك خشية جدية من محاولات ((علمنة)) الحركات
الإسلامية، بمعنى أن هذه الحركات باتت تخشى –نتيجة الضغوط الدولية- تطبيق بعض
الأحكام الشرعية؟
• لا أعتقد أن يكون هناك خطر على أي من الحركات الإسلامية في قضية علْمنَتِها،
إذا كان المقصود بالعلمنة الجانب العقائدي الذي قام قديماً في فرنسا بفصل الدين
عن الدولة مثل: الترخّص، التسامح.. فالتسامح جاء به الإسلام.
وإذا كان المقصود: العملية؛ الجانب العملي، فالإسلام هو منهج العلم الذي يدعو
إلى العلم وإلى العلمية وإلى أن تقوم كل حركة من حركاته على أصول علمية، ولا
تصادم عندنا بين العلم والدين.
- قصدنا بالسؤال أن تحكم الحركات الإسلامية بالشكل لا
المضمون، خاصة في الجانب القانوني، ففي تركيا مثلاً وصل الإسلاميون إلى الحكم
لكن لم يحكموا بالإسلام؟
• هذا حكم بالشعار لا بالمضمون، وأعتقد أنه لا مكان لهذه الظاهرة أن تخترق حركة
إسلامية أصيلة، قد تنشأ حركة جديدة تحمل شعاراً كهذا، قد تكون صنيعة (تصنعها
أمريكا وتطلب منهم دوراً محدداً).
الإسلام لا يمكن أن يقبل حالة الانفصام بين الشعار والمضمون، ففي لبنان قامت
حركات شعارها أكبر بكثير من المضمون، لكن هذه الحركات انتهت بسرعة، فالإسلامي
لا بد أن يكون إسلامياً أصيلاً يأخذ بالشكل والمضمون والجوهر، إلا أن تكون
مصطنعة، مأجورة، مستأجرة، مخترقة.
- تعليق الأحكام الشرعية- -في هذه الفترة- تقبله بعض
الحركات الإسلامية نتيجة الضغوط، هل له مبرر شرعي؟
• حسب الأحكام الشرعية، هناك أحكام شرعية لا يجوز تعليقها بحال من الأحوال،
وهناك أحكام شرعية علقت في التاريخ الإسلامي مثل قطع اليد الذي عُلّق في حالة
الفقر والضغط الاقتصادي، فالخليفة الراشد أوقف العمل بهذا الحكم. وهذه تدخل في
قضية الضرورات، والضرورات تقدّر بقدرها زماناً ومكاناً وموضوعاً حسب الوضع،
ولكن لا يمكن أن يكون إطلاقاً، ليكون في موقع القرار، فموقع القرار لا يقدم على
تحكيم الشريعة. فإن لم تستطع أن تنقل معك الشريعة إلى موقع القرار فالأفضل أن
تبقى خارج موقع القرار.
- البعض يراهن أن وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة، هو
فورة عاطفية شعبية نتيجة الإحباط من الأفكار الأخرى، وأن هذه الفورة لن تلبث
وتهدأ مع مرور الوقت، ومع فشل الحركات الإسلامية في التعامل مع النظم الحديثة؟
• هذا الموضوع موجود بنِسب مختلفة، إنما الذي يدحض هذا أو يثبته ويقويه هو أداء
الإسلاميين في السلطة، فالأداء هو الذي يحكم بعد ذلك لهم أو عليهم. في لبنان،
خاضت ((الجماعة الإسلامية)) الانتخابات عام 1992، بإمكانات محدودة جداً، ومع
رفض الشعب للسياسيين القائمين، وكان الناس يريدون الإسلاميين، كان من واجبنا
هذه الهبّة العاطفية إلى حالة اعتقادية من خلال ممارستنا في السلطة، ليرى الناس
بالأرقام أن وجود الإسلاميين في السلطة حقق عدالة اجتماعية أو إنماء متوازناً،
خفّض نسبة العاطلين عن العمل، كافح كثيراً من قضايا الجهل والأمية والجريمة في
المجتمع، هذا هو الذي سينقل الحالة العاطفية إلى حالة عقلانية منطقية اعتقادية؛
بل يمكن أن يتضاعف عدد المؤيدين لها في المستقبل. مثلاً، وصلت حماس بنسبة
كبيرة، فإذا نجحت في الحكم فإن النسبة ستزيد.
إذن، إن الأداء هو الحكَم في هذا الموضوع، فقضية ((أطعمهم من جوع وآمنهم من
خوف))، و((الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار)) هذه هي الجوانب الأساسية،
بالإضافة للجانب الأمني (الاستقرار)، فالاقتصاد لا يمكن له أن ينتعش إلا في ظل
واقع مستقر.
- إذا أردنا ترتيب أولويات الحركات الإسلامية في السلطة،
التحرر السياسي، التنمية الاقتصادية، البناء الاجتماعي، النظم التعليمية.. كيف
يمكن ترتيب هذه الحاجات الأساسية؟
• يعود ترتيب الأولويات إلى جملة اعتبارات منها: الساحة التي تعمل من خلالها،
الزمن والظروف المحيطة، الإمكانيات المتوافرة. ولكن في النهاية عليك أن تنظم
أولوياتك دون إهمال أي منها، فلا يعني السعي إلى التحرّر السياسي إهمال التنمية
الاقتصادية مثلاً. ولكن الأولوية يجب أن تكون أولوية اجتماعية لاحتضان كل القوى
في مسيرة الحكم وفي مشروع الحكم..
كثير من الحركات لديها مشاريع للوصول إلى الحكم، لكن قليلاً منها التي عندها
مشاريع للحكم نفسه، أن تصل للحكم أمر مختلف عن أن تثبت في الحكم وتصحح الأوضاع
فيه.
يمكن أن تنجح في مشروع الثورة، ولكنه لا يعني أنك ستنجح في مشروع الدولة.
الثورة تختلف عن الدولة، فالثورة أقلّ مسؤولية من الدولة. إذا وصلتَ إلى الحكم
ما هو مشروعك؟ حل حضّرتَ له؟ وما هي آلياته؟ هذا من شأنه أن يجمع الناس حولك.