حماس والسياسة الغربية بعد الفوز
فرض الأمر الواقع في مواجهة المقاطعة الغربية
بون/نبيل شبيب
توهّم المسؤولون في الاتحاد الأوروبي أن أقصى ما يمكن أن تسفر عنه الانتخابات
النيابية الفلسطينية هو حصول حماس على ما يتراوح بين 30 و40 في المائة من مقاعد
المجلس الجديد، وأن الضغوط الغربية ستكون كافية لتطويق النتيجة، إمّا بالحيلولة
دون مشاركة حماس في تشكيل حكومة فلسطينية جديدة، أو أن تكون مثل تلك المشاركة
جزئية تحت السيطرة. وبدأت ممارسة الضغوط قبل ظهور النتائج، حتى إذا ظهرت وتبيّن
أنّ حماس ليست مجرّد فصيل من فصائل المقاومة، وإنّما هي الجهة التي تمثّل إرادة
الغالبية الكبرى من شعب فلسطين على كل صعيد، لم يبق أمام المسؤولين الغربيين
عموماً مجالٌ للحفاظ على بقية باقية من ادّعاء احترام نتائج انتخابات ديمقراطية
-جرت وفق مراقبيهم هم- دون المعتاد من ألوان التلاعب والتزوير، كالذي يقولون به
عن انتخابات أخرى، سابقة في فلسطين، وفي بلدان عربية وإسلامية أخرى، ولكنهم
-وهنا تكمن معضلة ازدواجيتهم- يقبلون بنتائجها ويتعاملون مع الفائزين فيها دون
تردّد يذكر.
رفض المرجعية الإسلامية
هل هي ازدواجية في ((تطبيق)) المعايير أم هي ازدواجية المعايير نفسها؟ إن أساس
المعضلة يكمن في أن منظومة الغرب عن الإرادة الشعبية، والحرية، والتعددية،
والانتخابات، وسائر ما يمتّ إلى هذه القيم والقواعد والنظم بصلة، قامت من
الأساس على إخراج الدين وسائر ما يمتّ إلى الدين بصلة من دائرتها. وعندما تسفر
الانتخابات في بلدان إسلامية عن اختيار الاتجاه الإسلامي، يقدّر صانعو القرار
في الغرب أن الاختيار وقع بذلك على المرجعية الإسلامية نفسها، بعد ازدياد الوعي
بأن الإسلام دين شامل لسائر ميادين الحياة. رفض النتائج لا يعود إذن إلى رفض
حزب أو جماعة أو منظمة فحسب، وإنّما ينطلق من رفض مرجعية الآخر، ومعاييره، سواء
التقت أم لم تلتق في بعض التفاصيل على الصعيد التطبيقي أو حتى أكثر التفاصيل مع
المرجعية الغربية القائمة على إرث تاريخي طويل، فكيف يُنتظر التأييد لمرجعية
تتفوّق على المرجعية الغربية في مراعاة حقوق الإنسان وحرياته، وحماية مصالحه،
بما يتفق مع نصوص المواثيق الدولية نفسها؟
إنّ نجاح حماس لم يضع الغرب أمام إشكالية الدعم المالي أو قطعه، والتي وضعها في
الصدارة، بل وضعه جملة وتفصيلاً أمام ركام تاريخ طويل من الازدواجية في مرجعية
التعامل مع قضايا الحرية والانتخابات والديمقراطية وغيرها، ممّا لا ينقطع عن
استخدام رفع شعاراته ذريعة في تسويغ مواقفه السياسية وغير السياسية، معاداةً
لهذا الفريق، وتعاوناً مع فريق آخر.. جميع ذلك لم يعد قابلاً للتمويه، في
المنطقة الإسلامية تخصيصاً، وحتى في المنطقة الغربية جزئياً، لا سيّما وأن
الفوز الانتخابي لحماس أتى في ظروف كشفت على أكثر من صعيد وفي أكثر من موقع
دفعة واحدة، عن الواقع الدولي الراهن، وتحكّم عنصر القوّة ومطامع الهيمنة فيه،
خارج أي غطاء من الشرعية الدولية، أو القيم والمبادئ الإنسانية، بما فيها تلك
التي يعتبرها الغرب عنواناً لوجوده، ويتصرّف معها بأسلوب احتكاري.
من هنا لا ينبغي الاقتصار في تفسير موقف العداء الغربي الشديد لحماس على أنه
يستهدفها كمنظمة مقاومة فقط، أو يستهدف مواقفها وممارساتها، إنّما هو موقف
العداء لمرجعية المنهج الذي استطاعت حماس أن ترتفع بنفسها إلى مستوى دمجه في
التعبير عن الإرادة الشعبية، ليس في مقاومة الاحتلال فقط، بل في مختلف ميادين
الحياة اليومية والمعيشية للإنسان الفلسطيني.
ومن هنا أيضاً يجب التأكيد أن ما يراهن عليه الغربيون وسواهم بصدد تراجع حماس
عن هذا الجانب أو ذاك ممّا التزمت به، فحقّقت الفوز الانتخابي، هو ما يمكن أن
يمثل الخطر الأكبر عليها -ولا يُرجى ذلك لها ولا يُنتظر منها- وليس على
المرجعية التي تتبناها، فالعنصر الحاسم شعبياً في فلسطين وسواها من المنطقة
الإسلامية، أن سياسات السلطات والأحزاب والجماعات والأفراد تقاس على معايير تلك
المرجعية وليس العكس، وأن تأييد الناخب تأييد لمن التزم تلك المرجعية فإن تراجع
عنها تراجع تأييده، وفقد مسوّغات وجوده وشعبيته.
معطيات سياسية جديدة
على الصعيد السياسي لم يأتِ فوز حماس الانتخابي في فترة سابقة، كانت قد غلبت
فيها علامات النزاع الشديد عبر حلف شمالي الأطلسي إبّان حرب احتلال العراق، بل
في مرحلة انتقالية، يحاول كلّ طرف فيها أن يتجاوز النزاع إلى حقبة أخرى من
التعاون، ولكن بشروط جديدة غير التي سادت حتى اندلاع تلك الحرب. وبالمنظور
الأوروبي لا يخفى التراجع إلى درجة الانهيار للمنطلقات الأمريكية في حملة
الحروب الجديدة التي أطلقتها من عقالها، فلم يعد السؤال الحاسم المطروح
أوروبياً، عن كيفية التعامل مع واشنطن لتحدّ من غلوائها، فهذا ما بدأت تصنعه
كارهة نتيجة معالم الإخفاق في حملتها العدوانية، وإنّما بات السؤال الأهمّ في
الأوساط الأوروبية هو البحث عن إيجاد مخرج للأمريكيين والبريطانيين، كيلا
يتحوّل التراجع في مشاريع الهيمنة الأمريكية إلى انهيار شامل لا يقف عند حدود
الدول الغربية الأخرى لا سيما الأوروبية. وكان من علامات ذلك التقارب
الفرنسي-الأمريكي مجدداً، والتركيز على مستقبل حلف شمال الأطلسي كما يُنتظر أن
يجري البحث عنه في مؤتمره القادم في ليتوانيا.
إن فوز حماس يأتي بهذا المنظور الأوروبي متأخراً، وربّما وجد مواقف أوروبية
مختلفة عن الأمريكية لو كان قبل عام واحد أو عامين، إنما يجد اليوم -وبصورة
استعراضية- توحيد المواقف على جانبي الأطلسي، وبالتالي توحيد الضغوط الغربية،
دون مراعاة أي اعتبار آخر، ودون التستّر التقليدي وراء ادعاءات سابقة بأن
المنظمات الفلسطينية التي تمسّكت بنهج المقاومة، لا تمثّل إرادة الشعب
الفلسطيني.
وقد يكون من باب التفاؤل أكثر مما ينبغي أو يكون من قبيل الديبلوماسية المفيدة
أن تصدر عن المسؤولين في حماس توقعات تقول إن الاتحاد الأوروبي سيدخل في
مفاوضات مباشرة معها خلال الشهور الستة القادمة. فرغم الاتصالات غير المباشرة
والمباشرة التي كانت تجري قبل الانتخابات، لا يبدو من السياسات الأوروبية
الراهنة أن هذا قابل للتحقيق، ليس بسبب الخطوط الحمراء التقليدية في الغرب
فحسب، السارية المفعول على سائر ما يتعلق بالإسرائيليين، وإنما هو في الوقت
نفسه بسبب الخطوط الحمراء التي تجاوزتها الدول الغربية منذ زمن بعيد في التعامل
مع المنطقة العربية والإسلامية، وأصبحت من الأسباب الرئيسية في اتجاه التغيير
الجاري في أرجاء المنطقة، وفق تصاعد الضغوط الشعبية نفسها. ولا يخفى أن الغضبة
الجماهيرية الكبيرة بسبب رسوم الكاريكاتور المسيئة لمقام النبوة، علامة بارزة
للعيان لهذا التغيير.
إنّ المنطقة إجمالاً مقبلة على جولة جديدة من محاولات الغرب لاستعادة وحدة
مواقفه على أرضية جديدة بين القوى المتنافسة فيه، والعمل للحفاظ على مكاسبه غير
المشروعة من خلال هيمنته الطويلة الأمد على المنطقة العربية والإسلامية،
وللحيلولة دون أن يتخذ التغيير مجرى حضارياً وسياسياً، يقلب الأوضاع الراهنة
للعلاقات الغربية بالمنطقة رأساً على عقب.
وفي هذا الإطار العام، لا يُنتظر من الدول الأوروبية التراجع عن مواقفها
وسياساتها تجاه حماس في المستقبل القريب على الأقلّ، بعد أن رصدت أيضاً أن
الانتفاضة التي كانت حماس محرّكها ومشعلها طوال السنوات الماضية، لعبت دوراً
حاسماً في انتشار ظاهرة ((حياة الوجدان)) الإسلامية عامة، والتي يمكن أن تنبني
عليه إنجازات جديدة، تخرج بالمنطقة من موقع التبعية للغرب.
للضغوط حدودها في صناعة الأمر الواقع
وسائل الضغط التي تلوّح بها التصريحات الرسمية الأوروبية والغربية عموماً، لا
تمثّل أسلحة حقيقية لحصار حماس، لا سيّما وأن بعض التصريحات الرسمية كشفت عن أن
موقع المعونات المالية محدود الأثر على صعيد مستوى المعيشة اليومية
للفلسطينيين، ولم يكن خافياً من قبل أيضاً، أن العنصر الأكبر في تخفيف المعاناة
على الأرض الفلسطينية لم يكن يتمثّل في تلك المساعدات المالية القادمة عن طريق
السلطة، بل كان كامناً في قدرة حماس نفسها على التحرّك الشعبي بقوّة، في موازاة
ممارسة المقاومة، وهذا رغم مقاطعتها أمريكياً وغربياً، ورغم ما مارسته الآلة
العسكرية الإسرائيلية فضلاً عن مواقف السلطة وإجراءاتها في السنوات الماضية،
واقتصار الدعم الإقليمي على حدود ضيّقة.
الاحتمال الأكبر هو أن تزداد السياسات الأوروبية تشدداً -رغم الاختراق الروسي-
وأن تقترب من السياسات الأمريكية، في تغطية الإجراءات والتحرّكات العسكرية
والمالية وغيرها من جانب الحكومة الإسرائيلية تجاه حكومة فلسطينية، وتجاه الشعب
الفلسطيني، مما لا يخرج في سائر أشكال تطبيقه المتوقعة، عن نطاق ((مضاعفة
العقوبة)) التي تستهدف الشعب نفسه، بسبب تعبيره عن إرادته الحرة، وعدم خضوعه
للضغوط حتى الآن.
ولهذا يجب التأكيد أن نجاح حماس لن يكون في ساحة تعاملها مع الساسة الأمريكيين
والأوروبيين، وإن كان ذلك لا يمنع من أن إصرارها على الانفتاح دولياً، بما يشمل
الغرب، يساهم في ازدياد الكشف عن السياسات الغربية، وإن رافقتها محاولات
التغطية عليها بالتمييز بين مساعدات إنسانية، يقال إنها لن تنقطع، وأخرى
((تطويرية)) تُقطع تحت عنوان مقاطعة حماس، وكأن تطوير البنى التحتية التي
تدمّرها الاعتداءات الإسرائيلية، أو تنفيذ مشاريع اقتصادية لتأمين أماكن العمل
والارتزاق للأسر الفلسطينية، لا علاقة له بعنوان ((مساعدات إنسانية)).
ولا يخفى أن القليل من المساعدات الذي يتجاوز قنوات الفساد المالي ويساهم فعلاً
في تنفيذ بعض المشاريع، كان يقابله استمرار حملة التدمير الإسرائيلية للمنشآت
على اختلافها، والمحاصيل الزراعية، وإتلاف الحقول وأشجارها.. فما الذي كانت
تصنعه تلك المساعدات بين سندان الفساد ومطرقة التدمير، ليمكن استخدام ورقة
التهديد بقطعه، وسيلة للضغط على الإنسان الفلسطيني بدعوى محاصرة حماس
ومقاطعتها؟
ليس التحدّي الأكبر الذي تواجهه حماس هو تلك الضغوط كما بات يراد تأكيده عبر
التصريحات الرسمية التي تواكبها موجة من الكتابات الإعلامية، الغربية والعربية،
وبالتالي ليس الميدان الأوّل المطلوب من حماس أن تتحرّك فيه، هو إيجاد سبيل من
سبل التفاهم مع صانع القرار الأوروبي أو الغربي عموماً، بشروطه هو، بدلاً من أن
تكون الشروط مطروحة من جانب مَن يمثّل إرادة شعب فلسطين، إنما ينبغي التركيز
على التحدّي الداخلي، في مجالين اثنين، أحدهما العلاقة مع الفصائل الأخرى، بما
في ذلك فتح، فسياسة حماس في السنوات الماضية على هذا الصعيد كانت من الأسباب
الرئيسية للفوز في الانتخابات، ويمكن لمزيد من النجاح على هذا الصعيد أن يضع
القوى الدولية أمام واقع فلسطيني جديد. والمجال الثاني هو متابعة نهج التعامل
مع احتياجات الشعب الفلسطيني، سواء عن طريق الاكتفاء الذاتي، أو عن طريق تأمين
المعونة من مصادر أخرى، لا تصل إليها ضغوط المقاطعة الغربية، وهو أيضاً أحد
الأسباب الرئيسية للفوز الانتخابي.
إن المغزى الأكبر لفوز حماس، هو أنها لأوّل مرة في تاريخ قضية فلسطين، قلبت
معادلة ((سياسة فرض الأمر الواقع))، فاستعادت زمام المبادرة على هذا الصعيد،
بعد افتقادها فلسطينياً وعربياً لزمن طويل، فاستطاعت فرض الأمر الواقع على
أرضية الداخل الفلسطيني، وعلى أرضية الواقع الإقليمي، وعلى الأرضية السياسية
الدولية للتعامل مع القضية، وإذا كان من الجوانب التي كشف عنها الفوز
الانتخابي، هو أن طريق المفاوضات لم يوصل إلى أمن، ولا سلام، كلي ولا جزئي، ولا
إلى تحرير، فإن الجانب المقابل لذلك، هو أن التواصل الطويل الأمد منذ أواخر
الستينات من القرن الميلادي العشرين، مع القوى الغربية، لم يوصل أيضاً عبر
المفاوضات، والمساومات، إلى إدخال تعديل على سياساتها ومواقفها، في اتجاه
الإقرار بشرعية القضية وعدالتها، وحقوق شعب فلسطين وتحريره وتحرير أرضه، فليس
المدخل الواقعي الفعّال إلى السياسات الأوروبية أو الغربية عموماً، هو ما يراد
تعميم معيار الالتقاء أو عدم الالتقاء، والتفاوض أو عدم التفاوض، مع المسؤولين
من الدول الغربية، وإنما هو -كما كان في السنوات الماضية- مدخل متابعة بذل
الجهد الأكبر رغم العقبات لصناعة الأمر الواقع على أرضية الداخل الفلسطيني
وإقليمياً، فآنذاك وآنذاك فقط يمكن رصد تحوّل في المواقف الغربية، وآنذاك تصدر
الرغبة في الالتقاء والحوار والتفاوض، عن الطرف الآخر.
لمتابعة ملف مستقبل علاقات حماس الدولية